الباحث القرآني

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَآ أَنزَلَ ٱللَّهُ مِنَ ٱلْكِتَابِ﴾. [إلى قوله: ﴿ٱلْمُتَّقُونَ﴾. هذه الآية عند قتادة وغيره نزلت في أهل الكتاب. كتموا ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من أمر محمد ﷺ. قال ابن عباس: "هم اليهود كتموا اسم محمد ﷺ وأخذوا عليه طمعاً قليلاً". وهو قول السدي والربيع. وقال عكرمة في هذه الآية وفي قوله: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧]: نزلت جميعاً في يهود". قال ابن مسعود: "قال النبي ﷺ: "مَنْ حَلَفَ عَلَى يَمِينٍ يَقْطَعُ بِها مالاً لَقِيَ اللهَ، وهُوَ عَلَيْهِ غَضْبانٌ". وتصديقه في كتاب الله عز وجل: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ ٱللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾. * * * ومعنى ﴿يَشْتَرُونَ﴾ يبتاعون به. والهاء في: "به" تعود على الكتمان، أي: وابتاعوا بكتمانهم ما أنزل الله عز وجل في كتابهم من ذكر محمد ﷺ. ﴿ثَمَناً قَلِيلاً﴾: أي: أخذوا عليه طمعاً قليلاً، أي: أخذوا الرشوة وكتموا ما أنزل الله عز وجل وبدلوه وحرفوه. * * * ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ مَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ إِلاَّ ٱلنَّارَ﴾. أي: ما يأكلون في بطونهم من الرشا إلا ما يؤديهم إلى النار، ومثله: ﴿إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً﴾ [النساء: ١٠] أي: ما يوردهم النار. فاستغنى في الآيتين بذكر النار لفهم السامعين المعنى لأنه لما كان ما يأكلون من الطيبات بالرشا يوردهم النار كانوا كأنهم يأكلون النار. وإنما قال ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾، وقد علم أن الأكل لا يكون إلا في البطن لأن العرب تقول: "جُعْتُ فِي غَيْرِ بَطْنِي" و "شَبِعْتُ في غَيْرِ بَطْنِي". فقيل في الآية: ﴿فِي بُطُونِهِمْ﴾ للفرق والتأكيد. * * * وقوله: ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ ٱللَّهُ يَوْمَ ٱلْقِيَامَةِ﴾. أي: لا يكلمهم بما يحبون ولا بما يشتهون، ويكلمهم بما يكرهون لأنه قد أخبر بأنه يقول لهم ﴿قَالَ ٱخْسَئُواْ فِيهَا وَلاَ تُكَلِّمُونِ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] وقيل: معنى ﴿وَلاَ يُكَلِّمُهُمُ﴾: يغضب عليهم. يقال: "فُلانٌ لا يُكَلِّمُ فُلاناً" إذا غضب عليه. وقيل: المعنى: لا يسمعهم كلامه لأن الأبرار يسمعون كلامه. وقيل: معناه: لا يرسل لهم الملائكة بالتحية. * * * وقوله: ﴿وَلاَ يُزَكِّيهِمْ﴾: أي لا يطهرهم من دنس ذنوبهم وكفرهم. ﴿وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ﴾: أي موجع. * * * ثم قال تعالى: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ ٱشْتَرَوُاْ ٱلضَّلاَلَةَ بِٱلْهُدَىٰ﴾. أي: أولئك الذين أخذوا الضلالة، وتركوا الهدى، وأخذوا ما يوجب لهم عذاب الله يوم القيامة، وتركوا ما يوجب لهم عفوه. فاستغنى بذكر العذاب والمغفرة عن ذكر السبب الذي يوجبهما لفهم سامعي ذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَمَآ أَصْبَرَهُمْ عَلَى ٱلنَّارِ﴾. قال ابن عباس: "معناه: ما الذي صبرهم على النار". وقال أبو عبيدة: "معناه: ما الذي أصبرهم على النار، ودعاهم إليها، وليس بتعجب". وهو قول السدي. فَـ "ما" استفهام في القولين جميعاً. وقال مجاهد والحسن وقتادة: "هو تعجب". ومعنى التعجب في هذا أن الله جل ذكره يعجب خلقه منهم، ومن جرأتهم على عمل يوردهم النار. وقال مجاهد: "معناه: ما أعملهم بأعمال أهل النار". أي: ما أشد جرأتهم على عمل يوجب لهم النار. وقيل: معناه: ما أبقاهم في عذاب الله. وقيل: معناه: ما أصبرهم على الأعمال التي توجب لهم النار. * * * ثم قال تعالى: ﴿ذَلِكَ بِأَنَّ ٱللَّهَ نَزَّلَ ٱلْكِتَابَ بِٱلْحَقِّ﴾. أي: بالواجب. وحيثما ذكر الحق فمعناه الواجب. أي: ذلك فعلهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. وقيل: المعنى: ذلك العذاب المذكور لهم، لأن الله نزل الكتاب بالحق. فَـ "ذلك" في موضع رفع في القولين. وقيل: المعنى: فعلنا ذلك لأن الله نزل الكتاب بالحق، فكفروا به، فـَ "ذَلِكَ" في موضع نصب في هذا القول. * * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱلَّذِينَ ٱخْتَلَفُواْ فِي ٱلْكِتَابِ لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾. يعني به اليهود والنصارى؛ اختلفوا في الكتاب فكفرت اليهود بما قص الله فيه من قصص عيسى ﷺ وأمه، وصدقت النصارى ببعض ذلك. [و] كفروا جميعاً بما أنزل الله فيه من الأمر بتصديق محمد ﷺ. والمعنى: [وإنهم لفي] منازعة ومباعدة للحق، بعيدة مِنَ الصواب والرشد. قال السدي: "﴿لَفِي شِقَاقٍ بَعِيدٍ﴾: لفي عداوة بعيدة". * * * ثم قال تعالى: ﴿لَّيْسَ ٱلْبِرَّ أَن تُوَلُّواْ وُجُوهَكُمْ قِبَلَ ٱلْمَشْرِقِ وَٱلْمَغْرِبِ﴾. أي: ليس البر الصلاة وحدها، ولكن البر الجمع لفعل هذه الخلال المذكورة بعده. قال ابن عباس: "هذا حين نزلت الفرائض وحدت الحدود". وقاله الضحاك وغيره. وهو اختيار الطبري، وهو قول الربيع بن أنس. وقال قتادة: "كانت اليهود تصلي قبل المغرب، والنصارى تصلي قبل المشرق، فأعلموا أن البر ليس هو كله ما يصنعون، ولكن البر عمل هذه الخصال التي بيَّنها بعد". وقد قيل: إن هذه الآية خصوص في الأنبياء وحدهم صلوات الله عليهم، لأن هذه الأشياء التي وصفت في الآية لا يؤديها بكليتها على حق الواجب فيها إلا الأنبياء صلوات الله عليهم، ولكن الله قد أمر جميع الخلق بالعمل بجميع ما فيها. * * * وقوله: ﴿وَآتَى ٱلْمَالَ عَلَىٰ حُبِّهِ﴾. أي: على محبته إياه وشحه عليه. فالهاء في "حبه" تعود على المؤمن، أي: على حبه إياه، يعني المال. وقيل: هي راجعة على المال، أي: على حب الرجل المال. فأضيف الحب إلى المال فهو المفعول به. كما تقول: "أَعجبني أكلُ الخبز وشربُ الماء"، أي: أكلُ الرجلِ الخبزَ وشربُ الرجلِ الماءَ. وقيل: الهاء ترجع على الإيتاء، ودل عليه: "وَآتَى"، والتقدير: على حب الإيتاء أي: على حب الرجل الإيتاء. وقيل: الهاء تعود على المؤمن، وتنصب "ذَوِي الْقُرْبَى" في هذا الوجه بالحب، أي: على حب المؤمن ذوي القربى. وتنصب "ذَوِي" في الوجوه المتقدمة بـ "آتَى". وقيل: الهاء ترجع على الله جل ذكره؛ أي: على حُبِّ الله"، وتنصب ذوي بـ "آتَى". قال ابن مسعود: "هُوَ أنْ يُؤْتِيَهُ وَهُوَ صَحيحٌ شَحِيحٌ يَأْمَلُ العَيْشَ وَيَخَافُ الْفَقْرَ". ورواه ابن مسعود عن النبي [عليه السلام]. وروي عنه ﷺ أنه قال: "فِي المالِ حَقٌّ سِوَى الزَّكاةِ". وتلا هذه الآية. قوله تعالى: ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾: أي ذوي الأرحام. وسئل النبي [عليه السلام] عن أفضل الصدقة فقال: "جُهْدُ المُقِلِّ عَلَى ذِي القَرَابَةِ الكاشِحِ وقوله: ﴿وَٱبْنَ ٱلسَّبِيلِ﴾. قال قتادة: "هو الضيف". وقيل: "هو المسلم يمر عليك من بلد إلى بلد". قاله مجاهد وقتادة. وقيل للمسافر: "ابن السبيل"، لملازمته السبيل وهي الطريق، كما يقال لطير الماء: ابن الماء لملازمته الماء. ويقال للرجل الذي أتت عليه الدهور: هو ابن الأيام والليالي. وعلى هذا يُتأول حديث النبي [عليه السلام] في قوله: "لا يَدْخُلْ الجَنَّةَ وَلَدُ زِنا"، معناه اللازم للزنا، جعل ابن زنا لملازمته له، كما قيل: ابن السبيل، وابن ماء، وابن الأيام. * * * وقوله: ﴿وَٱلسَّآئِلِينَ﴾. يعني به المعترضين الطالبين للصدقة. * * * وقوله: ﴿وَفِي ٱلرِّقَابِ﴾. يعني: يعان به المكاتبون الذين يسعون في فك رقابهم من العبودية. * * * وقوله: ﴿وَأَقَامَ ٱلصَّلاةَ﴾. أي: أدام العمل بها بحدودها في أوقاتها. * * * قوله: ﴿وَآتَى ٱلزَّكَاةَ﴾. أي أعطاها على ما فرضها الله تعالى عليه. * * * وقوله: ﴿وَٱلْمُوفُونَ بِعَهْدِهِمْ إِذَا عَاهَدُواْ﴾. رفعت ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾، أي: "ولكن البارُّ من آمن" على قراءة من خفف أو شدد. وبعده: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ هو نصب على المدح. وقيل: ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ رفع على إضمار مبتدأ "وهم الموفون"، تجعله مدحاً للمضمرين داخلاً في صلة "من". وتنصب "الصابرينَ" على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾ أو على "أعني". وأجاز الكسائي رفع ﴿ٱلْمُوفُونَ﴾ على العطف على "مَنْ" في قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ ٱلْبِرَّ مَنْ آمَنَ﴾ على ما تقدم. وتنصب ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ على العطف على ﴿ذَوِي ٱلْقُرْبَىٰ﴾. وهو خطأ لأنه يفرق بين الصلة والموصول، فيعطف على الموصول، ثم يعطف بعده على ما في الصلة، فيفرق بين الصلة وهي: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ﴾ والموصول وهو: "مَنْ"، بـِ "المُوفُونَ": وليس بداخل في الصلة. إنما هو معطوف على الموصول. وقيل: إن "المُوفُونَ" عطف على المضمر في "آمَنَ"، و "الصَّابِرِينَ" عطف على "ذَوِي القُرْبَى" أو على "أَعْنِي" على المدح. وقيل: إن "الصَّابِرِينَ" عطف على "السَّائِلِينَ"، ومعنى الكلام: والذين لا ينقضون عهد [الله] بعد المعاهدة، ولكن يوفون به. * * * وقوله: ﴿وَٱلصَّابِرِينَ فِي ٱلْبَأْسَآءِ وٱلضَّرَّآءِ﴾. أصل الصبر الحبس عن الشيء. فالمعنى: والحابسين أنفسهم عن ما يكرهه الله عز وجل في البأساء وفي الفقر، والضراء وهي السقم. قاله ابن مسعود. وعنه: "أن البأساء: الجوع، والضراء: المرض". وعنه: "البأساء: الحاجة". وقال قتادة: "كنا نحدث أن البأساء: البؤس والفقر، والضراء: السقم" وهو قول الربيع. وقال قتادة أيضاً: "البأساء: البؤس، والضراء: الزمانة في الجسد". قال الضحاك: "البأساء: الفقر، والضراء: المرض". * * * وقوله: ﴿وَحِينَ ٱلْبَأْسِ﴾. قال ابن مسعود: "وحين القتال". والضُّراء - بالضم - في اللغة الزمانة والمرض. والضَّراء بالفتح ضد النفع. و "البأْساءُ" و "الضَّرَّاءُ" جاءا على "فَعْلاءَ" وليس لهما "أفْعَلُ" لأنه اسم وليس بصفة، كما جاء "أَفْعَلُ" في الكلام وليس له "فَعْلاءُ" نحو "أَحْمَدَ". وقد قالوا في الصفة: "أَفعَلَ"، ولم يأت منه "فَعْلاءُ"؛ قالوا: "أنْتَ مِنْ ذَلِكَ أوْجَلُ"، ولم يقولوا: "وَجْلاءَ". وقد قيل: البأساء والضراء اسمان للفعل بمعنى المصدر، فهما بمعنى البؤس والضر، يقعان "لمؤنث ولمذكر". * * * ثم قال: ﴿أُولَـٰئِكَ ٱلَّذِينَ صَدَقُواْ﴾. أي: صدقوا الله في إيمانهم به وحققوا قولهم بفعلهم، لا مَن ولى وجهه قِبَل المشرق والمغرب وهو يخالف أمره ويكتم وحيه ويُكذِّب رسله. * * * ثم قال: ﴿وَأُولَـٰئِكَ هُمُ ٱلْمُتَّقُونَ﴾. أي هم الذين اتقوا عقاب الله، فتجنبوا معاصيه، ولم يتعدوا حدوده.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب