الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿قَالَ كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ وَلِنَجْعَلَهُ﴾ إلى قوله: ﴿نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. أي: قال: الأمر كما قيل لك، أن الله يهب لك غلاماً زكيا. ﴿هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ أي: سهل. * * * ﴿وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِّلْنَّاسِ﴾ أي: ولنجعل هذا الغلام حجة على الناس ﴿وَرَحْمَةً مِّنَّا﴾. أي: ورحمة منا لك، ولمن آمن به. * * * ﴿وَكَانَ أَمْراً مَّقْضِيّاً﴾. أي: كان خلقه منك بغير ذكر أمراً قد قضاه الله في سابق علمه أنه يكون على ذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ مَكَاناً قَصِيّاً﴾. في الكلام حذف، تقديره: فنفخنا فيها من روحنا بغلام ﴿فَحَمَلَتْهُ فَٱنْتَبَذَتْ بِهِ﴾ أي: اعتزلت به مكاناً قصياً، أي: متباعداً عن الناس [نائيا]، وهو بيت لحم، أقصى الوادي. فنظرت إلى أكمة ، فصعدت عليها مسرعة، وإذا على الأكمة جذع نخلة، فاستندت إلى الجذع. وهو قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. فجزعت عند شدة الولادة، وخوف ما يقول الناس، فقالت: ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. فسمع جبريل ﷺ كلامها، فناداها من تحتها ﴿أَلاَّ تَحْزَنِي قَدْ جَعَلَ رَبُّكِ تَحْتَكِ سَرِيّاً﴾ أي: جدولاً، وهو النهر الصغير. ثم قال لها: ﴿وَهُزِّىۤ إِلَيْكِ بِجِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَباً جَنِيّاً﴾، فعجبت من قول جبريل ﷺ، لأنه كان جذعاً قد نخر ليس فيه سعف، فلما هزته، نظرت إلى السعف قد أطلع من بين أعلى الجذع، وقد أخضر، ونظرت إلى الطلع قد خرج من بين السعف أبيض، ثم نظرت إليه قد اخضرّ بعد البياض، فصار بلحاً، ثم نظرت إلى البلح قد احمرّ بعد الخضرة، ثم نظرت إليه قد صار بسراً، ثم نظرت إلى البسر قد احمرّ، ثم نظرت إليه قد صار رطباً، وكذلك كله في أقل من ساعة. وقيل: كان ذلك كله في أقل من طرفة عين. فجعلت الرطب تسقط بين يديها، فطابت نفسها لما رأت من الآيات. قال وهب بن منبه: "نفخ جبريل ﷺ في جيب درعها حتى وصلت النفخة إلى الرحم. قال وهب: لما قال لها جبريل ﴿قَالَ رَبُّكِ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾ استسلمت لأمر الله، فنفخ في جيبها وانصرف عنها". وقال السدي: "فخرجت وعليها جلبابها لما قال لها جبريل عليه السلام ذلك، فأخذ كمها، فنفخ في جيب درعها وكان مشقوقاً من قدامها، فدخلت النفخة صدرها، فحملت، فأتتها أختها - امرأة زكريا - تعودها، فلما فتحت لها الباب، التزمتها، فقالت امرأة زكريا: يا مريم، أشعرت أني حبلى؟ قالت مريم: أشعرت أيضاً أني حبلى؟ قالت امرأة زكريا: فإني وجدت ما في بطني يسجد لما في بطنك. فذلك قوله تعالى: ﴿مُصَدِّقاً بِكَلِمَةٍ مِّنَ ٱللَّهِ﴾ [آل عمران: ٣٩]. قال ابن جريج: "إنما نفخ جبريل في جيب درعها ورحمها". قال السدي: "لما بلغ أن تضع مريم خرجت إلى المحراب الشرقي منه، فأتت أقصاه". * * * قوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ إِلَىٰ جِذْعِ ٱلنَّخْلَةِ﴾. أي: جاء بها المخاض إلى جذع النخلة. والهمزة دخلت لتعاقب الباء. قال ابن عباس ومجاهد والسدي: المعنى: أَلجأها. و "المخاض": "الحمل". وقال قتادة: ﴿فَأَجَآءَهَا﴾ "اضطرها". وذكر بعض أهل الأخبار أنها اعتزلت، وذهبت إلى أدنى أرض مصر، وآخر أرض الشام. وذلك أنها هربت من قومها لما حملت، فتوجهت نحو أرض مصر. قال وهب بن منبه: "لما اشتملت مريم على الحمل، كان معها ذو قرابة لها يقال له يوسف النجار، وكانا منطلقين إلى الجبل الذي عند صيهور، وكان ذلك المسجد يومئذ من أعظم مساجدهم. وكان مريم ويوسف يخدمان في ذلك المسجد، في ذلك الزمان، وكان لخدمته فضل عظيم. فرغبا في ذلك. فكانا يليان معالجة ذلك بأنفسهما وتحبيره وكناسته، وكل عمل يعمل فيه. وكان لا يعمل من أهل زمانها أحد أشد اجتهاداً وعبادة منهما. فكان أول من أنكر حمل مريم صاحبها يوسف. ولما رأى الذي بها، استعظمه، ولم يدر على ما يضع أمرها، فإذا أراد يوسف أن يتهمها، ذكر صلاحها وبراءتها، وأنها لم تغب عنه ساعة قط ، وإذا أراد أن يبرئها رأى الذي ظهر عليها. فلما اشتد ذلك عليه كلّمها. فكان أول كلامه إياها أن قال لها: إنه قد حدث في نفسي من أمرك أمر، وقد خشيت، وقد حرصت على أن أكتمه وأميته في نفسي، فغلبني ذلك، فرأيت أن الكلام أشفى فيه لصدري. قالت: فقل قولاً جميلاً. قال: ما كنت أقول لك إلا ذلك. فحدثيني هل ينبت زرع بغير بذر؟ قالت: نعم. قال: فهل تنبت شجرة من غير غيث؟ قالت: نعم. قال: فهل يكون ولد من غير ذكر؟ قالت: نعم. ألم تعلم أن الله تعالى أنبت الزرع يوم خلقه من غير بذر، والبذر يومئذٍ إنما صار من الزرع الذي أنبته الله من غير بذر؟ أو لم تعلم أن الله بقدرته أنبت الشجر بغير غيث وأنه جعل بتلك القدرة الغيث حياة الشجر بعدما خلق كل واحد منهما وحده؟ أو تقول: لن يقدر الله على أن ينبت الشجر حتى استعان عليه بالماء؟ ولولا ذلك لم يقدر على إنباته؟ قال يوسف: لا أقول هذا، ولكني أعلم أن الله يقدر على ما يشاء يقول لذلك كن فيكون. قالت له: أو لم تعلم أن الله خلق آدم وامرأته من غير أنثى ولا ذكر قال: بلى. فلما قالت له ذلك، وقع في نفسه أن الذي بها شيء من الله. ثم دنا نفاسها فأوحى الله تعالى إليها أن اخرجي من أرض قومك، فإنهم إن ظفروا بك، عيروك، وقتلوا ولدك. فأفضت ذلك إلى أختها، وأختها حينئذ حبلى، وقد بشرت بيحيى، فلما التقتا، وجدت أم يحيى ما في بطنها خر لوجهه ساجداً معترفاً بعيسى. فاحتملها يوسف إلى أرض مصر على حمار له، ليس بينها حين ركبت الحمار وبين الأكاف شيء. فلما كان بقرب أرض مصر، في منقطع بلاد قومها، أدرك مريم النفاس، فألجأها إلى حمار أو مذوده وأصل نخلة. فاشتد على مريم المخاض، فلما وجدت منه شدة التجأت إلى النخلة فاحتضنتها واحتوشتها الملائكة قاموا صفوفاً محدقين بها. وعن وهب أنها قالت له عند سؤاله: إن الله تعالى خلق البذر قبل الزرع، وإن الله خلق الحبة من غير مطر، وإن الله خلق آدم من غير أنثى ولا ذكر. وعن وهب أيضاً أنه قال: لما حضر ولادتها، وجدت ما تجده المرأة من الطلق، فخرجت من المدينة حتى تدركها الولادة إلى قرية من إيلياء على ستة أميال يقال لها بيت لحم. فأجاءها المخاض إلى أصل نخلة إليها مذود مقرة وتحتها نبع من الماء فوضعته عندها. وقد قال السدي لما حضر وضعها إلى جانب المحراب الشرقي منه أتت أقصاه. وقيل: إن عيسى ولد بمصر بكورة أهناس، ونخلة مريم قائمة بها إلى اليوم. والله أعلم بذلك كله. قال ابن عباس: ليس إلا أن حملت فولدت في ساعة. وعن مجاهد، أنها حملته ستة أشهر، فكانت حياته آية له لأنه يعيش من ولد من ستة أشهر. وقال غيره أقامت ثمانية أشهر، وذلك آية لعيسى أيضاً، لأنه يولد مولود لثمانية أشهر فيعيش. * * * وقوله: ﴿فَأَجَآءَهَا ٱلْمَخَاضُ﴾ يدل على طول المكث. قال مجاهد: كان حمل النخلة عجوة. وقيل: كان جذعاً بلا رأس، وكان ذلك في الشتاء، فأنبت الله له رأساً، وخلق فيه رطباً؟ في غير وقته. وروي أنها لما رأت الآية في الرطب والجذع طابت نفسها. وقالت: ليس ولادتي هذا الغلام من غير أب أعجب من هذا الجذع البالي. فأكلت من الرطب، وشربت من النهر. * * * وقوله: ﴿يٰلَيْتَنِي مِتُّ قَبْلَ هَـٰذَا﴾ [أي: قبل هذا] الطلق، استحياء من الناس قاله السدي. * * * ﴿وَكُنتُ نَسْياً مَّنسِيّاً﴾. أي: لم أخلق ولم أكن شيئاً. قال السدي: معناه نسى ذكري وأمري، فلا يرى لي أثر ولا عين. وقال قتادة: معناه: وكنت شيئاً لا يذكر ولا يعرف ولا يدري من أنا. وقال مجاهد وعكرمة: حيضة ملقاة. والنسي عند أهل اللغة، ما طال مكثه فنسي. ويكون النسي الشيء الحقير الذي لا يعبأ به. وقرأ محمد بن كعب: "نِسْئاً" بالهمز وكسر النون. وكذا قرأ أيوب، إلا أنه فتح النون وهو من نسأه الله إذا أخره. وإنما تمنت الموت وقد علمت أن الرضى بقضاء الله واجب عليها لأنها كرهت أن يعصى الله فيها وفيما يقول قومها فيها إذ جاءت بولد من غير ذكر، فشق عليها أن يأثموا فيها ويعصوا الله من أجلها فيما يرمونها به لا أنها سخطت قضاء الله فيها، إذ هي تعلم أن الله تعالى لم يختر لها إلا ما فيه الخيرة والصلاح لها. فتمنيها للموت إنما هو طاعة لله لأن من كره أن يعصى الله فيه فقد أطاع الله.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب