الباحث القرآني

قوله: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إِلَىٰ عُنُقِكَ﴾ إلى قوله ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾. هذا مثل ضربه الله [عز وجل] للممتنع من الإنفاق في طاعة الله [عز وجل] وفي الحقوق التي أوجبها الله [سبحانه]، فجعل المانع لذلك كالمشدودة يده إلى عنقه لا يقدر على الأخذ بها والإعطاء. والخطاب للنبي [ﷺ] والمراد به أمته، والمعنى: ولا تمسكوا أيديكم بخلاً عن النفقة في الله، فتكونوا كالمغلولة يداه إلى عنقه، ولا تبسطوها بالنفقة كل البسط، فتبقون لا شيء لكم ولا تجدون إذا سئلتم ما تعطون سائلكم، فتقعدون، وأنتم ذوو لوم، أن يلومكم سائلوكم إذ لم تعطوهم، وتلومكم أنفسكم على الإسراف في أموالكم. * * * ومعنى ﴿مَّحْسُوراً﴾ أي: مقطوعاً لا شيء معك، هذا معنى قول ابن عباس وقتادة. وقال ابن جريج: معناه لا تمسك عن النفقة فيما أمرتك به، ولا تبسطها بالإنفاق فيما نهيتك عنه، "فتقعد ملوماً" مذنباً "محسوراً" منقطعاً بك. وقال ابن زيد: معناه: لا تمسك عن النفقة في الخير، ولا تنفق في الحق والباطل، فينفد ما في يديك فلا تجد ما تعطي سائلك فيلومك، وتقول أعطيت هؤلاء ولم تعطني. وقيل المعنى لا تبخل فتمنع حق الله [عز وجل] ولا تجاوز الحق الواجب في الإنفاق والإعطاء فيبقى قوم من السؤال يتأخرون فلا يجدون ما يأخذون ﴿فَتَقْعُدَ مَلُوماً﴾ يلومك الناس الذين فاتهم العطاء "محسوراً" أي منقطعاً ليس معك ما تعطي. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ رَبَّكَ يَبْسُطُ ٱلرِّزْقَ لِمَن يَشَآءُ﴾. أي: يوسّع على من يشاء في رزقه ويقتر على من يشاء، إنه خبير بعباده يعلم مصالحهم ويعلم ما يفسده السعة في الرزق ويصلحه التقتير، ومن يفسده التقتير وتصلحه السعة، بصير بتدبيرهم وسياستهم. وروي عن قالون: "كل البصط" بالصاد. والأشهر عنه وعن الجماعة بالسين. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْتُلُوۤاْ أَوْلادَكُمْ خَشْيَةَ إِمْلاقٍ﴾. هذا نهي عما كانت العرب تفعله. كانت تقتل البنات خوف الفقر [والإملاق] والفاقة، فأخبرهم الله [عز وجل] أن أرزاقهم وأرزاق أولادهم على الله [عز وجل]. وتقتلوا في موضع نصب عطف على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ [الإسراء: ٢٣] ولا تقتلوا". و [قيل]: هي في موضع جزم على النهي. وكذلك: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ﴾ [الإسراء: ٢٣]. "ولا تقتلوا": وما بعده هو كله عند الطبري منصوب محمول على: ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُوۤاْ﴾ وينقض عليه هذا التقدير قوله: "ولا تقف" وقوله: "ولا تمش"، فهذا مجزوم على النهي بلا اختلاف، فما قبله مما عطف عليه [مثله مجزوم] وعلى ذلك أكثر العلماء، وهو الصواب إنشاء الله [عز وجل]. ومعنى "كان خِطئاً": على قراءة نافع كان إثماً كبيراً. لأنه يقال: خطئ يخطا خطئاً فهو خـ[ـا]طئ كإثم يأثم [إثماً] فهو آثم، وذلك إذا أتى الذنب عمداً. ويقوي هذا ما روي عن ابن عباس ومجاهد وابن جريج أنهم قالوا: الخطء الخطيئة. ومعنى الآية: يدل [على] هذه القراءة لأنهم كانوا يتعمدون قتل البنات خوف الفقر. وقيل: إن هذه القراءة لغة في الخطأ والخطأ ما لم يتعمد فجاء فيه فعل وفعل كما يقول قتبٌ وقُتُبٌ، ونَجِسٌ ونَجَسٌ. وقراءة ابن ذكوان: "خَطَأ" بفتح الخاء والطاء. ومعناها: كان غير صواب. الخطأ ما لم يتعمد فعله يقال أخطأ الرجل يخطي أخطاءً إذا لم يتعمد. والخطأ الاسم منه. وزعم أبو عبيدة أن الخطء [والخطا] مما تعمّد كلاهما من خطئة فالخطأ الاسم منه والخطا المصدر بمنزلة حذر حذراً. وقرأ ابن كثير "خطاءً" بالمد وكسر الخاء. وقرأ الحسن بفتح الخاء والمد. وأنكرهما النحاس، ووجههما ظاهر. وقد قال امرؤ القيس في وصف فرسه: ؎ لها وثبات كصَرُبِ السحاب ∗∗∗ فواد خطاء وواد مُهْر ويروى بفتح الخاء، رواه أبو حاتم بالفتح لقراءة الحسن. ورواه أبو عبيدة "فواد خطيط". قال الأصمعي: الخطيطة: أرض لم تمطر بين أرضين ممطورتين. فكان فرسه يثب وادياً لا يؤثر فيه ويؤثر في آخر، فشبه ما يؤثر فيه بالواد الممطور. وما لم يؤثر فيه بالواد الخطيط. فهذا تمثيل. وقال ابن الإعرابي: "فواد خطا" أي يخطو وادياً، وواد مطر. أي تعدو [وا]دياً. فتكون [خطاء]: جمع خطوة، مثل: صفوة وصفاء. [فيكون] معنى القراءة، على هذا المعنى، إن قتلهم كان تركاً للحق ومجاوزة إلى الباطل. ثم قال [تعالى]: ﴿وَلاَ تَقْرَبُواْ ٱلزِّنَىٰ إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً﴾. أي: وقضى ربك ألا تقربوا الزنا. هذا [على] قول: من جعله في موضع نصب. ومن جعله مجزوماً، قدره نهياً بعد نهي فالمعنى أن الزنا كان فاحشة. ﴿وَسَآءَ سَبِيلاً﴾ أي: وساء طريق الزنا طريقاً لأنه معصية لله [عز وجل] تورد صاحبه نار جهنم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.