الباحث القرآني

قوله: ﴿فَلَعَلَّكَ بَاخِعٌ نَّفْسَكَ عَلَىٰ آثَارِهِمْ﴾ إلى قوله: ﴿كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾. أي: فلعلك يا محمد قاتل نفسك على آثار قومك الذين قالوا: ﴿لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّىٰ تَفْجُرَ لَنَا مِنَ ٱلأَرْضِ يَنْبُوعاً﴾ [الإسراء: ٩٠] تمرداً منهم على ربهم ﴿إِن لَّمْ يُؤْمِنُواْ بِهَـٰذَا ٱلْحَدِيثِ﴾ أي: بهذا الكتاب ﴿أَسَفاً﴾ وقال: قتادة: "أسفاً" غضباً وقال: مجاهد: "حزناً". فهذا عتاب للنبي ﷺ من الله [عز وجل] على حزنه على قومه إذ لم يؤمنوا. فمعنى أسفاً حزناً. وقيل معناه: جزعاً، قاله مجاهد. وقال: قتادة: معناه غضباً، ومنه قوله: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥]. * * * ثم قال: ﴿إِنَّا جَعَلْنَا مَا عَلَى ٱلأَرْضِ زِينَةً لَّهَا﴾. يعني: من الشجر والثمر والمال زين الأرض بذلك. * * * ﴿لِنَبْلُوَهُمْ﴾. أي: لنختبرهم من هو أحسن عملاً من غيره. قال سفيان الثوري: أيكم أزهد في الدنيا. وقال مجاهد: ما على الأرض من شيء هو زينة لها. وكان النبي ﷺ يقول: "إن الدنيا خضرة حلوة، وإن الله مستخلفكم فيها فناظر كيف تعملون فاتقوا الدنيا واتقوا النساء وروى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: "الزينة": الخلفاء، والعلماء، والأمراء. وروى ابن جبير عنه أنه قال: "الزينة": الرجال. جعل "ما" بمعنى : من في القولين جميعاً، وكون "ما" بمعنى: "من" يصلح في مواضع الإبهام ويقبح عند الاختصاص وذهاب العموم. وقيل المعنى: إنا جعلنا بعض ما على الأرض زينة لها، فأوقع الكل موضع البعض، لأن على الأرض ما لا زينة فيه. وقيل: بل هو عام. كل ما على الأرض زينة لها لدلالته على خالقه. * * * ثم قال: ﴿وَإِنَّا لَجَاعِلُونَ مَا عَلَيْهَا صَعِيداً جُرُزاً﴾. أي: وإنا لمخربوها بعد زينتها وعمارتها. يعني بذلك يوم القيامة، تصير الأرض مستوية لا جبل فيها ولا واد ولا أكمة ولا ماء ولا نبات. والصعيد وجه الأرض. والجرز الذي لا نبات فيه من الأرض ولا زرع ولا غرس. وقيل: الصعيد هنا المستوي بوجه الأرض، قال ابن عباس معناه: أنه يهلك كل شيء عليها ويبيد. وهذه تعزية للنبي ﷺ يقول له تعالى ذكره: لا تقتل نفسك إذ لم يؤمنوا بما جئتهم به فإن مصيرهم إلي فأجازيهم بأعمالهم. فإني مهلك كل من على وجه الأرض. قال: ابن زيد: الصعيد: المستوي، دل على ذلك قوله: ﴿لاَّ تَرَىٰ فِيهَا عِوَجاً وَلاۤ أَمْتاً﴾ [طه: ١٠٧]. والجرز: الأرض التي لا نبات فيها ولا منفعة، ألم تر إلى قوله: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْاْ أَنَّا نَسُوقُ ٱلْمَآءَ إِلَى ٱلأَرْضِ [ٱلْجُرُزِ]﴾ [السجدة: ٢٧] أي الأرض التي لا نبات فيها. حكى سيبويه: جرزت الأرض فهي مجروزة، وجرزها الجراد والنعم. وأرضون أجراز: إذا كانت لا شيء فيها. ويقال: للسنة المجدبة جرز وسنون إجراز. ثم قال: تعالى ذكره: ﴿أَمْ حَسِبْتَ أَنَّ أَصْحَابَ ٱلْكَهْفِ وَٱلرَّقِيمِ كَانُواْ مِنْ آيَاتِنَا عَجَباً﴾. أم: هنا بمعنى: بل. [والمعنى] أم حسبت يا محمد أن أصحاب الكهف والرقيم كانوا من آياتنا عجباً. فإن ما خلقت من السماوات والأرض وما فيهن من العجائب أعجب من أصحاب الكهف. والخطاب للنبي ﷺ والمراد به الخلق كلهم. وقال مجاهد: معنى الكلام: هم عجب وليس هو على طريقة الإنكار عنده. وقال قتادة: معناه: قد كان من آياتنا ما هو أعجب من ذلك. وعن ابن عباس أن المعنى: أم حسبت أن هؤلاء عجباً، فإن الذي أتيتك من الكتاب والحكمة والعلم أفضل من شأن أهل الكهف والرقيم. وهذا مما عَلَّمَتْ اليهود قريشاً أن يسألوا عنه محمداً ﷺ فسألوه عن ذلك. فأخبره الله بقصصهم. وخبرهم بعد أن أبطأ عنه الوحي في ذلك خمس عشرة ليلة، وقيل: أكثر. والكهف: كهف الجبل، آوى إليه القوم الذين قص الله [عز وجل] خبرهم في هذه السورة. وقال: الضحاك: الكهف الغار في الوادي. وقال ابن مالك: الكهف: الجبل. و "الرقيم": عند عكرمة وابن عباس فيما حكيا عن كعب: القرية وقال: قتادة: "الرقيم" الوادي الذي فيه اصحاب الكهف، وقاله عطية العوفي. وعن ابن عباس: "الرقيم" الكتاب. وقال عكرمة: الرقيم القرية اسم لها. وقال: [ابن] جبير "الرقيم": لوح من حجارة كتبوا فيه قصص أصحاب الكهف ثم وضعوه على باب الكهف. وقال ابن زيد: "الرقيم": كتاب، ولذلك الكتاب خبر، فلم يخبرنا الله [عز وجل] عن ذلك الكتاب وعن ما بناؤه، وقرأ: ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ * يَشْهَدُهُ ٱلْمُقَرَّبُونَ﴾ [المطففين: ١٩-٢١] ﴿وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ * كِتَابٌ مَّرْقُومٌ﴾ [المطففين: ٨-٩]. وعن ابن عباس أيضاً أن "الرقيم": الجبل الذي فيه الكهف، وعن ابن عباس أن "الرقيم": كتاب كتبه رجلان صالحان كانا في بيت الملك الذي فرّ منه الفتية أصحاب الكهف، كانا يكتمان إيمانهما. فلما سد الكهف على الفتية كتبا شأن الفتية وخبرهم في لوحين من رصاص. ثم جعلاه في تابوت على المكان الذي سدّ به باب الكهف. وقالا: لعل الله يطلع على هؤلاء الفتية قوماً صالحين فيعلمون شأنهم. وقد روى عكرمة عن ابن عباس أنه قال: القرآن أعلمه إلا ﴿حَنَاناً﴾ [مريم: ١٣] و ﴿لأَوَّاهٌ﴾ [التوبة: ١١٤] و ﴿ٱلرَّقِيمِ﴾ [الكهف: ٩] و ﴿غِسْلِينٍ﴾ [الحاقة: ٣٦]. وقال أنس: بن مالك: "الرقيم": آية الكلب وقال عكرمة: الرقيم الرواة. وقال السدي: هو الصخرة، وقال الفراء: الرقيم لوح من رصاص كتب فيه أسماؤهم وأنسابهم ودينهم ومما هربوا.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب