الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾. أي: ما أشهدت إبليس وذريته ﴿خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾، أي ما أحضرتهم ذلك فاستعين بهم على خلقهما. * * * ﴿وَلاَ خَلْقَ أَنْفُسِهِمْ﴾. أي: ولا أحضرت بعضاً منهم خلق بعض فأستعين به على ذلك. بل هو منفرد بخلق جميع ذلك بغير معين ولا ظهير. وقيل معنى: ﴿مَّآ أَشْهَدتُّهُمْ خَلْقَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضِ﴾: أي لم يكونوا موجودين إذ خلقتهما. * * * ثم قال: ﴿وَمَا كُنتُ مُتَّخِذَ ٱلْمُضِلِّينَ عَضُداً﴾. أي: وما كنت متخذ من لا يهدي إلى الحق أعواناً وأنصاراً وهو من قولهم فلان يعضد [فلاناً] إذا نصره وأعانه وقواه. وقرأ أبو جعفر وعاصم الجحدري: "وما كنتَ" بفتح التاء على المخاطبة للنبي عليه السلام. أي لست يا محمد متخذاً المضلين أنصاراً. وفي عضد ستة أوجه وعَضُد وعَضْد وعُضُد بضمتين وبه قرأ الحسن. وحكى هارون القارى "عَضِدٌ". ويجوز عند أبي إسحاق عُضْداً على قراءة الحسن بسكون الأوسط. والسادس عُضْداً على لغة من قال: كِتْف في كتف. * * * ثم قال: ﴿وَيَوْمَ يَقُولُ نَادُواْ شُرَكَآئِيَ ٱلَّذِينَ زَعَمْتُمْ﴾ أي: نقول للمشركين نادوا الآلهة والأنداد التي عبدتموها، وجعلتموها شركاء لله ووعدتم أنفسكم بنصرتها لكم من عذاب الله. ﴿فَدَعَوْهُمْ فَلَمْ يَسْتَجِيبُواْ﴾: أي: فاستغاثوا بها ولم تغثهم. * * * ثم قال: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾. أي جعلنا بين المشركين، وما كانوا يعبدون في الدنيا عداوة يوم القيامة، قاله الحسن. وقال: ابن عباس معنى: ﴿وَجَعَلْنَا بَيْنَهُم مَّوْبِقاً﴾ الموبق المهلك الذي أهلك بعضهم بعضاً. كأنه جعل فعلهم ذلك لهم مهلكاً. فـ "بين" اسم على هذا القول لأظرف، وانتصابه انتصاب المفعول بجعل. قال: الضحاك: موبقاً هلاكاً. وقال: مجاهد: موبقاً واد في جهنم. وقال: عبد لله بن عمرو: يفرق يوم القيامة بين أهل الهدى والضلالة بواد عميق وهو الموبق. وقال: أبو عبيدة: موبقاً موعداً. وأحسن الأقوال، قول من قال: الموبق المهلك والهلاك. لأن العرب تقول: وبقَ يَبِق: إذا هلك. [ومنه] قوله: ﴿[أَوْ يُو]بِقْهُنَّ بِمَا كَسَبُوا﴾ [الشورى: ٣٤] أي: يهلكهن. فالمعنى وجعلنا تواصلهم في الدنيا مهلكاً لهم في الآخرة. وقد يسمى الوادي موبقاً لأنه يهلك فيه. فـ "بين" على هذا اسم لا ظرف، وانتصابه بجعلنا انتصاب المفعولات لا انتصاب الظروف، ومن جعله وادياً فهو ظرف، وكذلك على قول موبقاً عداوة وموعداً. وروى أبان عن عكرمة أنه قال: ["موبقاً"] نهر في النار يسيل ناراً، على حافتيه حيات كالبغال الدهم، فإذا ثارت إليهم لتأخذهم استغاثوا بالاقتحام في النار منها، أعاذنا الله من النار. ثم قال: [تعالى]: ﴿وَرَأَى ٱلْمُجْرِمُونَ ٱلنَّارَ فَظَنُّوۤاْ أَنَّهُمْ مُّوَاقِعُوهَا﴾. أي عاين المجرمون النار يوم القيامة فأيقنوا بأنهم داخلوها. روى أبو سعيد الخدري أن النبي ﷺ قال: "إن الكافر ليرى جهنم ويظن أنها مواقعته من مسيرة أربعين سنة ثم قال: ﴿وَلَمْ يَجِدُواْ عَنْهَا مَصْرِفاً﴾. أي: [و] لم يجدوا عن النار معدلاً إلى غيرها. * * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ صَرَّفْنَا فِي هَـٰذَا ٱلْقُرْآنِ لِلنَّاسِ مِن كُلِّ مَثَلٍ﴾. أي: ولقد مثلنا في هذا القرآن [للناس] من كل مثل فيه موعظة وحجة ليتعظوا ويتذكروا فينيبوا ويزدجروا عمّا هم فيه من الكفر ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ أَكْثَرَ شَيْءٍ جَدَلاً﴾، أي خصومة لا ينيب لحق ولا ينزجر لموعظة. [و] الإنسان هذا الكافر، دل عليه قوله ﴿وَيُجَٰدِلُ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ بِٱلْبَٰطِلِ لِيُدْحِضُواْ بِهِ ٱلْحَقَّ﴾ [الكهف: ٥٦] وإنما قيل: ﴿وَكَانَ ٱلإِنْسَانُ﴾. لأن إبليس أيضاً قد جادل والجن تجادل. والمعنى: وكان الإنسان أكثر هذه الأشياء جدلاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.