الباحث القرآني

قوله: ﴿ذَلِكَ جَزَآؤُهُم بِأَنَّهُمْ كَفَرُواْ بِآيَاتِنَا﴾ إلى قوله: ﴿مَسْحُوراً﴾. معناه: هذا العذاب جزاء هؤلاء المشركين لأنهم كفروا بآيات الله. أي: جحدوها وأنكروها ولم يؤمنوا بها. وأنكروا البعث والثواب والعقاب. ﴿وَقَالُواْ﴾ على الإنكار منهم والاستبعاد: ﴿أَءِذَا كُنَّا عِظَاماً وَرُفَاتاً﴾ [الإسراء: ٤٩] أي: عظاماً [بالية] وقيل تراباً. و ﴿أَءِنَّا لَمَبْعُوثُونَ خَلْقاً جَدِيداً﴾ [الإسراء: ٤٩] أي لا نبعث. وقد تقدم تفسير هذا بأشبع منه في صدر السورة. * * * ثم قال تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّ ٱللَّهَ ٱلَّذِي خَلَقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ قَادِرٌ عَلَىٰ أَن يَخْلُقَ مِثْلَهُمْ﴾. والمعنى: أَوَلَم ينظر هؤلاء المنكرون البعث أن الله [عز وجل] الذي ابتدع خلق السماوات والأرض من غير شيء وأقامها بقدرته، قادر بتلك القدرة على أن يخلق أشكالهم وأمثالهم من الخلق. وإن إعادتهم لا تتعذر على من يقدر هذه القدرة. * * * ثم قال: ﴿وَجَعَلَ لَهُمْ أَجَلاً لاَّ رَيْبَ فِيهِ﴾. أي: جعل الله لهلاكهم أجلاً لا شك في وقوعه بهم ﴿فَأَبَىٰ ٱلظَّالِمُونَ إِلاَّ كُفُوراً﴾ أي [إلا] جحوداً بربهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿قُل لَّوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزَآئِنَ رَحْمَةِ رَبِّي﴾. أي: قل يا محمد: لهؤلاء المشركين لو أنكم أنتم تملكون خزائن أملاك ربكم إذاً لبخلتم بذلك خشية الفقر قاله ابن عباس. وقال قتادة: خشية الفاقة. والرحمة هنا المال. وقيل النعم، حكى أهل اللغة أنفق الرجل وأصرح وأعدم واقتر إذا قلّ ماله. * * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱلإنْسَانُ قَتُوراً﴾. يعني الكافر خاصة، بمنزلة قوله: ﴿إِنَّ ٱلإِنسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ﴾ [العاديات: ٦]. ومعنى "قتوراً": بخيلاً قاله ابن عباس. وقال قتادة: ممسكاً. يقال أقتر يقتر وقتر يقتر ويقتر بمعنى. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ آتَيْنَا مُوسَىٰ تِسْعَ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ﴾. أي: تبين لمن رآها أنها لموسى عليه السلام، شاهدة له على صدقه قال ابن عباس: هي يده وعصاه ولسانه والبحر والطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. وقال الضحاك: ألقى عصاه مرتين عند فرعون، ونزع يده، والعقدة التي كانت بلسانه، وخمس آيات في الأعراف: الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم. قال محمد بن كعب القرظي: سألني عمر بن عبد العزيز عن التسع آيات، فقلت له: هن الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم و [البحر و] عصاه والطمسة والحجر. فقال: وما الطمسة؟، فقلت: دعا موسى وأمنّ هارون، فقال الله ﴿قَدْ أُجِيبَتْ دَّعْوَتُكُمَا﴾ [يونس: ٨٩]. فقال عمر: كيف يكون الفقه إلا كذا. يعني بالطمسة قولهما: ﴿رَبَّنَا ٱطْمِسْ عَلَىٰ أَمْوَالِهِمْ [وَٱشْدُدْ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ]﴾ [يونس: ٨٨] قال: فدعا عمر بخريطة كانت لعبد العزيز ابن مروان، أصيبت بمصر فإذا فيها "الجوزة والبيضة والعدسة ما تنكر، مسخت حجارة، كانت من أموال فرعون أصيبت بمصر. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: هي الحجر، والعصا واليد والطوفان والجراد والقمل والضفادع و [الدم و] الطور. وقال مالك: الطوفان الماء. وروى مطرف عن مالك في قوله "تسع آيات بينات" أنه قال: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا ويده والبحر والجبل إذ نتقه عليهم. وقال عكرمة: هي الطوفان والجراد والقمل والضفادع والدم والعصا واليد والسنون ونقص من الأموال والأنفس والثمرات. وهو قول الشافعي. وكذلك روى قتادة عن ابن عباس أيضاً قال: منها سبعة متتابعة في الأعراف. واليد والعصا. وقال الحسن مثل ذلك، إلا أنه جعل السنين ونقص من الثمرات آية، وجعل التاسعة تلقف العصا ما يأفكون. وروي عن صفوان بن عسال: أن يهوديين سألا النبي ﷺ عن التسع الآيات فقال: هن ألا تشركوا بالله شيئاً، ولا تسرقوا، ولا تزنوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، ولا تمشوا ببرئ إلى سلطان ليقتله، ولا تسحروا ولا تأكلوا الربا، ولا تقذفوا المحصنة، ولا تولوا الفرار بعد الزحف وعليكم خاصة يهود ألا تعتدوا في السبت فقبلا يديه ورجليه وقالا: نشهد أنك نبي، فقال: وما يمنعكما أن تتبعاني؟ فقالا: إن داود دعا ألا يزال من ذريته نبي، وإنا نخاف إن اتبعناك أن تقتلنا يهود ثم قال: ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ إِذْ جَآءَهُمْ﴾. أي إذ جاءهم موسى. قال الحسن: سؤالك إياهم نظرك في القرآن. وقيل هو خطاب للنبي ﷺ يراد به الشاك من أمته. وقرأ ابن عباس ﴿فَسْئَلْ بَنِي إِسْرَائِيلَ﴾ على الخبر، يعني سأل موسى فرعون أن يرسل معه بني إسرائيل. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَقَالَ لَهُ فِرْعَونُ إِنِّي لأَظُنُّكَ يٰمُوسَىٰ مَسْحُوراً﴾. معناه: أن فرعون لما رأى الآيات ولم يكن له فيها مدفع قال: إن موسى ذو سحر، وإن ما تفعل يا موسى من العجائب من سحرك. وقيل: هو مفعول في موضع فاعل أي: ساحر، بمنزلة ﴿حِجَاباً مَّسْتُوراً﴾ [الإسراء: ٤٥] أي: ساتراً. وقيل: معناه مخدوعاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.