الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾. أي: إِنا نبشرك بهبتنا لك غلاماً اسمه يحيى. قال قتادة: إِنما سماه الله يحيى لإحيائه إياه بالإيمان. وقيل: سمي بذلك لأنه حيي بالعلم والحكمة التي أوتيها. * * * ثم قال تعالى: ﴿لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾. أي: لم تلد العواقر مثله ولداً، قاله ابن عباس. وقال مجاهد: لم نجعل له من قبل مثلاً ولا شبيها. وقيل: المعنى، لم نأمر أحداً يسمي ابنه يحيى قبلك. وقال قتادة وزيد بن أسلم والسدي: معناه: لم يسم أحد يحيى قبله. * * * ثم قال: ﴿قَالَ رَبِّ أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً﴾. أي: قال زكرياء: يا رب، من أي وجه يكون لي غلام وامرأتي عاقر لا تحمل، وقد ضعفت من الكبر عن مباضعة النساء. كأنه يستثبت الخبر من عند ربه. كيف يأتي هذا الغلام؟ أيحدث فيه قوة يقوى بها على مباضعة النساء ويجعل امرأته ولوداً؟ أو يتزوج غيرها ممن تلد؟ أو كيف ذلك؟ على طريق الاسترشاد لا على طريق الإنكار، لأنه هو الراغب في ذلك إلى الله. فلا يجوز الإنكار فيه البتة. وقيل: قال ذلك على طريق التعجب من قدرة الله، إذ امرأته عاقر. قال السدي: نادى جبريل ﷺ زكرياء: ﴿يٰزَكَرِيَّآ إِنَّا نُبَشِّرُكَ بِغُلاَمٍ ٱسْمُهُ يَحْيَىٰ لَمْ نَجْعَل لَّهُ مِن قَبْلُ سَمِيّاً﴾. فلما سمع النداء جاءه الشيطان فقال له: يا زكريا، إن الصوت الذي سمعت ليس من الله، إنما هو من الشيطان سخر بك، ولو كان من الله أوحاه إليك ما يوحي إليك غيره من الأمر فشك مكانه وقال: ﴿أَنَّىٰ يَكُونُ لِي غُلاَمٌ وَكَانَتِ ٱمْرَأَتِي عَاقِراً﴾. وقوله: "عُتِيّاً" أي قد عتوت من الكبر فصرت يابس العظام. يقال للعود اليابس، عود عات وعاس. وقال قتادة: "عُتِيّاً" نسئاً، وكان ابن بضع وسبعين سنة. وقيل: سبعين سنة. * * * ثم قال تعالى: ﴿كَذٰلِكَ قَالَ رَبُّكَ هُوَ عَلَيَّ هَيِّنٌ﴾. الكاف في موضع رفع. والمعنى، قال: الأمر كذلك، أي: الأمر كما قيل لك. أي: أهب لك غلاماً اسمه يحيى، هو عليّ هين. أي: خلقه عليّ هين. ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئاً﴾ أي: ليس خلقنا لغلام نهبه لك بأعجب من خلقنا إياك ولم تك شيئاً موجوداً. هو نفي للعين عام. ولو قال: "ولم تك رجلاً أو إنساناً" لم يكن ذلك نفياً للعين ولا نفياً عاماً. فافهمه.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.