الباحث القرآني

قوله: ﴿وَعُرِضُواْ عَلَىٰ رَبِّكَ صَفَّاً﴾ إلى قوله: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾. أي وعرض الخلق صفاً أي ظاهرة ترى جماعتهم كما ترى كل واحد منهم، لا يسترهم شيء. * * * ﴿لَّقَدْ جِئْتُمُونَا كَمَا خَلَقْنَاكُمْ أَوَّلَ مَرَّةٍ﴾. أي أحياء كهيئتكم حين خلقناكم أول مرة، يحشرون حفاة عراة غرلاً. وغرل جمع أغرل وهو الأقلف. والمعنى يقال: لهم يوم القيامة إذا عرضوا لقد جئتمونا كما خلقناكم أول مرة. ثم قال: [تعالى]: ﴿بَلْ زَعَمْتُمْ أَلَّن نَّجْعَلَ لَكُمْ مَّوْعِداً﴾. هذا خصوص للمنكرين البعث يقال: لهم بل زعمتم أن لن تبعثوا. ثم قال: [تعالى]: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾. في هذا الكلام اختصار وحذف. والتقدير ووضع الكتاب الذي فيه عمل [كل] امرئ أي وضع الكتاب في يد كل امرئ في يمينه أو في شماله. * * * ﴿فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ﴾. أي: ترى المشركين [بالله] خائفين وجلين مما فيه من أعمالهم السيئة ﴿وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا﴾ أي يقولون إذا قرءوا كتاب أعمالهم ورأوا ما كتب عليهم من كبائر ذنوبهم ومغائرها ﴿يٰوَيْلَتَنَا﴾ دعوا بالويل لما أيقنوا بالعذاب. وروى عن عمر بن الخطاب رضي الله عنه أنه قال: لكعب: ويحك يا كعب حدثنا من حديث يوم القيامة، فقال: نعم يا أمير المؤمنين إذا كان يوم القيامة رفع اللوح المحفوظ، فلا يبقى أحد إلا وهو ينظر إلى عمله فيه. ثم يؤتى بالصحف التي فيها أعمال العباد فتنشر حول العرش فذلك قوله: ﴿وَوُضِعَ ٱلْكِتَابُ فَتَرَى ٱلْمُجْرِمِينَ مُشْفِقِينَ مِمَّا فِيهِ وَيَقُولُونَ يٰوَيْلَتَنَا مَالِ هَـٰذَا ٱلْكِتَابِ لاَ يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلاَ كَبِيرَةً إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ لما رأوا ما رأوا ولم يقدروا أن ينكروا منها شيئاً. قال: قتادة: اشتكى القوم كما تسمعون الإحصاء ولم يشتك أحد منهم ظلماً، فإياكم والمحقرات من الذنوب فإنها تجتمع على صاحبها حتى تهلكه. وروي عن ابن عباس أن الصغيرة التبسم، والكبيرة الضحك. وقيل: الصغيرة ما دون الشرك والكبيرة الشرك. * * * وقوله: ﴿إِلاَّ أَحْصَاهَا﴾ أي إلاّ حفظها الكتاب وأثبتت فيه. وقال: أحصاها على معنى أحصاهما، وعلى معنى أحصى كل واحد منهما. وقيل المعنى: لا يغادر صغيرة إلا أحصاها ولا كبيرة إلا أحصاها، لكن حذفت إحدى الجملتين لدلالة الأخرى عليها اختصاراً وإ[يـ]ـجازاً. * * * ثم قال: ﴿وَوَجَدُواْ مَا عَمِلُواْ حَاضِراً﴾. أي: ما عملوا في الدنيا من عمل حاضراً في كتابهم مكتوباً مبيناً. * * * ﴿وَلاَ يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾. أي: لا يجازي ربك يا محمد أحداً بغير ما هو أهله، أي لا يجازي بالإحسان إلا أهل الإحسان، ولا بالسيئات إلا أهل السيئة. وتحقيقه: لا يضع ربك العقوبة إلا في موضعها لأن الظلم في اللغة وضع الشيء في غير موضعه. * * * ثم قال: ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ فَسَجَدُوۤاْ إِلاَّ إِبْلِيسَ كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ﴾. أي: واذكر يا محمد إذ قلنا للملائكة اسجدوا لآدم فسجدوا إلا إبليس ترك السجود حسداً لآدم. * * * وقوله: ﴿كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ﴾ أي: من الملائكة الذين يقال: لهم الجن. وقيل كان من خزان الجنة فنسب إليها. وقيل: كان من الجن الذين استخفوا عن أعين الناس أي استتروا. وقال: ابن عباس كان اسم إبليس قبل أن يركب المعصية عزازيل. وكان من الملائكة من سكان الأرض من أشد الملائكة عبادة واجتهاداً فدعاه الكبر إلى ترك السجود وكان من حي يسمون جنا. وعنه أيضاً أنه قال: كان إبليس من حي من أحياء الملائكة يقال: لهم الجن خلقوا من نار السموم من بين الملائكة. وكان اسمه الحرث، وكان خازناً من خزان الجنة، قال: وخلقت الملائكة من [نور] غير هذا الحي وخلقت الجن الذين ذكروا في القرآن من مارج من نار السموم وهي لسان النار الذي يكون في طرفها إذا التهبت. وقال: ابن المسيب: كان إبليس رئيس الملائكة، ملائكة سماء الدنيا. وعن ابن عباس كان إبليس من خزان الجنة، وكان يدير أمر سماء الدنيا. وعنه كان إبليس من أشراف الملائكة و[أ]كرمهم قبيلة وكان خازناً على الجنان، وكان له سلطان السماء الدنيا، وكان له سلطان الأرض. وكان فيما قضى الله عز وجل أنه رأى أن له بذلك شرفاً وعظمة على أهل السماء فوقع في قلبه من ذلك كبر لا يعلمه إلا الله [عز وجل] فلما كان عند السجود، حين أمر أن يسجد لآدم [ﷺ] استخرج الله عز وجل كبره عند السجود فلعنه وأخره إلى يوم الدين. وعن ابن عباس أنه قال: إن الملائكة قبيلة من الجن وكان إبليس منها، وكان يسوس ما بين السماء والأرض فعصى، فسخط الله [عز وجل] عليه فمسخه شيطاناً رجيماً لعنه الله ممسوخاً. وقال: إذا كانت خطيئة الرجل في كِبْر فلا ترجه، وإن كانت خطيئته في معصية فارجه. وكانت خطيئة آدم [ﷺ] في معصية وخطيئة إبليس في كبر. وقال: ابن عباس: لو لم يكن من الملائكة لم يؤمر بالسجود. وقال: قتادة إنما سمي من الجن لأنه جن عن طاعة ربه. يريد أنه استتر عنها فلم يفعلها. وقال: الحسن: ما كان إبليس من الملائكة طرفة عين قط وأنه لأصل للجن، كما أن آدم [ﷺ] أصل للإنسان. وقال: ابن جبير: كان من الجنانين الذين يعملون في الجنان فلذلك قال: ﴿[كَانَ] مِنَ ٱلْجِنِّ﴾. فمن جعله ليس من الملائكة ينقض قوله قول الله [عز وجل] ﴿وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلاۤئِكَةِ ٱسْجُدُواْ لأَدَمََ﴾ لم يأمر غير الملائكة. وقال: من أجاز ذلك: إن معنى أن الله أمره مع الملائكة بالسجود فاستثني، فهو استثناء ليس من الأول. * * * ثم قال: ﴿فَفَسَقَ عَنْ أَمْرِ رَبِّهِ﴾. أي: فعدل عن أمر ربه وخرج عنه، والفسق العدول والخروج عن الاستقامة. وقال: قطرب معناه ففسق عن [رده] أمر ربه [عز وجل]. والمعنى عند الخليل وسيبويه أتاه الفسق لما أمر فعصى. وكان سبب فسقه الأمر بالسجود. * * * ثم قال: ﴿أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَآءَ مِن دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ﴾. أي: فتوالون يا بني آدم من استكبر على أبيكم وأغواه حتى أخرجه من الجنة فكان ذلك سبب خروجكم منها. وتتركون طاعة ربكم الذي أنعم عليكم وأسجد ملائكته لأبيكم آدم [ﷺ]. وذرية إبليس هم الشياطين الذين يغوون بني آدم. * * * ثم قال: ﴿بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلاً﴾. أي: بيس ما استبدل الظالمون من طاعة الله [عز وجل] طاعة ابليس.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.