الباحث القرآني

قوله ﴿وَقُل لِّعِبَادِي يَقُولُواْ ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ إلى قوله ﴿كَانَ مَحْذُوراً﴾. أي: وقل يا محمد لعبادي المؤمنين يقول بعضهم لبعض المقالة التي هي أحسن من المحاورة والمخاطبة. وقال الحسن: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقول لك: يرحمك الله، يغفر الله لك، يريد عند المنازعة. وقيل: ﴿ٱلَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾ أن يقولوا: لا إله إلا الله. * * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱلشَّيْطَانَ يَنزَغُ بَيْنَهُمْ﴾. أي: يفسد ما بينهم، ويقبح ما بينهم، ويحرض الكافرين على المؤمنين. إنه كان للإنسان عدواً مبيناً، يؤيد الكافر الهالك ويودي المؤمن. ولا سلطان له عليه. * * * ثم قال تعالى: ﴿رَّبُّكُمْ أَعْلَمُ بِكُمْ إِن يَشَأْ يَرْحَمْكُمْ﴾. هذا خطاب للمشركين الذين أنكروا البعث، والمعنى: "ربكم" أيها المشركون "أعلم بكم إن يشأ يرحمكم فيوفقكم للتوبة والإقرار بالبعث ﴿أَوْ إِن يَشَأْ يُعَذِّبْكُمْ﴾ فيخذلكم فتموتون على كفركم فتعذبون في الآخرة. ثم قال [تعالى] لنبيه [عليه السلام]: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَاكَ عَلَيْهِمْ وَكِيلاً﴾. أي: رقيباً تجبرهم على الإيمان، إنما عليك أن تبلغهم ما أرسلت به لا غير. * * * ثم قال ﴿وَرَبُّكَ أَعْلَمُ بِمَنْ فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾. أي: ربك يا محمد أعلم بمصالح من في السماوات والأرض وتدبيرهم وأهل التوبة منهم من أهل المعصية. * * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ فَضَّلْنَا بَعْضَ ٱلنَّبِيِّينَ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾. وهو اتخاده لإبراهيم خليلاً، وتكليمه موسى، وجعل عيسى كآدم وإيتاء سليمان ملكاً لا ينبغي لأحد من بعده، وأتى داوود زبوراً. وهو دعاء علّمه الله داود تحميد وتمجيد ليس فيه حلال ولا حرام ولا فرائض ولا حدود، وغفر لمحمد ﷺ ما تقدم من ذنبه وما تأخر وأرسله إلى الناس كافة. روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "خفف على داوود القرآن فكان يأمر بدابته تسرج فكان يقرأ قبل أن يفرغ يعني: القرآن وفائدة الآية أن الله أخبر المشركين بأنه قد فضّل بعض النبيئين على بعض فلا ينكروا تفضيله لمحمد [ﷺ] وأعطاه القرآن، فقد أعطي داوود زبوراً وهو بشر مثله. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلِ ٱدْعُواْ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُم مِّن دُونِهِ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ادعـ[ـوا] الذين زعمتم أنهم آلهة من دون الله عند ضُرٍّ ينزل بكم، فإنهم لا يملكون كشف [الضُّرِ] عنكم ولا تحويله عنكم إلى غيركم. هؤلاء الذين أمر الله [عز وجل] نبيه [عليه السلام] أن يقول لهم هذا: هم قوم من المشركين كانوا يعبدون الملائكة والمسيح وعزيراً قاله: مجاهد. وقال ابن عباس: هم عيسى وعزير ومريم كان قوم يعبدونهم. وعنه أيضاً: هم عيسى وعزير والشمس والقمر كان قوم يعبدونهم. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون الملائكة فقط. وقيل: هم قوم كانوا يعبدون نفراً من الجن: فأ[سلم] أولئك النفر من الجن ولم يعلم بهم من يعبدهم. قاله ابن مسعود. ولذلك قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إِلَىٰ رَبِّهِمُ ٱلْوَسِيلَةَ﴾ أي: أولئك الذين يعبد هؤلاء المشركون يبتغون إلى ربهم القربى والزلفى لأنهم مؤمنون، فيكون: يراد به الجن الذين أسلموا على القول الأخير. ويجوز أن يراد بهم الملائكة وعيسى وعزير ومريم على القول الأول. والهاء والميم في ربهم تعود على أولائك وهم المعبودون. وقيل: تعود على العابدين الكافرين، [أي: المعبودون يبتغون إلى رب العابدين لهم الوسيلة. وقيل: تعود على العابدين] والمعبودين، أي: المعبودون يبتغون الوسيلة إلى رب الجميع رب العابدين ورب المعبودين. ومعنى: ﴿أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ إلى الله لمصالح أعماله واجتهاده في حياته ويرجون وبأعمالهم تلك رحمته ويخافون عذابه، إن عذاب ربك يا محمد كان محذوراً. واختار الطبري قول من قال: هم الجن كان قوم من المشركين يعبدونهم لأن عيسى وعزيراً ومريم لم يكونوا على عهد النبي [ﷺ] فلا يحسن دخولهم هنا في هذا المعنى.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.