الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿مِنْ هَـٰذَا رَشَداً﴾. أي: كما بعثناهم بعد طول رقدتهم ﴿وَكَذٰلِكَ أَعْثَرْنَا عَلَيْهِمْ﴾ أي: أطلعنا عليهم الفريق الذين كانوا في شك من بعث الأجساد [ليعلموا أن وعد الله حق في بعث الأجساد] يوم القيامة وأن الساعة لا ريب فيها أي: إتيانها لا شك فيه. * * * ثم قال: ﴿إِذْ يَتَنَازَعُونَ بَيْنَهُمْ أَمْرَهُمْ﴾. أي: أطلعنا عليهم إذ يتنازعون، أي: وقت المنازعة في بعث الأجساد. والمنازعة المناظرة. وقيل: المعنى: ليعلموا في وقت منازعتهم أن وعد الله في بعث الأجساد حق فيكون العامل في "إذ" على القول الأول "أعثرنا" وعلى الثاني "ليعلموا". * * * ثم قال: ﴿[فَقَالُواْ] ٱبْنُواْ عَلَيْهِمْ بُنْيَاناً﴾. أي قال الذين اطلعوا على أمرهم: ابنوا عليهم بنيانا ﴿رَّبُّهُمْ [أَعْلَمُ بِهِمْ]﴾ أي: [الله] أعلم بشأنهم قال ذلك: الكافرون. ﴿قَالَ ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ لَنَتَّخِذَنَّ عَلَيْهِمْ مَّسْجِداً﴾ قال ذلك: المسلمون. قال: عبيد بن عمير عمى الله [عز وجل] على الذين أعثرهم على أصحاب الكهف مكانهم فلم يهتدوا، فقال المشركون: نبني عليهم بنياناً فإنهم أبناء آبائنا، ونعبد الله فيها. وقال المسلمون: نحن أحق بهم، فإنهم منا، نبني عليهم مسجداً نصلي فيه، ونعبد الله عز وجل فيه. وقال قتادة: ﴿ٱلَّذِينَ غَلَبُواْ عَلَىٰ أَمْرِهِمْ﴾ الولاة. وقد روى ابن وهب: أن النبي ﷺ قال: ليحجن عيسى ابن مريم عليه السلام في سبعين. منهم أصحاب الكهف مسورين مخلخلين بالفضة ثم قال: ﴿سَيَقُولُونَ ثَلاثَةٌ رَّابِعُهُمْ كَلْبُهُمْ﴾. [أي: سيقول بعض الخائضين في أمر الفتية هم ثلاثة رابعهم كلبهم] ويقول بعضهم: خمسة سادسهم كلبهم رجماً بالغيب، أي: قذفاً بالظن. ويقول بعضهم: هم سبعة وثامنهم كلبهم. قل [يا محمد للقائلين ذلك] ربي أعلم بعدتهم ما يعلم عددهم إلا ناس قليل من خلقه، قاله قتادة. وقال ابن عباس: عني بالقليل هنا أهل الكتاب. وكان يقول: أنا ممن استثنى الله [عز وجل]. وروي عنه أنه قال: أنا من ذلك القليل. ويقول: عددهم سبعة، وكذلك قال: عكرمة وابن جريج هم سبعة وثامنهم كلبهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَلاَ تُمَارِ فِيهِمْ إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾. أي: [لا] تجادل في عدد أصحاب الكهف يا محمد أحداً من اليهود ﴿إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ أي: بما أنزل عليك من القرآن تتلوهم عليهم لا غير. وقال ابن عباس: يقول حسبك ما قصصت عليك في أمرهم فلا تمار فيهم. قال مجاهد: ﴿إِلاَّ مِرَآءً ظَاهِراً﴾ إلا ما قد أظهرنا لك من أمرهم. وقال ابن زيد: معناه: أن نقول لهم: ليس كما تقولون، ليس كما تدعون. * * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَسْتَفْتِ فِيهِمْ مِّنْهُمْ أَحَداً﴾. أي لا تستفت في أهل الكهف أحداً من أهل الكتاب فإنهم لا يعلمون ذلك. * * * ثم قال: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾. هذا تأديب للنبي ﷺ عهد إليه ألا يجزم في الأمور أنه كائن لا محالة إلا أن يصله بمشيئة الله. إذ لا يكون شيء إلا بمشيئته وأمره. وإنما أمر بذلك النبي ﷺ [لأنه] وعد سائليه عن المسائل التي تقدم ذكرها أن يجيبهم عنها غد يومهم ولم يستثن. فاحتبس الوحي عنه من أجل ذلك خمس عشرة ليلة حتى حزنه إبطاؤه. ثم أنزل عليه الجواب فيهن فعرف الله [عز وجل] نبيّه [عليه السلام] سبب احتباس الوحي عنه وعلمه ما الذي ينبغي له أن يستعمله في عداته فيما يحدث من الأمور التي [لم] يأته من الله عز وجل فيها تنزيل. وتقدير ﴿أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ عند الكسائي والفراء: إلا أن يقول إن شاء الله. وقال البصريون: المعنى: إلا بمشيئة الله [عز وجل]. فأن: في موضع نصب على حذف [الباء على] هذا. ثم قال: [تعالى]: ﴿وَٱذْكُر رَّبَّكَ إِذَا نَسِيتَ﴾. معناه عند ابن عباس: واستثنِ في يمينك إذا ذكرت أنك نسيت [ذلك] في حال اليمين. قال فيه: [فإن] له أن يستثني ولو إلى سنْة، وكذلك قال: أبو العالية، والحسن. وقال عكرمة: معناه: واذكر ربك إذا عصيت. وقيل: معناه: واذكر ربك إذا تركت ذكره لأن أحد معاني النسيان التي استعمل بها الترك. ومعنى قول: من أجاز الاستثناء بعد سنة أنه يسقط ذلك الاستثناء الحرج بتركه ما أمر به في الاستثناء لأن الله [عز وجل] أمر بالاستثناء. فإذا ذكر الإنسان، متى ما ذكر يمينه، وجب عليه أن يستثني فيسقط عنه الحرج في تركه ما أمر به ولا يسقط ذلك لكفارة إذا حنث [إلا أن يكون الاستثناء متصلاً باليمين فيسقط عنه الكفارة إذا حنث]، والحرج جميعاً، هذا معنى قول ابن عباس: أنه يستثني بعد سنة. ولم يقل أحد أن الاستثناء بعد حين يسقط عنه الكفارة إذا حنث. ولو وجب أن يسقط الكفارة بالاستثناء بعد حين لم يكن قوله تعالى: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩] الآية. فائدة: لأنه كان يستثني كل من أراد الحنث متى ما أراد الحنث ولا يكفر، وتبطل فائدة الآية، ولا يلزم أحد الكفارة. ويدل على ذلك أيضاً، قول النبي ﷺ: "من حلف على يمين فرأى غيرها خيراً منها فليكفر وليأت الذي هو خير"فأمر بالكفارة عند الحنث، ولم يقل: فليقل إن شاء الله. * * * ثم قال: ﴿وَقُلْ عَسَىٰ أَن يَهْدِيَنِ رَبِّي لأَقْرَبَ مِنْ هَـٰذَا رَشَداً﴾. أي قل لهم يا محمد لعل ربي أن يرشدني لأقرب مما وعدتكم وأخبرتكم أنه يكون إن هو شاء. وقيل: إن هذا أمر من الله [عز وجل] لنبيه [ﷺ] أن يقوله إذا نسي الاستثناء في كلامه الذي هو عنده في أمر مستقبل مع قوله إن شاء الله إذا ذكر ذلك. وقيل: المعنى قل لعل ربي أن يعطيني من الآيات والدلالات على النبوة ما يكون أقرب من الرشد وأدل من قصة أصحاب الكهف.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.