الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا تَتْلُواْ ٱلشَّيَـٰطِينُ﴾ الآية. * * * قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾. يجو أن تكون "ما" نافية فيحسن الابتداء بها. وأن تكون بمعنى "الذي" أي: واتبعوا الذي أنزل على الملكين، فلا يبتدأ بها. وقيل: "ما" في موضع نصب بـ "يعلمونَ"، أي: ويعلمون ما أنزل على الملكين فيتعلمون أي فهم يتعلمون. وقال الفراء: هو معطوف على ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ﴾ ﴿فَيَتَعَلَّمُونَ﴾ وأجاز أن يكون مردوداً على قوله: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ﴾ على إضمار تقديره. "فيأتون فيتعلمون". ويجوز أن يكون مردوداً على ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾ لأن معناه: "فلا تتعلم السحر". فيكون تقديره: "فلا تتعلم فيأتون فيتعلمون". * * * قوله: ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾. أي: في حين ملكه، "فعلى" بمعنى "في" كما وقعت "في" بمعنى "على" في قوله: ﴿وَلأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ ٱلنَّخْلِ﴾ [طه: ٧١] أي على: جذوع النخل. ومعنى "تَتْلُو" تقرأ، وقيل: تروي. * * * قوله: ﴿لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾. "من" بمعنى "الذي"، وأجاز الفراء أن تكون للشرط ولا يجوز ذلك عند البصريين. والضمير في ﴿وَٱتَّبَعُواْ﴾ يعود على اليهود الذين وصفهم الله قبل، بنبذ الكتاب والكفر والجحود وغير ذلك، وهم اليهود الذين هم بحضرة رسول الله [عليه السلام] لأنهم تركوا كتابهم واتبعوا السحر. ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾: أي: على عهده. قال السدي: "كانت الشياطين تصعد إلى السماء فتسمع ما أُخْبِرَ به الملائكة مما يحدث في الأرض من موت أو جدب أو غير ذلك فيخبرون به الكهنة، فتحدث الكهنة الناس ويزيدون فيه مع كل كلمة سبعين كلمة من الكذب. فاكتتب الناس ذلك في الكتب، وفشا في بني إسرائيل أن الجن تعلم الغيب. فجمع سليمان تلك الكتب فجعلها في صندوق ثم دفنها تحت كرسيه، ولم يكن أحد من الشياطين يدنو من كرسيه إلا احترق. وانتهى الناس عن إضافة الغيب إلى الشياطين. فلما مات سليمان ﷺ وانقرض العلماء، تمثل الشيطان في صورة الإنسان، وأتى نفراً من بني إسرائيل فقال: هل أدلكم على كنز لا تأكلونه أبداً؟ قالوا: نعم. قال: فاحفروا تحت الكرسي. وذهب معهم فأراهم المكان فحفروا، فوجدوا تلك الكتب، فلما أخرجوها قال: إن سليمان إنما كان يملك الجن والإنس والطير بهذا السحر. ثم ذهب عنهم، وفشا في الناس أن سليمان كان ساحراً، فطلب بنو إسرائيل السحر، فلما بعث النبي ﷺ خاصموه بها، فأنزل الله عز وجل: ﴿وَمَا كَفَرَ سُلَيْمَـٰنُ وَلَـٰكِنَّ ٱلشَّيَـٰطِينَ كَفَرُواْ﴾". وقال الربيع في خبر رفعه إلى النبي ﷺ: أن اليهود سألوا النبي ﷺ عن السحر فقال لهم النبي [عليه السلام]: إِنِّما عَمَدَتِ الشَّيَاطِينُ فِي عَهْدِ سُلَيْمَانَ إِلَى السِّحْرِ وَالكَهَانَةِ فَوَضَعَتْهُ فِي كُتُبٍ وَدَفَنَتْه تَحْتَ كُرْسِيِّ سُلَيْمَانَ، فَلَمَّا مَاتَ سُلَيْمَانُ اسْتَخْرَجُوا الكُتُبَ وَخَدَعُوا بِهَا بَنِي إِسْرَائِيلَ فَاتَّبَعوهَا وقال ابن جريج: "عني بذلك اليهود الذين كانوا على عهد سليمان". وقال ابن إسحاق: "إنما كتبت الشياطين ما كتبت حين علمت بموت سليمان ﷺ؛ كتبت: من كان يحب أن يبلغ كذا وكذا فليفعل كذا وكذا. فكتبوا أصنافاً وختموا عليه وعنونوا: هذا ما كتب آصف بن برخيا الصِّديق للملك سليمان بن داود. ثم دفنوه تحت الكرسي. فاستخرجته بعد ذلك بقايا بني إسرائيل واتبعته، وقالوا: ما ملك سليمان إلا بهذا. فأفشوا السحر في الناس، فليس السحر في أحد أكثر منه في اليهود. وقد سحروا النبي ﷺ". وبابل: موضع يقال الملكان فيه في سرب من الأرض معلقين في ضوء كضوء النهار. وقيل: إنما سمي بابلاً لأن الألسنة فيه تبلبلت، وافترقت الأمم من ذلك المكان في الآفاق لاختلاف ألسنتها. وقيل: إن ذلك إنما كان على عهد فرعون إذ جمع الناس لبنيان الصرح، ومن ذلك الوقت لا تدع الريح بنياناً يبلغ ذراعاً إلا دمرته. وقال ابن عباس: "إن سليمان لما ذهب ملكه ارتد فئام من الناس من الجن والإنس وأحدثوا سحراً، واتبعوا الشهوات. فلما رجع سليمان إلى ملكه، أخذ تلك الكتب ودفنها. فلما مات ظهرت الإنس والجن على تلك الكتب، وقالوا: هذا كتاب من عند الله أخفاه عنا سليمان فجعلوه ديناً". * * * ومعنى ﴿تَتْلُواْ﴾: تحدث وتروي وتتكلم. وقيل: معناه تتبع. * * * قوله: ﴿عَلَىٰ مُلْكِ سُلَيْمَـٰنَ﴾. أي: في ملكه وعهده. قال ابن عباس: "كان سبب محنة سليمان ﷺ أن أهل امرأة له يقال لها جرادة اختصموا إليه مع خصماء لهم فكان هوى سليمان أن يكون الحق لأهل جرادة فيقضي لهم فعوقب حين لم يكن هواه فيهم واحداً. وكان سليمان ﷺ إذا أراد أن يدخل الخلاء أو يقضي حاجة أعطى خاتمه لجرادة، فلما أراد الله منه ما أراد جاء الشيطان يوماً في صورة سليمان إلى جرادة فقال: هاتي الخاتم. فأخذه فلبسه فدانت له الشياطين والجن والإنس. فلما جاءها سليمان يطلب الخاتم، قالت له: كذبت لست سليمان فعرف سليمان أنه ابتلي، فعند ذلك كتبت الشياطين سحراً ودفنوه تحت الكرسي، وأخرجوه بعد موته، فضل الناس به، وتبرأ كثير منهم من سليمان ﷺ. * * * قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾. "ما" في موضع نصب عطفاً على "ما" في قوله: ﴿وَٱتَّبَعُواْ مَا﴾. وإن شئت عطفاً على السحر أي: ﴿يُعَلِّمُونَ ٱلنَّاسَ ٱلسِّحْرَ وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾. وقيل: ما جحد قاله ابن عباس . أي لم ينزل على الملكين السحر. * * * ومعنى ﴿وَمَا يُعَلِّمَانِ مِنْ أَحَدٍ﴾ أي يخبرانه بالسحر ليتجنبه ولئلا يقع فيه وهو لا يدري فيقولان: "السحر هو كذا وكذا، فاجتنبه فإنه كفر". وتقدير قول من جعل "ما". [نفيا أن يكون في] الكلام تقديم وتأخير على ترتيب: "واتبعوا ما تتلو الشياطين على ملك سليمان، وما كفر سليمان، وما أنزل على الملكين ولكن الشياطين كفروا يعلمان الناس السحر ببابل هاروت وماروت". وقيل: يعني بالملكين هنا: جبريل وميكائيل عليهما السلام، لأن سحرة اليهود تزعم أن الله تعالى أنزل السحر على لسان جبريل وميكائيل، فأكذبهم الله بذلك وأخبرهم أن السحر من عمل الشياطين، وأن تعلم الناس ذلك ببابل وأن الذي يعلمه رجلان اسمهما هاروت وماروت. فهو رد على الشياطين. وقيل: الذي يتعلمه من الناس هاروت وماروت. فهو رد على الناس. وقال قتادة والزهري عن عبد الله: "كانا ملكين أهبطا إلى الأرض للحكم بين الناس فحاكمت إليهما امرأة فحافا، فأتيا ينهضان إلى السماء فلم [يقدرا، وخُيّرا] بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا فكانا يعلمان الناس السحر، فأخذ عليهما ألا يعلما أحداً حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ فَلاَ تَكْفُرْ﴾. وذكر ابن الأعرابي في "الياقوتة" أن معنى "يُعَلِّمَان": "يُعْلِمانِ" مخففاً. قال: والعرب تقول: "تعلم مني" أي: اعلم. قال: ومعناه: أن الساحر يأتي الملكين فيقول: أخبراني عما نهى الله عنه [فننتهي عنه]، فيقولان: نهى عن الزنا، فيقول: وما الزنا؟ فيصفانه له. ويقولان: نهى عن اللواط ويصفانه. ونهى عن السحر ويصفانه له لينتهي عنه، فينصرف ويخالف ويكفر. فالمعنى: وما يعلمان من أحد حتى يقولا: ﴿إِنَّمَا نَحْنُ فِتْنَةٌ [فَلاَ تَكْفُرْ]﴾" أي: اختبار من الله فلا تكفر، فتعمل بما ينهاك عن العمل به. وروي عن ابن عباس في قصة الملكين: "أن الله تعالى أطلع الملائكة على أعمال بني آدم، فقالوا: يا رب هؤلاء بنو آدم الذي خلقته بيدك، و [أسجدت له] ملائكتك، وعلمته أسماء كل شيء يعملون بالخطايا. فقال الرب لهم: أما إنكم لو كنتم مكانهم لعملتم مثل أعمالهم. قالوا: سبحانك، ما كان ينبغي لنا. قال: فأمروا أن يختاروا ملكين ليهبطا إلى الأرض، فاختاروا هاروت وماروت فأهبطا إلى الأرض وأحل لهما كل شيء إلا الشرك والسرقة والزنا وشرب الخمر، وقتل النفس. قال: فما أشهرا حتى عرض لهما بامرأة، قد قسم لها بنصف الحسن، فلما أبصراها تعرضا لها، قالت: لا، إلا أن تشركا بالله شيئاً ، وتشربا الخمر وتقتلا النفس، وتسجدا لهذا الصنم. قالا: ما كنا لنشرك بالله شيئاً. فقال أحدهما للآخر: ارجع إليها. فقالت: لا، إلا أن تشربا الخمر، فشربا حتى ثملا، ودخل عليهما سائل فقتلاه. فلما وقعا فيما وقعا من الشر، أفرج الله لملائكة السماء لينظروا إليهما فقالوا: سبحانك أنت أعلم. فأوحى الله تعالى [إلى سليمان] بن داود أن يخيرهما بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا". وروي عن ابن عباس أنه قال: "نزلت الزهرة إليهما في صورة امرأة من أهل فارس، وكانت الملائكة من قبل يستغفرون للذين آمنوا: ﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: ٧] فلما وقع الملكان في الخطيئة استغفروا لمن في الأرض". وروي عن علي بن أبي طالب أنه قال: "كانت الزهرة امرأة جميلة من أهل فارس، فلما أراداها قالت: لا، إلا أن تعلماني الكلام الذي إذا تكلم به عرج إلى السماء. فعلماها فعرجت إلى السماء، فمسخت كوكباً". قال كعب: "والله ما أمسيا في الأرض من يومهما الذي أهبطا فيه حتى استكملا فعل جميع ما نهيا عنه". وقال السدي : "إن هاروت وماروت طعنا في بني آدم وأحكامهم. فقيل لهما: إني أعطيت بني آدم عشراً من الشهوات فيها يعصون. فقالا: لو أعطينا تلك الشهوات ونزلنا لحكمنا بالعدل. فأعطيا ذلك، ونزلا ببابل. فكانا يحكمان إلى المساء، ثم يصعدان، فإذا أصبحا نزلا. فأتتهما امرأة تخاصم زوجها فأعجبهما حسنها [فكلماها في نفسها]، فقالت: لا، حتى تقضيا لي على زوجي، فحكما لها عليه، ووعدتهما قرية خربة فأتياها. فلما أرادا منها الحاجة، قالت: لا، حتى تخبراني بأي كلام تصعدان إلى السماء، وبأي كلام تنزلان، فأخبراها، [فتكلمت فصعدت وأنساها الله] الاسم الذي تنزل به، فبقيت مكانها وجعلها الله تعالى كوكباً وهي الزهرة. فخُيرا بين عذاب الدنيا وعذاب الآخرة، فاختارا عذاب الدنيا". وكان ابن عمر يلعن الزهرة. رواه نافع عنه. وكل هذه الأخبار تدل على أن "ما" في قوله: ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾ ليست بنفي. وروى ابن وهب أن خالد بن أبي عمران ذُكر عنده هاروت وماروت أنهما يعلمان السحر، فقال: "ننزههما عن هذا". فقرأ بعض القوم ﴿وَمَآ أُنْزِلَ عَلَى ٱلْمَلَكَيْنِ﴾ فقال خالد: لم ينزل عليهما. وقرأ الحسن "المَلِكَيْنِ "بكسر اللام، وقال: "هاروت وماروت علجان من أهل بابل، وكذلك قرأه عبد الرحمن بن أبزى، لكنه قال: "هما داود وسليمان". قال السدي: "إذا أتى الملكين أَحَدٌ يتعلم السحر يقولان له: "لا تكفر إنما نحن فتنة". فإذا أبى قالا له: "إئت هذا الرماد فبل فيه. فإذا بال عليه خرج منه نور ساطع فيسطع حتى يدخل السماء، فذلك الإيمان. ثم أقبل شيء أسود كهيئة الدخان حتى يدخل في مسامعه فذلك غضب الله. فإذا أخبرهما بما رأى وبما فعل علماه". ومعنى ﴿إِنَّمَا نَحْنُ [فِتْنَةٌ]﴾: أي اختبار وابتلاء. وروي أن الله جل ذكره أخذ على هاروت وماروت الميثاق ألا [يعلما أحداً] السحر حتى يقولا له: "إنما نحن فتنة فلا تكفر بفعل السحر". وهذا يدل على قتل الساحر إذا سحر وظفر به من غير استتابة، لأنه شيء يخفيه فلا يُعلم بصحة توبته منه لو تاب. ويقال: إنهم كانا يعلمان من السحر ما يفرق به بين الزوجين خاصة كما ذكر الله. * * * وقوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾. أي: بعلمه وقضائه لا بأمره لأن الله سبحانه لا يأمر بالفحشاء، فلا تقع الفحشاء من فاعلها، إلا بعلم الله وقضائه وقدره. هذا مذهب أهل السنة والجماعة. وتعليمهم السحر هو فتنة أختبر بها الخلق. وقيل: هو تعليم إنذار منه وتحذير منه، لا تعليم دعاء له ورغبة في العمل به. * * * قوله: ﴿إِلاَّ بِإِذْنِ ٱللَّهِ﴾. أي: بقضائه المتقدم أنهم يفعلونه ويضرون به. وقيل: معناه بعلم الله. * * * وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ﴾. * * * قوله: ﴿لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾. أي: لمن استحبه وقبله وعمل به، ما له في الآخرة من خلاق. أي: علمت يهود في التوراة أن من اشترى السحر ما له في الآخرة من خلاق. أي: من نصيب وحظ. وقيل: من دين. وقيل: من قوام. وقيل: إن (علموا) يراد به الشياطين لأنه لو رد إلى اليهود لكان قوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾ نفى عنهم العلم، وقد أخبر أنهم علموا. وقيل: علموا هو للمَلَكَين لأنهم يقولون: لا تكفر، فقد علموا أنه لا خلاق لمن اشتراه في الآخرة، وثُني كما يقال: "الزَّيدان قاموا". وقال الزجاج: "علموا": هم علماء اليهود". * * * وقوله: ﴿لَوْ كَانُواْ يَعْلَمُونَ﴾. قيل لهم ذلك لأنهم صاروا في محل من لا علم عنده إذ لم ينتفعوا بعلمهم، فصاروا بمنزلة الجاهل بهذا الأمر، فنفى عنهم العلم بعد أن أخبر أنهم علموا من أجل ذلك. وهذا مشابه لقوله: ﴿صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ﴾ [البقرة: ١٨] لأنهم لما لم ينتفعوا بهذه الأعضاء كانوا بمنزلة من عَدِمَها، فوصفوا بذلك وهم غير صم ولا بكم ولا عمي. ﴿وَشَرَوْاْ﴾ هنا بمعنى باعوا. وتقدير الكلام عند الطبري: وما هم بضارين به من أحد إلا بإذن الله، ويتعلمون ما يضرهم ولا ينفعهم، ولبئس ما شروا به أنفسهم لو كانوا يعلمون"، أي: يَعْلَمون أنه يضرهم في الآخرة ولا ينفعهم. يريد به الذين يتعلمون السحر للتفريق بين المرء وزوجه. * * * ثم قال: ﴿وَلَقَدْ عَلِمُواْ لَمَنِ ٱشْتَرَاهُ﴾. يريد به علماء اليهود. فإيجاب العلم لعلماء اليهود ونفيه هو عن الذين يتعلمونه للتفريق. وقتل الساحر عند مالك واجب بهذه الآية إذا سحر بنفسه لأنه كفر لقوله تعالى: ﴿فَلاَ تَكْفُرْ﴾. والكافر إذا ستر كفره [قتل إلا أن] يأتي قبل أن يُعرف به، فيخبر بما كان سَتَر، فإن توبته تقبل. ومثله الزنديق عند مالك يقتل إذا قدر عليه ولا يستتاب. فإن أَظْهَره قبل أن يُظهر عليه استتيب، فإن تاب وإلا قتل. وهو والزنديق سواء. والزنديق هو الذي يظهر الإسلام ويُسِر الكفر، فلا تقبل توبته لأنا لا ندري ما في ضميره، وقد قال تعالى: ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ [غافر: ٨٥]. فلا تنفع الساحر، [و] الزنديق توبتهما إذا ظفر بهما، وتنفعهما إذا أتيا قبل أن يُقدر عليهما، كما كان هؤلاء تنفعهم توبتهم قبل إتيان العذاب، ولا ينفعهم ذلك عند رؤية العذاب. وهو قول عثمان بن عفان، وابن عمر، وحفصة، وجماعة من الصحابة والتابعين. ولا يقتل ساحر أهل الكتاب عند مالك، ولكن يعاقب إلا أن يقتل بسحره فيقتل أو يُحدِث حَدثاً فيؤخذ منه بقدر ذلك. وروى ابن وهب عن مالك أنه قال: "لا يقتل ساحر أهل العهد إلا أن يدخل بسحره ضرراً لم يعاهد عليه على مسلم". وكذلك روى ابن القاسم: قال مالك في المرأة تعقد زوجها عن نفسها أو عن غيرها. قال: "ينكل بها ولا تقتل". وقال الشافعي: "لا يقتل الساحر ولكن يسأل عن سحره، فإن كان كفراً استتيب منه، فإن تاب وإلا قتل، وكان ماله فيئاً".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.