الباحث القرآني

قوله: ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ ٱلَّذِيۤ أُنْزِلَ فِيهِ ٱلْقُرْآنُ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: المفترض عليكم شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن إلى سماء الدنيا وذلك ليلة أنزل الله جل ذكره القرآن من اللوح المحفوظ جملة إلى سماء الدنيا، ثم نزل بعد ذلك نجوماً على ما شاء الله. كذلك أتت الرواية عن النبي [عليه السلام]. قال ابن عباس: "أنزل الله القرآن جملة من الذكر في ليلة أربع وعشرين من شهر رمضان فجعل في بيت العزة". وروى واثلة عن النبي ﷺ أنه قال: "نَزَلَتْ صُحُفُ إِبْرَاهِيمَ أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ، وَنَزَلَتْ التَّوْرَاةُ لِسِتٍ مَضَيْنَ مِنْ رَمَضَانَ. [وَنَزَلَ الإِنْجِيلُ لِثَلاَثِ عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْهُ. وَنَزَلَ الزَّبُورْ لِثَمَانِي عَشْرَةَ لَيْلَةً خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ. وَنَزَلَ القُرْآنُ لأَرْبَعٍ وَعِشْرِينَ مِنْ رَمَضَانَ]. وَكَانَ بَيْنَ نُزُولِ أَوَّلِ الْقُرْآنِ وآخِرِهِ عِشْرُونَ سَنَةً وقيل: معناه شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن بفرضه على الناس. فأما إعرابه على هذا المعنى، فيكون فيه معدّى إليه الفعل بحرف جر، لا ظرفاً. وعلى القول الأول، يكون فيه ظرفاً للنزول. وروى جابر بن عبد الله أن النبي [عليه السلام] قال:"أَنْزَلَ الله أَوَّلَ لَيْلَةٍ مِنْ رَمَضَانَ صُحُفَ [إبْرَاهِيمَ، وأنْزَلَ التَّوْراةَ عَلَى مُوسَى] لِسِتٍّ خَلَوْنَ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الزَّبورَ عَلَى داوُدَ لاثْنَتَيْ عَشْرَةَ لَيْلَةٍ خَلَتْ مِنْ رَمَضَانَ، وَأَنْزَلَ الإنْجِيلَ عَلى عِيسَى لِثمَانِي عَشْرَةَ ليلةً خَلَتْ مِنْ رَمَضانَ، وأنزل القرآن لأربع وعشرين [ليلة خلت من رمضان وأكثر الناس على أن القرآن أنزل] ليلة القدر من رمضان، والله أعلم أي ليلة كانت، وذلك كله إلى سماء الدنيا، ثم نزل متفرقاً على ما ذكرنا. فأما إعراب ﴿شَهْرُ رَمَضَانَ﴾؛ فيجوز أن يكون "شَهْرُ" رفع بالابتداء، و (الَّذِي أُنْزِلَ) الخبر. ويجوز أن يكون التقدير: الأيام التي تصام شهر رمضان وشبهه. وقرأ مجاهد وشهر بن حوشب: "شَهْرَ." بالنصب. ورويت عن عاصم ونصبه عند البصريين على الإغراء، وعند الكوفيين بالصيام، وهو قبيح للتفرقة بين الصلة والموصول. وإنما سمي الشهر شهراً لشهرته ودخوله وخروجه، ومنه "شَهَرَ فُلانٌ سَيْفَهُ" إذا أخرجه من غمده. فمن قال: "شَهْرُ رمضان" قال في التثنية "شهرَا رمضان" وفي الجمع "أَشْهُرَ رمضان"، و "شَهْرَات رمضان". ومن قال: "رمضان" بغير شهر قال في الجميع "رَمَضَاناتٍ". وحكى الكوفيون "رماضين"، وحكوا "أَرْمِضَة"، وحكي "رُمَاضٌ". ولم ينصرف لأن فيه ألفا ونوناً زائدتان، وهو معرفة. قال قطرب: "سمي رمضان رمضان لأنهم كانوا يصومونه في الحر. فهو مشتق من الرمضاء، والرمضاء الرمل الحامي من الشمس". وكره مجاهد أن يقال رمضان للشهر، ولا يقال إلا "شهر رمضان"، كما قال الله. وقال: "لعل رمضان اسم من أسماء الله". وقاله عطاء. وقد أتت الآثار عن النبي عليه السلام بذكر رمضان من غير لفظ شهر. روى مالك أن ابن عباس قال: "إن رسول الله ذكر رمضان، فقال: "لا تَصُومُوا حَتَى تَرَوُا الهِلالَ وقال أنس بن مالك: "سافرنا مع رسول الله [عليه السلام] في رمضان كثيراً". وإنما سمي القرآن قرآناً لأنه يجمع السور الكثيرة من قولهم: "قَرَاْتُ الماءَ في الإناءِ"، أي جمعته وضممته. وقيل: إنما سمي بذلك لأنهم يقولون: "قَرَأَتِ المَرْأَةُ"، و "قرأت" إذا حاضت وإذا ولدت، فكأنها تظهر شيئاً كان مستوراً. والقارئ إذا أظهر شيئاً وبيَّنه، فهو من إظهار الشي وتبيينه. * * * وقوله: ﴿هُدًى لِّلنَّاسِ﴾. أي رشاد للناس إلى طريق النجاة. * * * وقوله: ﴿وَبَيِّنَاتٍ مِّنَ ٱلْهُدَىٰ وَٱلْفُرْقَانِ﴾. أي: والقرآن أيضاً آيات واضحات من الرشاد، والفرق بين الحق والباطل. * * * ثم قال: ﴿فَمَن شَهِدَ مِنكُمُ ٱلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ﴾. أي فمن شهد منكم الشهر في المصر وهو صحيح فليصمه. و "شَهِدَ" بمعنى "حضر". ومن كان مريضاً في المصر أو على سفر، فليفطر إن شاء، وعليه عدة من أيام أخر. وقيل: المعنى: فمن دخل عليه الشهر وهو مقيم في المصر لزمه الصوم [سافر بعد ذلك أو أقام]. رواه الضحاك عن ابن عباس قال: "إذا شهدت أوله في المصر فصم وإن سافرت". وكذلك قال السدي. ورواه أيضاً قتادة عن علي رضي الله عنه، وقاله عبيدة. وروي أيضاً عن عائشة رضي الله عنها. وعلى القول الأول كل العلماء: إن للمسافر الإفطار، وإن أخذه أول الشهر في المصر، ولا يجزي صيام إلا بتبييت قبل الفجر. ومذهب [مالك أنه إذا بيت الصيام] في أول الشهر أجزأه عن أن يبيته في كل ليلة من بقية الشهر. وقال الشافعي وأحمد بن حنبل: "لا بد من تبييت الصوم في كل ليلة" وثبت عن حفصة أنها قالت: "لا صِيَامَ لِمَنْ لَمْ يُجْمِع الصِّيامَ قَبْلَ الفَجْرِ"وأسندته إلى النبي [عليه السلام]. * * * ثم قال تعالى: ﴿[وَمَن كَانَ] مَرِيضاً﴾. أي مريضاً بمرض يشق عليه الصوم ويشتد عليه أفطر، وكذلك المسافر، لهما أن يفطرا ويقضيا جميعاً، ولا إطعام عليهما. ومن أكل أو شرب ناسياً في رمضان فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول مالك وربيعة بن عبد الرحمن وأهل المدينة. وعن علي وأبي هريرة وابن عمر أنه: "لا قضاء عليه". و [به] قال عطاء وطاوس والنخعي والثوري والأوزاعي وابن أبي ذيب والشافعي وأحمد بن حنبل وأبو ثور وأصحاب الرأي. ومن وطىء نهاراً في رمضان ناسياً فعليه القضاء عند مالك ولا كفارة عليه، وهو قول عطاء والليث بن سعد والأوزاعي. وقال مجاهد والحسن والثوري والشافعي وإسحاق وأبو ثور وأصحاب الرأي: "لا قضاء عليه ولا كفارة". وقال أحمد بن حنبل: "عليه القضاء والكفارة". وأجمعوا على أن من أكل ناسياً فظن أن ذلك قد فطره فجامع عامداً أن عليه القضاء ولا كفارة عليه. ومن أكل أو شرب عامداً في نهار رمضان فعليه القضاء والكفارة كالمجامع عامداً. وهو قول مالك والزهري، وبه قال الحسن وعطاء. وهو قول الثوري والأوزاعي وأبي ثور وإسحاق وأصحاب الرأي. وقال ابن المسيب: "عليه صوم شهر". وقال ربيعة بن أبي عبد الرحمن: "عليه صوم اثني عشر يوماً على عدة الشهور". وعن عطاء أنه "لا قضاء عليه، وعليه تحرير رقبة، فإن لم يجد فبدنة، أو بقرة، أو عشرون صاعاً طعاماً للمساكين". وعن النخعي أن "عليه ثلاثة آلاف يوم". وعن ابن عباس أن "عليه عتق رقبة، أو صوم شهر، أو إطعام ثلاثين مسكيناً". وروي عن علي رضي الله عنه أنه قال: "مَن أفطر يوماً في رمضان متعمداً لم يقضه أبداً طول الدهر". وروي ذلك عن ابن مسعود. وعن الزهري أيضاً أنه قال: "إن كان فعل ذلك ابتداعاً لدين غير الإسلام، ضربت عنقه، وإن كان فعل ذلك فسقاً جلد". ومن استقاء فقاء، فعليه القضاء ولا كفارة عليه. وهو قول علي بن أبي طالب وزيد بن أرقم، وابن عمر وعلقمة، وهو قول الزهري ومالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. وقال عطاء وأبو ثور: "عليه الكفارة مع القضاء". فإن دَرعه القيء فقاء فلا شيء عليه عند الجميع. * * * ثم قال: ﴿يُرِيدُ ٱللَّهُ بِكُمُ ٱلْيُسْرَ وَلاَ يُرِيدُ بِكُمُ ٱلْعُسْرَ﴾. أي يرخص الله عليكم إرادة التيسير، ولا يريد بكم العسر في دينكم. * * * ثم قال: ﴿وَلِتُكْمِلُواْ ٱلْعِدَّةَ﴾: أي تكملوا عدة ما أفطرتم فتقضوه في أيام أخر. * * * ثم قال: ﴿وَلِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾. قال ابن عباس: "حق على المسلمين أن يكبروا إذا نظروا إلى هلال شوال". وقيل: هو التكبير في العيد عند الغدو إلى المصلى. قاله علي بن أبي طالب، وزيد بن أسلم. وكذلك كان النبي [عليه السلام] يفعل إذا خرج إلى المصلى. فهو سنة عند الزهري وغيره. يقول الرجل: الله أكبر، الله أكبر، الله أكبر. * * * ثم قال: ﴿وَلَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي [تشكرون على تسهيله عليكم وهدايته] لكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب