الباحث القرآني

قوله: ﴿وَإِنَّ لَكُمْ فِي ٱلأَنْعَامِ لَعِبْرَةً نُّسْقِيكُمْ مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ إلى قوله: ﴿لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. * * * قوله: ﴿نُّسْقِيكُمْ﴾ مَنْ ضَمَّ النون، أو فَتَح، فهما لغتان عند أبي عبيدة. وقال الخليل وسيبويه: سقيته ناولته، وأسقيته جعلت له سقياً. * * * وقوله: ﴿مِّمَّا فِي بُطُونِهِ﴾ يذهب سيبويه أن العرب تخبر عن الأنعام بخبر الواحد. وقال [الكسائي معناه نسقيكم مما في بطون ما ذكرنا. فذكر على ذلك. وقال] الفراء: الأنعام والنعم واحد فرجع هنا إلى تذكير النعم. وحكى عن العرب: هذا نعم وارد. وقال أبو عبيدة: معناه نسقيكم مما في بطون أيها كان [ذا] لبن لأنها ليست كلها لها [لبن]. وعن الكسائي أن التذكير على البعض أي نسقيكم مما في بطون بعض الأنعام. وقيل: المعنى: أن التذكير إنما جيء به لأنه راجع على ذكر النعم، لأن اللبن للذكر منسوب. ولذلك قال النبي ﷺ: "اللبن للفحل"وبذلك يحكم أهل المدينة وغيرهم في حكم الرضاع. ومعنى الآية: وأن لكم لعظة في الأنعام التي نسقيكم مما في بطونها من بين فرث ودم. والفرث ما يكون في الكرش من غذائها. ويقال: أفرثت الكرش إذا أخرجت ما فيها. لبنا خالصاً: أي خلص من مخالطة الفرث والدم. والمعنى: أن الطعام يكون منه [ما] في الكرش، ويكون منه الدم، فيخلص اللبن من الدم. ومعنى: ﴿خَالِصاً سَآئِغاً لِلشَّارِبِينَ﴾ أي: يسوغ لمن شربه، ولا يغص به. وقيل معناه: سهلاً لا يشجى به من شربه متساغ في الحلق لا يشاحه [فيه] مرارة. وقيل: إنه لم يغص أحد باللبن قط. وهذه الآية تدل على فساد قول من يقول: أن المني إنما نجس لسلوكه مسلك البول [فهذا اللبن يسلك مسلك البول] وهو طاهر. وهذا إنما يصح على قول: من يرى أن أبوال الإبل والبقر والغنم غير طاهرة. ولا يلزم من قال: إن أبوالها طاهرة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمِن ثَمَرَاتِ ٱلنَّخِيلِ وَٱلأَعْنَابِ تَتَّخِذُونَ مِنْهُ سَكَراً وَرِزْقاً حَسَناً﴾. معناه: ولكم أيضاً أيها الناس عبرة فيما نسقيكم من ثمرات النخيل والأعناب. و "ما" محذوفة من الكلام. والمعنى من ثمرات النخيل والأعناب ما تتخذون. وإنما جاز الحذف لدلالة "من" عليها لأن "من" تقتضي التبعيض، فدلت على الاسم المبعض فحذف. وقال بعض البصريين التقدير: ومن ثمرات النخيل والأعناب شيء تتخذون، وحذف شيء لدلالة الهاء في "منه" عليه. فأما "السكر" [فـ]قال ابن عباس: "السكر" ما حرم الله [عز وجل] من شرابه، و "الرزق الحسن" ما أحل من ثمرته، يعني: الزبيب والتمر. وقال [به] ابن جبير ومجاهد. وقال الحسن: ذكر نعمته في السكر قبل تحريم الخمر. وقال قتادة: السكر خمور الأعاجم، والرزق الحسن مما تنتبذون وما تخللون وما تأكلون. وهذا منسوخ عند أكثر العلماء، وهو قول: مجاهد وابن جبير والشعبي. والذي عليه أهل النظر: إن هذا لا يجوز نسخه لأنه خبر، وليس بأمر فينسخ، وإنما نزلت هذه الآية قبل أن تحرم الخمر. أخبرنا الله [عز وجل] أنهم يتخذون [به] ذلك. فلم يأمرنا بشربها، إنما هو خبر عما أنعم عليهم به وقد قال أبو عبيدة السكر: الطعم يعني: الزبيب، والعنب، والثمر والرطب. وقال غيره السكر ما يسد الجوع مشتق من سكرت النهر إذا سددته. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾. أي: إن في ما ذكر من النعم التي أنعمها عليهم لدلالة واضحة لقوم يعقلون عن الله [عز وجل] حججه [و] يفهمون عنه [سبحانه] مواعظه [جلت عظمته]. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَوْحَىٰ رَبُّكَ إِلَىٰ ٱلنَّحْلِ أَنِ ٱتَّخِذِي مِنَ ٱلْجِبَالِ بُيُوتاً﴾. أي: ألهم ربك يا محمد النحل بأن تتخد من الجبال بيوتاً ﴿وَمِنَ ٱلشَّجَرِ وَمِمَّا يَعْرِشُونَ﴾. يعني الكروم، وقيل: "يعرشون" يبنون من السقوف. * * * ﴿فَٱسْلُكِي سُبُلَ رَبِّكِ ذُلُلاً﴾. أي: طرق ربك، ﴿ذُلُلاً﴾ أي: متذللة. وقال مجاهد: لا يتوعر عليها مكان سلكته. فيكون على هذا التأويل "ذللاً" حالاً من السبل، وعلى القول الأول: حالاً من الضمير في اسلكي، وهو قول: قتادة، لأنه قال: معناه: فاسلكي سبل ربك مطيعة. وقال ابن زيد: الذلول: الذي يقاد ويذهب به حيث أراد صاحبه، قال: فهم يخرجون بالنحل ينتجعون بها ويذهبون وهي بينهم. ثم قرأ: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا خَلَقْنَا لَهُم مِمَّا عَمِلَتْ أَيْدِينَآ أَنْعاماً فَهُمْ لَهَا مَالِكُونَ﴾ [يس: ٧١]. فيكون ذللاً على هذا التأويل حالاً من النحل. واختار الطبري أن يكون حالاً من السبل لقربه منها. * * * وقوله: ﴿مُّخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ﴾، أي: منه أبيض وأحمر. * * * وقوله: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾. قال مجاهد: الهاء في فيه لـ[ـلـ]ـقرآن، وقال [به] الحسن والضحاك، أي: فيما قصصنا عليك من الآيات شفاء للناس، وقيل: الهاء عائدة على العسل، قاله: قتادة. وقيل "للناس": عام يراد به الخصوص. والمعنى: لبعض الناس، لمن قدر الله [عز وجل] له أن يشفى بالعسل. وقد روي عن النبي ﷺ في ذلك أخبار أنه العسل، وهو قول: ابن عباس. وقال: ابن مسعود: عليكم بالشفاءين فإن الله جعل في القرآن شفاء وفي العسل شفاء. وقال: "العسل شفاء من كل داء، والقرآن شفاء لما في الصدور" وكان ابن عمر لا يشكو قرحة، ولا شيئاً، إلا وجعل عليها العسل حتى الدمل إذا كان به طلاه بعسل، فقيل له في ذلك فقال: أليس الله [عز وجل] يقول: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾. وروي أن عوف بن مالك الأشجعي مرض، فقيل له: ألا نعالجك؟ فقال [نعم]: ايتوني بماء سماء فإن الله يقول: ﴿وَنَزَّلْنَا مِنَ ٱلسَّمَآءِ مَآءً مُّبَٰرَكاً﴾ [ق: ٩]، وإيتوني بعسل فإن الله يقول: ﴿فِيهِ شِفَآءٌ لِلنَّاسِ﴾. وايتوني بزيت فإن الله يقول: ﴿مِن شَجَرَةٍ مُّبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ﴾ [النور: ٣٥] فجاء بذلك، فخلطه جميعاً [ثم شربه] فبرئ. ثم قال [تعالى] ﴿إِنَّ فِي ذٰلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾. أي: إن في إخراج العسل من أفواه النحل كما يخرج الريق من فم أحدكم على اختلاف مطاعمها ومراعيها إذ ترعى حامضاً ومراً وما لا طعم له، ثم تهتد[ي] إلى سلوك السبل وترجع إلى بيوتها، لدلالة وحجة لمن تفكر في ذلك فيعلم أن الله على كل شيء قدير، وأن العبادة لا تكون إلا له، لا إله إلا هو.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.