الباحث القرآني

قوله: ﴿وَكُلَّ إِنْسَانٍ أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إلى قوله: ﴿تَدْمِيراً﴾. المعنى: وكل إنسان ألزمناه مما قضي له أنه عامله وصائر إليه من شقاء أو سعادة. فعمله في عنقه لا يفارقه. * * * وقوله: ﴿أَلْزَمْنَاهُ طَآئِرَهُ فِي [عُنُقِهِ]﴾ إنما هو مثل: خوطبوا به على ما كانوا يستعملون في التشاؤم والتفاؤل من سوائح الطير وبوارحها، فأعلمهم الله [عز وجل] أن كل إنسان قد ألزمه الله طائره في عنقه نحساً كان أو سعداً. قال ابن عباس: "طائره" عمله وما قدره الله [عز وجل] عليه، وكذلك قال مجاهد، [وقال]: وما من مولود يولد إلا وفي عنقه ورقة مكتوب فيها شقي أو سعيد، وقرأ: ﴿أُوْلَـٰئِكَ يَنَالُهُمْ نَصِيبُهُم مِّنَ ٱلْكِتَابِ﴾ [الأعراف: ٣٧] أي: ما سبق لهم. يعني: كتاب عمله. وإنما خص العنق بالذكر [دون] سائر الأعضاء لأنه تعالى خاطب العرب بلسانها وبما تستعمله من لغاتها. والعنق عند العرب هو موضع السمت وموضع القلادة والأطواق وغير ذلك، فنسب إلزام الكتاب إلى العنق لكثرة استعمالهم المعاليق فيه. ألا ترى أنهم قد أضافوا الأشياء الملازمة سائر الأبدان للأعناق، كما أضافوا جنايات أعضاء البدن إلى الأيدي فقالوا: "ذلك بما كسبت يداك". وإن كان الذي كسبه لسانه أو فرجه. وقيل: "طائره" حظه. من قولهم: طار بينهم فلان بكذا، إذا أخرج سهمه على نصيب [من] الأنصباء. * * * وقوله: ﴿وَنُخْرِجُ لَهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ كِتَاباً﴾. قرأه مجاهد والحسن وابن محيصن "ويخَرج" بياء مفتوحة. على معنى ويخرج له الطائر يوم القيامة كتاباً. فيكون الكتاب على هذه القراءة حالاً. وقرأ أبو جعفر "ويُخرج" بياء مضمومة، على ما لم يسم فاعله والذي قام مقام الفاعل مضمر [في] الفعل و "كتاباً" منصوب أيضاً على الحال، و "كتاباً" على قراءة الجماعة مفعول بـ "نخرج". وقال قتادة: "طائره" عمله. والمعنى: على قراءة أبي جعفر ونخرج له ذلك العمل ﴿كِتَاباً يَلْقَاهُ مَنْشُوراً﴾ قال معمر: وتلى الحسن ﴿عَنِ ٱلْيَمِينِ وَعَنِ ٱلشِّمَالِ قَعِيدٌ﴾ [ق: ١٧]، فقال: يابن آدم بسطت لك صحيفتك، ووكل بك ملكان كريمان، أحدهما عن يمينك، والآخر عن يسارك فأما الذي عن يمينك فـ[ـيـ]حفظ حسناتك وأما الذي عن يسارك فيحفظ سيئاتك فاعمل ما شئت: أقلل أو أكثر، حتى [إذا] مت طويت صحيفتك، فجعلت في عنقك معك في قبرك حتى تخرج يوم القيامة كتاباً تلقاه منشوراً. فيقال لك ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ قد عدل والله عليك من جعلك حسيب نفسك. ومعنى: ﴿ٱقْرَأْ كِتَٰبَكَ﴾. أي: كتاب عملك الذي عملته في الدنيا كانت الملائكة تكتبه عليك ﴿كَفَىٰ بِنَفْسِكَ ٱلْيَوْمَ عَلَيْكَ حَسِيباً﴾ أي: حسيبك اليوم نفسك يحسب عليك أعمالك ويحصيها عليك لا ينبغي عليك شاهداً غيرها. * * * ثم قال: ﴿مَّنِ ٱهْتَدَىٰ فَإِنَّمَا يَهْتَدي لِنَفْسِهِ﴾. أي: من استقام على طريق الحق فليس ينفع إلا نفسه لأنه يوجب لها رضوان الله [عز وجل] ودخول جنته. ﴿وَمَن ضَلَّ﴾ أي: ومن جار أي: عن قصد الحق فليس يضر إلا نفسه لأنه يوجب لها غضب الله [سبحانه] ودخول النار [أعاذنا الله منها]. وتقديره من اهتدى فإنما يكسب أجر هدايته لنفسه: ومن ضل فإنما يكسب إثم ضلالته لنفسه وهو مثل قوله: ﴿إِنْ أَحْسَنْتُمْ أَحْسَنْتُمْ لأَنْفُسِكُمْ وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] [وهو] مثل قوله: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. ويروى أنها نزلت في أبي سلمة بن الأسود آمن، وفي الوليد بن المغيرة بقي على كفره. وكان الوليد بن المغيرة يقول: اتبعوني وأنا أحمل أوزاركم. فأنزل الله، جل ذكره: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. والآية عامة في كل مؤمن وكافر. * * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ﴾. أي: لا يحمل أحد ذنب غيره. وقال "وازرة" بمعنى نفس وازرة. وقيل معناه: لا يعمل أحد بذنب لأن غيره قد عمل به كما قال الكفار. ﴿إِنَّا وَجَدْنَآ ءَابَآءَنَا عَلَىٰ أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَىٰ ءَاثَارِهِم مُّهْتَدُونَ﴾ [الزخرف: ٢٢]. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. أي: لا نهلك قوماً إلا بعد الأعذار إليهم بالرسل. وقال قتادة: إن الله [عز وجل] ليس يعذب أحداً حتى يسبق من الله إليه خبر، أو تأتيه من الله [عز وجل] بينة. وقال أبو هريرة: إذا كان يوم القيامة جمع الله أهل الفترة، والأبكم، والأخرس والشيوخ، الذين لم يدركوا الإسلام فأرسل إليهم رسولاً أن ادخلوا النار. فيقولون [كيف] ولم يأتنا رسول؟ قال: ولو دخلوها لكانت عليهم برداً وسلاماً فيرسل الله [عز وجل] إليهم [رسولاً] فيطيعه من كان يريد أن يطيعه. ثم قرأ أبو هريرة: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّىٰ نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. وقيل: معناه ما كنا معذبين أحداً في الدنيا بالإهلاك حتى نبعث رسولاً يبين لهم بأي شيء يعذبهم الله [سبحانه] وبأي شيء يدخلهم الله الجنة. وهذا قول حسن، لأن الآخرة ليست بدار تعبد، فيبعث الله فيها إلى أحد رسولاً، أعلمنا الله أنه لا يعاجل أحداً بعذاب الدنيا إلا بعد إنذار برسول. فأما عذاب الآخرة فإنه يحل على من كفر بالتوحيد، وإن لم يأته رسول، لأن الله جل ذكره قد نصب دلالات، وعلامات، تدل على توحيده كل الخلق. فمن كفر ولم تنفعه تلك الدلالات والآيات دخل النار وإن لم يأته رسول. فإنما تأتي الرسل بالشرائع والتحريض على التوحيد الذي قد نصب الله [عز وجل] عليه الدلالات والعلامات. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَإِذَآ أَرَدْنَآ أَن نُّهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. قرأ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأبو عثمان النهدي وأبو العالية أمَّرنا مشدداً وكذلك روي عن أبي عمرو. وقرأ الحسن والأعرج وابن أبي إسحاق وخارجة عن نافع بالمد. وقراءة الجماعة بالقصر والتخفيف. ومعناها: عند ابن عباس: أمرنا إشراف أهلها بالطاعة ففسقوا فيها. وقيل: "المترفون" هنا الفسقة. وقيل: هم المستكبرون. والفاسق والمستكبر إذا أمر عصا فيحق عليه القول بعصيانه. وعن قتادة: أن معنى "أمرنا" أكثرنا. وقال الكسائي: يجوز أن يكون "أمرنا" من الإمارة، كالمشددة، وأنكر أن يكون بمعنى أكثرنا. قال: ولا يقال [أمرنا] بمعنى أكثرنا إلا بالمد. وقد حكى أبو زيد وأبو عبيد "أمرنا" مقصوراً، بمعنى أكثرنا. ويقوي هذا التأويل الذي رده الكسائي أن الحديث: "خير المال سكة مأبورة ومهرة مأمورة. فالسكة المأبورة النخل المصلح. والمهرة المأمورة الكثيرة النتاج. وهي من أمر. فأما من قرأ بالتشديد، قال ابن عباس معناه سلطنا، أي: جعلنا لهم إمرة وسلطاناً ففسقوا. والمترفون هنا الإشراف. ويجوز أن يكون بمعنى: أكثرنا، قاله: الكسائي وغيره. فأما من قرأ بالمد، فمعناه أكثرنا عددهم ونساءهم. يقال: أمر بنو فلان أمراً إذا كثر عددهم، والإمر منه الاسم ومنه قوله تعالى: ﴿لَقَدْ جِئْتَ شَيْئاً إِمْراً﴾ [الكهف: ٧١] أي: عظيماً. * * * وقوله: ﴿فَفَسَقُواْ فِيهَا﴾. أي: فخالفوا أمر الله [سبحانه] ﴿فَحَقَّ عَلَيْهَا ٱلْقَوْلُ﴾ أي: وجب عليها وعد الله [عز وجل] الذي وعد من عصاه [به] ﴿فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيراً﴾ أي: خربناها تخريباً وأهلكنا من فيها هلاكاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب