الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ إلى ﴿خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. هذه الفتنة، التي ذكرها الله [عز وجل] هنا، هي أن المشركين منعوا النبي ﷺ من استلام الحجر، وقالوا له: لا ندعك حتى تلم بآلهتنا. فحدث نفسه النبي ﷺ بذلك وقال [عز وجل] يعلم أني لها كاره فأنزل الله [عز وجل]: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ﴾ الآية. وقال قتادة: أطافوا به ليلة فقالوا أنت سيدنا وابن سيدنا وأرادوه على موافقتهم على بعض ما هم عليه فهم أن يقاربهم فعصمه الله [عز وجل] فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقال مجاهد: قالوا له إيتِ آلهتنا فامسسها فذلك قوله: ﴿لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. وقيل: إنما ذلك أن النبي ﷺ هم أن ينظر قوماً بإسلامهم إلى مدة سألوه الإنظار إليها. قاله: ابن عباس. وهو ثقيف، سألوا النبي [عليه السلام] أن ينظرهم سنة حتى يهدى إلى آلهتهم الهدي. قالوا له: فإذا قبضنا الهدي الذي يهدى لآلهتنا [أ]سلمنا وكسرنا الآلهة فهمّ النبي ﷺ أن يطيعهم على ذلك فأنزل الله [عز وجل] الآية. وقيل: إنما قالوا للنبي ﷺ: اطرد عنا هؤلاء السقاط والموالـ[ـى] الذين آمنوا بك حتى نجـ[لـ]س معك ونستمع منك. فهم النبي [ﷺ]. بذلك طمعاً منه أن يؤمنوا فأنزل الله [عز وجل] الآية. * * * وقوله: ﴿وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ [خَلِيلاً]﴾. أي: لو فعلت يا محمد ما دعوك إليه من الفتنة لاتخذوك خليلاً وكانوا لك أولياء. والوقف على "إذا" بالنون عند المبرد لأنها بمنزلة أن. وقال بعض النحويين الوقف عليها بالألف في كل موضع كما تقف على النون الخفيفة بالألف إذا انفتح ما قبلها. وقال بعض النحويين: إذا لم تعمل شيئاً وقفت عليها بالألف، وإذا عملت وقفت عليها بالنون. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ أَن ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدتَّ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئاً قَلِيلاً﴾. أي: لولا أن عصمناك عما دعاك إليه المشركون من الفتنة لقد كدت تميل إليهم شيئاً قليلاً. ولما نزلت هذه الآية قال النبي ﷺ: "اللهم لا تكلني إلى نفسي طرفة عين حكى ابن الأنباري عن [بعض] أهل اللغة أنهم قالوا: ما قارب رسول الله ﷺ إجابتهم ولا ركن إليهم قط. وقالوا: "كدت تركن إليهم" ظاهره خطاب للرسول ﷺ وباطنه خبر عن ثقيف. وتلخيصه وإن كادوا ليركنونك. أي: فقد كادوا يخبرون عنك أنك تميل إلى قولهم فنسب إلى النبي ﷺ فعل ثقيف على جهة الاتساع والمجاز والاختصار. كما يقول الرجل للرجل كدت تقتل نفسك يعني كاد الناس يقتلونك بسبب ما فعلت. فنسب القتل إلى المخاطب وهو لغيره. ومنه قولهم لأريتك ها هنا. فادخلوا حرف النهي على غير المنهي عنه. وتلخيص هذا الكلام لا يحضر هذا المكان حتى إذا أتيته لم أجدك فيه. ومثله ﴿فَلاَ تَمُوتُنَّ إَلاَّ وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [البقرة: ١٣٢] دخل النهي على الموت والموت لا يملك ولا يدفع. وتلخيصه لا تفارقوا الإسلام حتى إذا أتاكم الموت صادفكم مسلمين. ثم قال [تعالى] ﴿إِذاً لأذَقْنَاكَ ضِعْفَ ٱلْحَيَاةِ وَضِعْفَ ٱلْمَمَاتِ﴾. أي لو ركنت إلى هؤلاء المشركين فيما سألوك فيه لأذقناك ضعف عذاب الدنيا وضعف عذاب الآخرة. قاله ابن عباس ومجاهد وقتادة والضحاك. * * * ثم قال: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾. أي لا تجد يا محمد، لو أذقناك ذلك، من ينصرك علينا فيتمنعنا من عذابك. فأخبر الله تعالى ذكره: بأن العقاب بالأنبياء مثل الثواب لهم في الأضعاف. وقد قال في نساء النبي ﷺ ﴿نُؤْتِهَـآ أَجْرَهَا مَرَّتَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣١] وقال: ﴿يُضَاعَفْ لَهَا ٱلْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾ [الأحزاب: ٣٠]. * * * ثم قال: ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَسْتَفِزُّونَكَ مِنَ ٱلأَرْضِ لِيُخْرِجوكَ مِنْهَا﴾. أي: إن كاد هؤلاء المشركون أن يستخفونك من الأرض التي أنت فيها ليخرجوك منها، ولو أخروجك منها لم يلبثوا خلفك فيها إلا قليلاً. قيل: إنهم [هم] اليهود. أرادوا أن يحتالوا على النبي ﷺ في الخروج من المدينة. وقالوا له إن أرض الأنبياء أرض الشام. وإن هذه ليست بأرض نبيء فأنزل الله [عز وجل] الآية. قال هذا المعتمر بن سليمان عن أبيه. وقيل: هم قريش أرادوا إخراج النبي [ﷺ] من مكة قاله قتادة. و [قال]: قد فعلوا ذلك بعد، فأهلكهم الله [عز وجل] يوم بدر: وكانت سنة الله [عز وجل] في الرسل إذا فعل بهم قومهم مثل ذلك. وقال الحسن: همت قريش بإخراج النبي ﷺ من مكة فأراد الله [عز وجل] نفي قريش فأمره الله [عز وجل] أن يخرج منها مهاجراً إلى المدينة فخرج بأمر الله [عز وجل] ولو أخرجوه هم لهلكوا كما قال: ﴿وَإِذاً لاَّ يَلْبَثُونَ خِلافَكَ إِلاَّ قَلِيلاً﴾. وقيل: الأرض هنا أريد بها أرض الحجاز. وقيل: مكة، وعليها أكثر المفسرين. وقيل: المدينة، وفيه بعد. لأن السورة مكية ولم يكن النبي [عليه السلام] في المدينة عند نزول هذه الآية، فالأرض: يعني: بها مكة أحسن وأولى. * * * وقوله: ﴿إِلاَّ قَلِيلاً﴾ أي: [إلا] وقتاً قليلاً. وهو ما أقاموا بمكة بعده من حيث خرج عنهم إلى وقعة بدر. قاله: ابن عباس والضحاك. و "خلفك": معناه: بعدك. ومن قرأ "خلافك" فهي لغة فيه. وقيل معناه: مخالفتك، قاله الفراء. وإذن: حرف نظيره في الأفعال، أرى وأظن. فإذا تقدم عمل، وإذا تأخر أو توسط لم يعمل لضعفه عن قوة الفعل. ولقوة الفعل جاز عمله متوسطاً ومتأخراً وإلغاؤه. وإذا كانت إذن مبتدأة عملت. فإن كانت بين كلامين لم تعمل. فإن كان قبلها حرف عطف جاز الأعمال والإلغاء، ولذلك لم تعمل في "لبثوا". وفي مصحف عبد الله "وإذا: لا يلبثون خلفك" اعمل إذن في الفعل فهذا حالها مع حرف العطف. ومعنى إذن: إن كان الأمر كما ذكرت، أو كما جرى بقول القائل: زيد يأتيك، فتقول: إذن أكرمه. أي إن كان الأمر كما ذكرت وقع إكرامه مني. فإكرامه والفعل منصوب بعد إذن بأن الضمير في التقدير. هذا مذهب حكي عن الخليل وسيبويه. ويروى: أن إذن هي الناصبة للفعل [لأنها] لما يستقبل لا غير.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.