الباحث القرآني

قال: تعالى: ﴿وَأُحِيطَ بِثَمَرِهِ﴾ إلى قوله: ﴿عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾. المعنى: وأحاط الله [عز وجل] بثمره أي أحاط عذاب الله [عز وجل] بثمره. والثمر أنواع المال. ولو كان الثمر المأكول لوجب أن يكون لم يهلك من ماله إلا ثمر شجرة [و] ليس الأمر على ذلك. بل هلك كل ماله في الجنتين وهلكت الجنتان مع ذلك. * * * وقوله: ﴿فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلَى مَآ أَنْفَقَ فِيهَا﴾. هذا مثل للنادم المتأسف على ما ذهب له أن يقلب كفيه ظهراً لبطن على ذهاب نفقته في جنته ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾ أي حيطانها قائمة لا سقوف عليها. قد تهدمت سقوفها [و] بقيت حيطانها، فصارت الحيطان كأنها على السقوف إذ صارت السقوف تحت الحيطان. وقال: مجاهد ﴿يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ﴾ أي يصفق كفيه. أي يضرب كفاً على كف، وهذا يفعله صاحب المصيبة إذا نزلت به. * * * ﴿يَقُولُ يٰلَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً﴾. هذا ندم منه على ما تقدم من شركه به لما عاين ذهاب ماله والانتقام منه في الدنيا. والمعنى ويقول إذا عاين عذاب الآخرة ذلك. لم يندم على الشرك في الدنيا، إذ لو ندم على شركه في الدنيا لكان مؤمناً. * * * ثم قال: ﴿وَلَمْ تَكُن لَّهُ فِئَةٌ يَنصُرُونَهُ مِن دُونِ ٱللَّهِ﴾. أي لم تكن له عشيرة ينصرونه من هلاك جنته. وقيل من العذاب، قاله مجاهد. وقال: قتادة: "فئة جنده. * * * ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾. أي ما كان ممتنعاً من عذاب الله [عز وجل] إذا عذبه [سبحانه]. ثم قال: تعالى: ﴿هُنَالِكَ ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ﴾. أي لم يكن ممتنعاً ﴿هُنَالِكَ﴾ ثم ابتدأ فقال: ﴿ٱلْوَلاَيَةُ لِلَّهِ ٱلْحَقِّ﴾ فلا يوقف على "منتصراً" على هذا التقدير. ويجوز أن يكون ﴿هُنَالِكَ﴾ ظرفاً للولاية، فيحسن الوقف على "منتصراً". و "الولاية" بفتح الواو، في الدين مصدر للولي، من قوله ﴿إِنَّ وَلِيِّـيَ ٱللَّهُ﴾ [الأعراف: ١٩٦] ومعناه يتولى المؤمنين [و] قال: الفراء والكسائي الولاية بفتح الواو يعني به النصرة، أي هنالك النصرة لله [عز وجل]. ودل على هذا قوله: ﴿وَمَا كَانَ مُنْتَصِراً﴾. والولاية بكسر الواو السلطان والقدرة. وهو مصدر وليت الشيء ولاية، فهو مصدر الوالي، هذا قول الكسائي والفراء. والمعنى ثم القدرة والنصرة والسلطان لله [عز وجل] وثم إشارة إلى يوم القيامة. وأجاز أبو إسحاق "الحق" بالنصب على المصدر. أي أحق الحق. ولم يقرأ به أحد. * * * ثم قال: ﴿هُوَ خَيْرٌ ثَوَاباً﴾. أي الله خير المثيبين في العاجل والآجل، ﴿وَخَيْرٌ عُقْباً﴾ أي عاقبة في الأجل إذا صار إليه المطيع له. والعقب العاقبة وهي العقبا وذلك ما يصير إليه الأمر. * * * ثم قال: ﴿وَٱضْرِبْ لَهُم مَّثَلَ ٱلْحَيَاةِ ٱلدُّنْيَا﴾. أي واضرب للمشركين يا محمد الذين رغبوا [في الدنيا] واختاروها على الآخرة فسألوك أن نطرد الذين يدعون ربهم بالغداة والعشي يريدون وجهه للدنيا. ﴿مَّثَلَ﴾ أي شبهاً. * * * ﴿كَمَآءٍ أَنْزَلْنَاهُ مِنَ ٱلسَّمَاءِ فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ﴾. أي كمطر أنزله الله من السماء ﴿فَٱخْتَلَطَ بِهِ نَبَاتُ ٱلأَرْضِ فَأَصْبَحَ هَشِيماً﴾ فمثل الدنيا كمثل هذا النبات الذي حسن استواؤه بهذا المطر ثم انقطع عنه فعاد هشيما. أي: يابساً فتاتاً ﴿تَذْرُوهُ ٱلرِّياحُ﴾ لا فائدة فيه. وكذلك الحياة الدنيا، بينما الإنسان في غضارتها مغتبطاً إذ أتاه الموت فيبطل كل ما كان فيه. وقيل: معنى المثل المستحسن من الدنيا المشتهى المستحلى من نعمها، كله [يبطل] ويفسد بالفناء والزوال والانقلاب من الحال المستحسنة [إلى الحال المستقبحة] كما انتقل النبات عن الخضرة والطراء إلى الجفاف والاسوداد والهلاك. فلا ينبغي لمن لطف نظره وصح تمييزه أن يعتد من الدنيا بما لا يبقى عليه ولا يحصل له نفعه. * * * ثم قال: ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ مُّقْتَدِراً﴾. أي قادراً لا يفوته شيء. ومعنى ﴿وَكَانَ ٱللَّهُ﴾ فأتى بالخبر عن الماضي أنه على [معنى: أن] ما شاهدتموه من قوته ليس بحادث بل لم يزل على ذلك. هذا مذهب سيبويه. وقال: الحسن معناه: وكان مقتدراً عليه قبل كونه. وكذا الجواب عن كل ما أخبر الله [عز وجل] به عن نفسه بالماضي.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.