الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِسْمَاعِيلَ﴾ إلى قوله: ﴿سُجَّداً وَبُكِيّاً﴾. المعنى: واقصص عليهم يا محمد، نبأ إسماعيل، إنه كان صادق الوعد، أي: لا يخلف وعده. قال ابن جريج: لم يعد ربه عدة إلا أنجزها. وقيل: إن هذا مما يدل على أنه هو الذبيح، لأنه وعد من نفسه الصبر على الذبح، فصبر حتى فداه الله. قال سهل بن عقيل: وعد إسماعيل رجلاً مكانه أن يأتيه، فجاءه إسماعيل، ونسي الرجل، وظن أنه قد اشتغل، فبات إسماعيل في المكان حتى جاء الرجل من الغد. فقال له الرجل: ما برحت من ها هنا؟ فقال إسماعيل: لا والله. فقال الرجل: إني نسيت. فقال إسماعيل إني لم أكن لأبرح حتى تأتينَي، فذلك قوله "كان صادق الوعد". وروي أن إبليس اللعين تمثّل له، فوقع بينهما موعد ألا يبرح إسماعيل حتى يعود إليه. فكان في اعتقاد إسماعيل أن ينتظر سنة فأتاه جبريل ﷺ فأعلمه أنه إبليس، فذهب وأرسله الله إلى جرهم. * * * وقوله: ﴿وَكَانَ يَأْمُرُ أَهْلَهُ بِٱلصَّـلاَةِ وَٱلزَّكَـاةِ﴾. يعني أمته كلها، ذات نسب وغير ذات نسب. ﴿وَكَانَ عِندَ رَبِّهِ مَرْضِيّاً﴾ . أي: محموداً فيما كلفه، غير مقصر. و "مرضي" مفعول، والأصل فيه عند سيبويه. "مرضو". ولكن أبدلوا من الواو ياء لأنها أخف، ولأنها واو قبلها ضمة، وليس ذلك في كلامهم فأبدل ولم يعتد بالساكن الذي قبل الواو المضمومة. ومثله قولهم مسنية، أصلها مسنوة. وقال الكسائي والفراء: من قال "مرضى" بناه على رضيت وقالا وأهل الحجاز يقولون "مرضو". وحكيا أنَّ من العرب من يُثني رضاً على رضوان، ورضيان، وربوان، وربيان. فمرضي على رضيان. ومرضو على رضوان. ولا يعرف البصريون في التثنية إلا رضوان بالواو. وربوان بالواو. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَٱذْكُرْ فِي ٱلْكِتَابِ إِدْرِيسَ إِنَّهُ كَانَ صِدِّيقاً نَّبِيَّاً﴾. أي: واقصص نبأ إدريس، إنه كان لا يقول إلا الحق فيما يوحى إليه، وفي غيره "نبيئاً" تنبأه الله. كان إدريس خياطاً، وكان كلما وخز وخزة بالإبرة سبّح الله، وهو أول من خاط الثياب، وبينه وبين آدم خمسة آباء. * * * ثم قال: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾ قال كعب: أوحى الله إليه أني أرفع لك كل يوم مثل عمل بني آدم، فأحب أن يزداد عملاً فأتاه خليل له من الملائكة، فقال: إن الله أوحى إليّ كذا وكذا، فكلم لي ملك الموت فليؤخرني حتى أزداد عملاً، فحمله بين جناحيه ثم صعد به إلى السماء، فلما كان في السماء الرابعة تلقاه ملك الموت منحدراً، فكلم ملك الموت في الذي كلّمه فيه إدريس فقال: وأين إدريس؟ فقال هو ذا على ظهري. فقال ملك الموت: فالعجب، بعثت، وقيل لي: اقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض، فجعلت أقول: كيف أقبض روحه في السماء الرابعة وهو في الأرض. فقبض روحه هناك، فذلك قوله: ﴿وَرَفَعْنَاهُ مَكَاناً عَلِيّاً﴾. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعله في السماء الرابعة قاضياً كالملك في وسط ملكه وجعل خزائن السماوات بيده. وقيل: رفع إلى السماء السادسة. وقال مجاهد: رفع إدريس ولم يمت كما رفع عيسى. وقال مجاهد وقتادة: رفع إلى السماء الرابعة. وروي قتادة عن أنس أن النبي ﷺ قال لما عرج به إلى السماء، قال: "أتيت على إدريس في السماء الرابعة وقيل: ﴿مَكَاناً عَلِيّاً﴾ عنى به في النبوة والعلم. وسأل ابن عباس كعباً عن إدريس وما يجد من خبرة في التوراة فقال: إن في كتاب الله أن إدريس كان يعرج بعمله إلى السماء، فيعدل عمله عمل جميع أهل الأرض. فاستأذن فيه ملك من الملائكة أن يؤاخيه، فأذن الله له أن يؤاخيه، فسأله إدريس. أي أخي، هل بينك وبين ملك الموت إخاء؟ قال: نعم، ذلك أخي دون الملائكة، وهم متآخون كما يتآخى بنو آدم فقال: هل لك أن تسأله كم بقي من عمري لكي أزداد في العمل؟. قال إن شئت سألته وأنت تسمع. قال: فحمله الملك تحت جناحيه حتى صعد به إلى السماء [فقال لملك الموت] أي أخي، كم بقي من أجل إدريس؟ فقال: ما أدري حتى أنظره قال: فنظر فقال: إنك تسألني عن رجل ما بقي من أجله إلا طرفة عين. فنظر الملك تحت جناحه، فإذا إدريس قد قبض وهو لا يشعر. ذكر ذلك ابن وهب. وروى ابن وهب أيضاً عن عبد الله بن عمرو بن العاص أنه قال: إن إدريس أقدم من نوح، بعثه الله إلى قومه فأمرهم أن يقولوا: لا إله إلا الله ويعملوا بما شاءوا فأبوا، فأهلكهم الله. وروى أن ادريس سَار ذات يوم في حاجته فأدركه وهج الشمس فقال: يا رب، إني مشيت في الشمس يوماً. فآذاني حرّها، فكيف بمن يحملها مسيرة خمس مائة عام في يوم واحد، اللّهم خفف عن من يحملها، واحمل عنه حرها. فلما أصبح الملك، وجد خفة فسأل الله عن ذلك، فأعلمه أن إدريس دعا له في ذلك، فسأل الله أن يجمع بينه وبينه، وأن يجعل بينه وبينه خلة، فأذن الله له في ذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ أَنْعَمَ ٱللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ ٱلنَّبِيِّيْنَ﴾. المعنى: أولئك الذين قصصت عليك، أنباءهم، هم الذي أنعم الله عليهم بتوفيقه، فهداهم لطريق الرشد من الأنبياء ﴿مِن ذُرِّيَّةِ ءَادَمَ﴾. يعني إدريس. و ﴿وَمِمَّنْ حَمَلْنَا مَعَ نُوحٍ﴾ (أي ومن ذرية من حملنا مع نوح في الفلك، يعني: إبراهيم). ﴿وَمِن ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ وَإِسْرَائِيلَ﴾ يعني يعقوب من ذرية إبراهيم وإسماعيل من ذرية إبراهيم، ومن ذريته أيضاً هارون وموسى، وزكريا، وعيسى، وأمه. ﴿وَمِمَّنْ هَدَيْنَا﴾ للإيمان والعمل الصالح. ﴿وَٱجْتَبَيْنَآ﴾ أي: واصطفيا للرسالة والوحي. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِذَا تُتْلَىٰ عَلَيْهِمْ آيَاتُ ٱلرَّحْمَـٰنِ﴾. أي: أدلته وحججه التي أنزلها في كتابه. ﴿خَرُّواْ سُجَّداً﴾ أي خضعاً. ﴿وَبُكِيّاً﴾ أي باكين. فبكى يجوز أن يكون مصدراً لبكى يبكي بكياً. بمعنى: بكاء. ويكون أصله بكوياً. كجلس يجلس جلوساً. ثم نقل ورد إلى الياء، على أصل اجتماع الواو والياء. والأول ساكن، ويكسر ما قبلها، لأنه ليس من كلامهم ياء ساكنة قبلها ضمة، ومن كسر أوله، اتبع الكسر الكسر والياء. ويجوز أن يكون جمع باكٍ على فعول، كما قالوا شاهد وشهود. فأما العتي والجثي فهما جمع جاث وعات على فعول، ثم غير على ما تقدم في "مرضي". لأن لامه واو. فهو مخالف لبكياً. إذ لامه ياء، ولام جثياً وعتياً واو، لأن ذلك من بكى يبكي، وهذين من جثا يجثو، وعتا يعتو، فقس على هذا ياءات هذه السورة وغيرها. وقرأ عمر بن الخطاب رضي الله عنه سورة "مريم" فسجد فقال "هذا السجود، فأين البكي" وهذا يدل على أنه مصدر لا جمع يريد به فأين البكاء.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.