الباحث القرآني

قوله: ﴿وَمَا مَنَعَ ٱلنَّاسَ أَن يُؤْمِنُوۤاْ إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. المعنى: وما منع مشركي قومك يا محمد من الإيمان بالله ﴿إِذْ جَآءَهُمُ ٱلْهُدَىٰ﴾ إلا قولهم جهلاً منهم ﴿أَبَعَثَ ٱللَّهُ بَشَراً رَّسُولاً﴾. كأنهم استبعدوا أن يبعث الله رسولاً من بني آدم فكفروا ولم يؤمنوا كذلك ولم يعلموا أن الأنبياء كلهم كانوا من بني آدم. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَوْ كَانَ فِي ٱلأَرْضِ مَلاۤئِكَةٌ يَمْشُونَ مُطْمَئِنِّينَ لَنَزَّلْنَا عَلَيْهِم مِّنَ ٱلسَّمَآءِ مَلَكاً رَّسُولاً﴾. أي: لو كان سكان الأرض ملائكة لجاءهم الرسول من الملائكة مثلهم. لأن الملائكة إنما تراهم أمثالهم من الملائكة ومن خصه الله [عز وجل] من بني آدم بذلك، فكيف يبعث [الله] إليهم من الملائكة رسولاً وهم لا يقدرون على رؤية ذلك وإنما يرسل إلى كل صنف من جنسه فهذا هو العدل. ومعنى: "مطمئنين" مستوطنين الأرض. وقيل: [معنى] "مطمئنين": لا يعبدون الله ولا يخافونه مثلكم. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. أي: قل لهم يا محمد: ﴿كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ فإنه نعم الكافي. و "شهيداً" حال، أي: كفى بالله في حال الشهادة. وقيل هو تمييز أي كفى بالله من الشهداء. ﴿إِنَّهُ كَانَ بِعِبَادِهِ خَبِيراً﴾ أي: ذو خبر وعلم بأمورهم وأفعالهم "بصيراً" بتدبيرهم وسياستهم. وروي أنهم قالوا للنبي ﷺ: من يشهد لك بأنك رسول الله فأنزل الله [عز وجل]: ﴿قُلْ كَفَىٰ بِٱللَّهِ شَهِيداً بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾ الآية. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَهْدِ ٱللَّهُ فَهُوَ ٱلْمُهْتَدِ﴾. أي: من يهده الله للإيمان فهو المهتدي للرشد والحق ومن يضلله عن الإيمان ولا يوفقه فلن تجد له يا محمد أولياء من دون الله [عز وجل] ينصرونه من عذاب الله [سبحانه]. * * * ﴿وَنَحْشُرُهُمْ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾. أي: نجمعهم ليوم القيامة من بعد تفرقهم في قبورهم. ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ عُمْياً وَبُكْماً وَصُمّاً﴾. أي: عمياً عن كل شيء يسرهم ولكنهم يرون، ودل على رؤيتهم قوله: ﴿وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ﴾ [الكهف: ٥٣]. قوله: "وبكماً" أي: بكماً عن الحجة فلا ينطقون بحجة ولكنهم يتكلمون ودل على كلامهم قوله: ﴿دَعَوْاْ هُنَالِكَ ثُبُوراً﴾ [الفرقان: ١٣]. قوله: "وصماً" أي: صماً عن سماع ما يسرهم. وهم يسمعون ودل على سماعهم قوله: ﴿سَمِعُواْ لَهَا تَغَيُّظاً وَزَفِيراً﴾ [الفرقان: ١٢]. وقيل: إنهم في حال حشرهم إلى الموقف عمي وبكم وصم. ثم يحدث الله [عز وجل] لهم سمعاً وبصراً ونطقاً في أحوال أخر. * * * وقوله: ﴿عَلَىٰ وُجُوهِهِمْ﴾ معناه: أنهم يحشرون صاغرين. وقيل: بل معناه: أنهم يحشرون يمشون على وجوههم لأن الذي أمشاهم على أرجلهم يقدر أن يمشيهم على وجوههم، وعلى ما يشاء من أعضائهم. * * * ثم قال: ﴿مَّأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ كُلَّمَا خَبَتْ زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾. أي: مصيرهم إلى جهنم ومسكنهم جهنم وقال ابن عباس معناه: هم وقودها. ومعنى خبت: سكنت، قاله ابن عباس. وعنه أيضاً: كلما أحرقتهم يسعر لهم حطبها، فإذا أحرقتهم فلم تبق منهم شيئاً صارت جمراً تتوهج، فذلك خبوها، فإذا بدلوا خلقاً جديداً عاودتهم. وقال مجاهد: "خبت" طفيت"، وقال قتادة: معناه كلما أحرقت جلودهم بدلوا جلوداً غيرها ليذوقوا العذاب. وأهل اللغة يقولون: خبت النار، تخبو خبوءاً إذا سكن لهبها، فإن سكن لهبها وعلا جمرها، قيل: كبت تكبو كبوءاً. فإن طفى بعض الجمر وسكن اللهب قيل خمدت تخمد خموداً. فإن طفيت لها قيل: همدت تهمد هموداً. ومعنى: ﴿زِدْنَاهُمْ سَعِيراً﴾ أي: زدنا هؤلاء الكفار استعاراً بالنار في جلودهم. وليس خبوتها فيه نقص من عذابها ولا راحة لهم وإنما هم في زيادة أبداً لقوله: ﴿وَلاَ يُخَفَّفُ عَنْهُمْ مِّنْ عَذَابِهَا﴾ [فاطر: ٣٦] لا يفتر عنهم. وقال المبرد: جعل موضع خبوت نار جهنم استعاراً فهي مخالفة لما تفعل من نار الدنيا، ولا راحة لهم فيها إذا خبت بل يزيد عليهم العذاب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب