الباحث القرآني

قوله: ﴿وَأَوْفُوا ٱلْكَيْلَ إِذا كِلْتُمْ﴾ إلى قوله: ﴿عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أمر الله جل ذكره عبيدة ألاّ يبخسوا الناس في الكيل إذا كالوا لهم وأن يزنوا بالقسطاس، وهو العدل بالرومية قاله مجاهد. وقال الضحاك: هو الميزان. وقال الحسن: هو القبان. وروى الأعمش عن أبي بكر: "القصطاس" بالصاد في السورتين. * * * ثم قال: ﴿ذٰلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلاً﴾. أي ذلك خير لكم. أي: الوفاء خير لكم من بخسكم إياهم وأحسن عاقبة. وقيل: معناه وأحسن [من] تؤول إليه الأمور في الدنيا والآخرة. وعن النبي ﷺ أنه قال: "لا يقدر الرجل على حرام ثم يدعه ليس به إلا مخافة الله [عز وجل] إلا أبدله الله في عاجل الدنيا قبل الآخرة ما هو خير له من ذلك وقال قتادة: "وأَحْسَنُ تَأَوْيلاً" وأحسن ثواباً وعاقبة. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ﴾. قال ابن عباس: معناه ولا تقل ما ليس لك به علم. وقال قتادة: لا تقل رأيت ولم تر، ولا سمعت، ولم تسمع فإن الله سائلك عن ذلك كله. وقال محمد بن الحنفية: هو شهادة الزور. وعن ابن عباس أيضاً معناه: لا ترم أحداً بما ليس لك به علم. وكذلك قال مجاهد. فدخل في هذه المعاني النهي عن قذف المحصنة، وعن القول في الناس بما لا تعلم، وعن الكلام في الدين والفقه بالظن. وقيل معناه: لا ترم أحداً بذنب لم تحققه، وإنما هو ظن طننته به. والقفو شبيه بالبهتان: يرمي به الرجل صاحبه. وقال الفراء: تقف من القيافة، يقال: قاف القايف يقوف إذا اتبع الأثر [إلا] أنهم قدموا القاف وأخروا الواو، كقولهم: جذب وجبذ. وقرأ بعضهم: "ولا تقف" مثل تقبل من: قفت الأثر وقراءة الجماعة من قفوت. وهو مثل قولهم: قاع الجمل يقوع وقعاً يقعوا إذا ركب الناقة. ومثله قولهم عاث في البلاد وعثى إذا أفسد. فأما قوله: ﴿إِنَّ ٱلسَّمْعَ وَٱلْبَصَرَ وَٱلْفُؤَادَ﴾ فإنه يدخل فيه النهي عن الاستماع إلى ما لا يحل، والنظر إلى ما لا يحل لأن هذه الأعضاء مسؤولة عما يستعملها ابن آدم فيه من خير وشر. وأصل القفو في اللغة التتبع. ومنه [يقال] قفوت أثر فلان أي تتبعته، ولذلك قال أبو عبيدة، "ولا تَقْفُ مَا لَيْس" لا تتبع ما ليس لك به علم. وحكى الكسائي عن العرب: قفوت أثره وقفت مثل قلت فيقدمون مرة الواو ويؤخرونها مرة كما يقال: قاع الجمل الناقة إذا ركبها وقعاها. فيكون على القلب مثل قول الشاعر: ؎ ولو أني رميتك من بعيد ∗∗∗ لعاقك من دعاء الذنب عاق يريد عائق، فقلب. وقوله: "كُلُّ أُولَئِكَ" ولم يقل ذلك، فإنما جرى على ذلك لأن "أولئك" و "هؤلاء" للجمع القليل الذي يقع للتأنيث والتذكير. و "هذه" و "تلك" للجمع الكثير. والتذكير للقليل من الجمع كما كان التذكير في الأسماء قبل التأنيث والتأنيث بعده. فكذلك التذكير للجمع الأول، والتأنيث للجمع الثاني وهو: الجمع الكثير. وقال الزجاج: كل ما أشرت إليه من الناس، وغيرهم، ومن الموات فلفظه لفظ أولئك. وقيل: كل ما تشير إليه وهو متراخ عنك فلفظه لفظ أولئك. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَمْشِ فِي ٱلأَرْضِ مَرَحاً﴾. أي: لا تمش [في الأرض] مختالاً بطراً متكبراً. ونصب "مرحاً" على الحال وهو مصدر في موضع الحال. وقرأ بعضهم: "مَرِحاً" بكسر الراء جعله اسم فاعل وهو نصب على الحال أيضاً. واختار الأخفش هذه القراءة. واختار الزجاج فتح الراء قال: لأن فيه معنى التوكيد وليس ذلك في اسم الفاعل. ثم قال [تعالى]" ﴿إِنَّكَ لَن تَخْرِقَ ٱلأَرْضَ﴾. أي: لن تقطع الأرض باختيالك واستكبارك. وقيل: معناه إنك لن تقدر على خرق الأرض، وإنما نهى الله [عز وجل] في هذا عن التكبر والفخر والخيلاء، فأعلم خلقه أنهم لا ينالون بذلك، إذا فعلوه، شيئاً لا يبلغه غيرهم ممن لا فخر معه ولا خيلاء. * * * ثم قال: ﴿كُلُّ ذٰلِكَ كَانَ سَيِّئُهُ عِنْدَ رَبِّكَ مَكْرُوهاً﴾. أي: كل ما نهى الله [عز وجل] عنه فهو عند ربك سيئة مكروهة. وقرأ الكوفيون وابن عامر "سيئة" بإضافة السيء إلى الهاء. وحجة هذه القراءة أن الله [عز وجل] قدّم ذكر أشياء أمر بفعلها، وذكر أشياء نهى عنها. ولو كان "سيئه" غير مضاف لجعل ما أمر به ورغب في فعله مما تقدم ذكره: كبر الوالدين وإيتاء ذي القربى حقه، ونحوه. سيئة. وهذا لا يجوز فوجب أن يكون السيء مضافاً على معنى: كل ذلك كان السيء منه مكروهاً. وهو قتل النفس وأن تقف ما ليس لك به علم، والزنا، وقتل الأولاد وشبهه. واحتج أيضاً لها بقوله: "مكروهاً" ولم يقل "مكروهة" فوجب تذكير "السيء" وإضافته لذلك. وهذا لا يلزم من قرأ "سيئة" غير مضاف لأن الله [عز وجل] قدّم الأشياء المرغب [في] فعلها ثم أعقبها بما نهى عنه فرجعت "كل ذلك [في قوله: "كل ذلك] كان سيئه على الأشياء التي نهى عنها دون ما تقدم مما رغب في فعله. وأما التذكير فهو حسن لأنه ذكر "مكروهاً" وعلى لفظ "كل" و "كل" مضمر في "كان" و "مكروهاً" خبر عن ذلك المضمر. و "سيئة" خبر آخر فأجرى أحد الخبرين على اللفظ فذكّر، والثاني على المعنى، فأنّث. وقال إنما ذكر "مكروهاً" في قراءة من قرأ "سيئة" لأن تأنيث السيئة غير حقيقي. وقيل: "السيء" و "السيئة" واحد فأجرى "مكروهاً" على "السيء" كما حملت الصيحة على الصياح، والرحمة على الرحم، والبينة على البينات والموعظة [على المواعظ]، فجاز تذكير ذلك كله ولفظه مؤنث. وقيل: "السيئة" و "السوء" واحد فذكر "مكروهاً" حملاً على "السوء". وقيل إن من قرأ "سيئة" بالإضافة، إنما إضافة على معنى "السيء" كالذي يتحصل من جهته لأن بعضه غير سيء وبعضه سيء. كقوله: ﴿فَٱجْتَنِبُواْ ٱلرِّجْسَ مِنَ ٱلأَوْثَانِ﴾ [الحج: ٣٠] يعني: من جهة الأوثان إذ الرجس يكون من جهات سوى الأوثان.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.