الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿لاَّ يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْواً﴾ إلى قوله ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾. أي: لا يسمعون في الجنة لغواً وهو الهدر والباطل من القول. ﴿إِلاَّ سَلاَماً﴾ أي: تحييهم الملائكة من كل باب بالسلام. وقوله: "إلا سلاماً" استثناء ليس من الأول. وقيل: هو بدل من لغو. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. أي: لهم ما يشتهون من المطاعم، قدر وقت البكرة ووقت العشي من نهار الدنيا. إذ لا ليل في الجنة ولا نهار. قال مجاهد: ليس "بكرة" ولا "عشي" ولكن يؤتون به على ما كانوا يشتهون في الدنيا. خاطبهم الله بأعظم ما كان في أنفسهم من العيش. وكانت العرب إذا أصاب أحدهم الغداء والعشاء عجب به فأخبرهم الله أن لهم في الجنة ذلك الذي يعجبهم. وقال زهير بن محمد: "ليس في الجنة ليل. هم في نور أبداً ولهم مقدار الليل والنهار. يعرفون مقدار الليل بإرخاء الحجب وإغلاق الأبواب. ويعرفون مقدار النهار برفع الحجب وفتح الأبواب". وقيل: معنى الآية: ﴿وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيّاً﴾. مقدار ما يكفيهم لكل ساعة ولكل وقت يريدون فيه الأكل. * * * ثم قال تعالى: ﴿تِلْكَ ٱلْجَنَّةُ ٱلَّتِي نُورِثُ مِنْ عِبَادِنَا مَن كَانَ تَقِيّاً﴾. أي: الجنة التي وصفت، هي التي تورث مساكن أهل النار فيها. "من مكان تقياً" أي من اتقى عقاب الله، فأدى فرائضه واجتنب محارمه. قال إبراهيم بن عرفة: وعد الله بالجنة كل من اتقى، وأرجو أن يكون كل موحد من أهل التقية - إن شاء الله - ولن يهلك مؤمن بين توحيد الله، وشفاعة نبيه ﷺ. وقيل: "التقي": الذي قد أكثر من اتقاء معاصي الله ومحارمه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾. هذه الآية نزلت لما استبطأ النبي ﷺ الوحي. قال ابن عباس: قال النبي ﷺ لجبريل عليه السلام: ما يمنعك أن تزورنا أكثر مما تزورنا، فنزلت ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ وعن ابن عباس أيضاً أنه قال: احتبس جبريل عن النبي ﷺ بالوحي فيما سأله المشركون عنه من خبر الفتية وخبر الطواف، وعن الروح، وقد كان قال لهم النبي ﷺ سأخبركم غداً، ولم يستثن. فأبطأ عنه الوحي أربعين يوماً. ثم نزل جبريل عليه السلام: ﴿وَلاَ تَقُولَنَّ لِشَاْىءٍ إِنِّي فَاعِلٌ ذٰلِكَ غَداً * إِلاَّ أَن يَشَآءَ ٱللَّهُ﴾ [الكهف: ٢٣-٢٤]، فوجد النبي ﷺ من ذلك، وحزن فأتاه جبريل عليه السلام، فقال: يا رسول الله ﴿وَمَا نَتَنَزَّلُ إِلاَّ بِأَمْرِ رَبِّكَ﴾ الآية. وكذلك قال قتادة ومجاهد والضحاك باختلاف لفظ واتفاق معنى. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَهُ مَا بَيْنَ أَيْدِينَا وَمَا خَلْفَنَا وَمَا بَيْنَ ذٰلِكَ﴾. معناه عند أبي العالية: ما بين أيدينا من الدنيا وما خلفنا من الآخرة "وما بين ذلك" ما بين النفختين. وقال ابن عباس: "ما بين أيدينا" الآخرة "وما خلفنا" من الدنيا. وكذلك قال قتادة، إلا أنه قال: "وما بين ذلك"، ما بين الدنيا والآخرة. وُرُوِيَ عن معمر: "ما بين ذلك" ما بين النفختين. وكذا قال الضحاك. وقال ابن جريج: "ما بين أيدينا" ما مضى أمامنا من أمر الدنيا، "وما خلفنا،" ما يكون بعدنا من الدنيا والآخرة، "وما بين ذلك" ما بين ما مضى أمامهم وما بين ما يكون بعدهم. وقال الأخفش "ما بين أيدينا": ما كان قبل أن نخلق "وما خلفنا" ما يكون بعد أن نموت "وما بين ذلك" منذ خلقنا إلى أن نموت. وقال ابن جبير: "ما بين ذلك" ما بين الدنيا والآخرة، يعني البرزخ. فيكون المعنى: فلا استبطاء يا محمد في تخلفنا عنك، فإنا لا ننتزل إلا بأمر ربك لنا بالنزول بما هو حادث من أمور الآخرة، وما قد مضى من أمر الدنيا، وما بين هذين الوقتين. * * * وقوله: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ذا نسيان، فيكون تأخر نزولنا من أجل نسيانه إياك. قال مجاهد: ﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ نَسِيّاً﴾ أي ما نسيك.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.