الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿ذَلِكَ مِمَّآ أَوْحَىٰ إِلَيْكَ رَبُّكَ مِنَ ٱلْحِكْمَةِ﴾ إلى قوله: ﴿حَلِيماً غَفُوراً﴾. المعنى الذي بيّنا لك يا محمد من الأخلاق: المرغب فيها، والتي نهيناك عن فعلها، "مما أوحى إليك ربك من الحكمة" أي: من الأشياء التي أوحاها إليك ربك يعني القرآن. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ﴾. أي: شريكاً في عبادته. * * * ﴿فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾. أي: تلومك نفسك وعارفوك من الناس: "مدحوراً": مبعداً مقصى في النار. قال ابن عباس: "مدحوراً" مطروداً. ويروى أن من قوله [تعالى": ﴿[وَ]لاَ تَجْعَلْ مَعَ ٱللَّهِ إِلَـٰهاً آخَرَ فَتُلْقَىٰ فِي جَهَنَّمَ مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ إلى قوله: ﴿مَلُوماً مَّدْحُوراً﴾ هي العشر كلمات التي أنزلها الله [عز وجل] على موسى [ﷺ] في التوراة. ومثلها التي في الأنعام ﴿قُلْ تَعَالَوْاْ أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ﴾ [الأنعام: ١٥١] إلى آخر الثلاث آيات. وهي المُحْكَمَة التي ذكرها الله [عز وجل] في سورة آل عمران. وفيه اختلاف قد ذكرته هنالك. * * * ثم قال: ﴿أَفَأَصْفَاكُمْ رَبُّكُم بِٱلْبَنِينَ وَٱتَّخَذَ مِنَ ٱلْمَلاۤئِكَةِ إِنَاثاً﴾. هذا توبيخ للمشركين الذين جعلوا الملائكة بنات الله [سبحانه و] تعالى عن ذلك علواً كبيراً، ومعناه افاختار لكم ربكم أيها الناس الذكور من الأولاد واتخذ لنفسه البنات وأنتم لا ترضونهن لأنفسكم، فجعلتم لله [عز وجل] ما لا ترضون لأنفسكم. وقيل: الذين قالوا هذا هم اليهود، قاله قتادة. وقيل: هم كفرة العرب وعليه أكثر المفسرين. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّكُمْ لَتَقُولُونَ قَوْلاً عَظِيماً﴾: أي قولة منكرة. * * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ [لِيَذَّكَّرُواْ]﴾. أي: صرفنا لهؤلاء المشركين، الآيات والعبر والأمثال، والتخويف، والإنذار، والوعد، والوعيد. والمفعول لصرفنا محذوف وهو التخويف والإنذار وشبهه وقيل: "في": زائدة والمعنى: صرفنا هذا القرآن. والأول أحسن. فالمعنى: صرفنا الأمثال في هذا القرآن لعلهم أن يتذكروا ذلك فيعقلوا خطأ ما هم عليه، فيرجعوا ويؤمنوا وما يزيدهم ذلك البيان إلا نفوراً عن الحق وبعداً منه. وتشديد "لِيَذَكَّرُوا" تحقيقه بمعنى: يقال تذكرة ما صنعت. وذكرت ما صنعت بمعنى: قال ذكره: ﴿ٱذْكُرُواْ نِعْمَتِيَ﴾ [البقرة: ٤٠] بمعنى: تذكروا نعمتي، أي: تفكروا فيها واعتبروا. وقال: ﴿وَٱذْكُرُواْ مَا فِيهِ﴾ [البقرة: ٦٣] وقَالَ: ﴿[كَلاَّ] إِنَّهَا تَذْكِرَةٌ * فَمَن شَآءَ ذَكَرَهُ﴾ [عبس: ١١-١٢] و ﴿مَّا تَذَكَّرُونَ﴾ [الحاقة: ٤٢]" فكله بمعنى الاتعاظ والاعتبار لا بمعنى ذكر النسيان. وليس من خفف يجعله من ذكر النسيان وإنما هو من التفكر والاعتبار كالمشدد. ثم قال [تعالى]: ﴿قُلْ لَّوْ كَانَ مَعَهُ آلِهَةٌ كَمَا يَقُولُونَ﴾. المعنى: قل يا محمد لهؤلاء المشركين الذين جعلوا مع الله ءالهة: لو كان الأمر كما تقولون من أن مع الله [سبحانه] ءالهة إذن لابتغت تلك [الآلهة] القربى من الله [عز وجل] ذي العرش العظيم، والتمست الزلفى عنده [جلّت عظمته]. قال قتادة معناه: إذن لعرفوا له فضله فابتغوا ما يقربهم إليه. وقال ابن جبير معناه: إذن لطلبوا إليه طريقاً للوصول ليزيلوا ملكه. وقيل معنى ذلك: إذن لطلبوا الربوبية وضادوه في ملكه كما يفعل ملوك الدنيا. * * * ثم قال تعالى: ﴿سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يَقُولُونَ﴾. ينزه نفسه عما قالوا وافتروا. و "كلوا": مصدر. جاء على غير الـ[ـمـ]ـصدر. ولو جاء على صدر الكلام لكان تعالياً، ولكنه مثل ﴿وَتَبَتَّلْ إِلَيْهِ تَبْتِيلاً﴾ [المزمل: ٨] ومثل" ﴿أَنبَتَكُمْ مِّنَ ٱلأَرْضِ نَبَاتاً﴾ [نوح: ١٧]. * * * ثم قال تعالى: ﴿تُسَبِّحُ لَهُ ٱلسَّمَٰوَٰتُ ٱلسَّبْعُ﴾. أي: تنزهه من السوء الذي وصفه به المشركون و "من فيهن"، يعني: من في السماوات والأرض من الملائكة والجن والإنس. * * * ثم قال: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾. روى جابر بن عبد الله أن النبي ﷺ قال: "ألا أخبركم بشيء أمر به نوح ابنه؟ إن نوحاً قال لابنه: "يا بني آمرك [أن تقول سبحان الله بحمده" فإنها صلاة] الخلق وتسبيح الخلق وبها يرزق الخلق، قال الله [عز وجل]: ﴿وَإِن مِّن شَيْءٍ إِلاَّ يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ﴾ وعن النخعي أنه قال: الطعام: يسبح. وقال قتادة: كل شيء فيه روح يسبح من شجرة وغيرها. وقيل معنى ذلك: أن ما من شيء إلا يدل على توحيد الله وينزهه من السوء، فذلك تسبيحه. وقال الحسن: كل شيء فيه روح يسبح بحمده. ﴿وَلَـٰكِن لاَّ تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ﴾ أي: لا تعقلون ذلك. وروى معاذ بن محمد الأنصاري أن النبي عليه السلام قال: "لا تقتلوا الضفادع فإنه ليس لله [عز وجل] خلق أكثر تسبيحاً منها". وذكر أبو عبيد أن داوود ﷺ بات داعياً لربه [عز وجل] ومصلياً حتى أصبح فذهب إلى نهر ليتوضأ، فقال: الحمد لله لقد عبدت الله الليلة عبادة ما عبده أحد مثلها من أهل الأرض. فكلمته ضفدع من الماء فقالت له: كلا يا أبا سليمان، فوالله إنه لي ثلاثاً من الدهر ما جمعت [ما] بين فقمي تسبيحاً لله [عز وجل]. واختلف الناس في تسبيح الموات كالجبال والحيطان [وشبه ذلك]: فقال قوم: تسبيح ذلك ما فيه من دلالة على خالقه ومشيئته، ومنه قوله: ﴿وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾ [البقرة: ٧٤] يعني: يتبين في ظاهره من قدرة الله [عز وجل] على خلقه ما يضاهي الخشية لله والإقرار بقدرته. وقال آخرون: تسبيح الموات أنها تدعو الناظر إليها والمتأمل لخلقها إلى تسبيح الله [تعالى] والنطق بعظمته. فنسب التسبيح إلى الموات لما كانت تنسبه. كما قالت العرب له: إبل تنطق الناس أي إذا نظروا إليها نطقوا تعجباً منها، من كثرتها، فقالوا سبحان الله! ما أكثرها! ما أحسنها! و [قال] آخرون وهم أصحاب الحديث وكثير من العلماء. الأشياء كلها تسبح، الموات وغيره، والله [عز وجل] يعلم تسبيح كل صنف منها، وقد كلمت الحجارة والأشجار والجمادات الأنبياء [عليهم السلام، وكذلك البهائم كلمت الأنبياء وكلمت من كان في عهد الأنبياء. والروايات بذلك كثيرة مشهورة. وهذا باب يتسع فيه الكلام لكثرة الشواهد عليه. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّهُ كَانَ حَلِيماً غَفُوراً﴾. أي: حليماً لا يعجل على خلقه المفترين عليه. "غفوراً" أي: ساتر[اً] لذنوب من آمن [به] منهم. قال قتادة: حليماً: أي: لا يعجل كعجلة بعضهم على بعض.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.