الباحث القرآني

قوله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾. أمر الحمس وهم قريش أن يفيضوا من حيث أفاض جميع الناس لأنهم كانوا لا يقفون مع الناس بعرفة افتخاراً وتعالياً، ويقولون: نحن أهل الحرم، فلا نخرج منه إلى عرفات. فأمروا أن يقفوا مع الناس. ويفيضوا من حيث أفاض الناس أي من عرفة. قالت عائشة رضي الله عنها: "كانت قريش ومَن دانها يقفون بالمزدلفة، ويقف الناس بعرفة فأمروا أن يقفوا مع الناس". وقال الضحاك: "معنى الآية: أن الله تعالى أمر جميع الناس أن يفيضوا من حيث أفاض الناس قبلهم". والناس هم إبراهيم ﷺ ومن كان معه وذلك من جمع. وتقدير ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾: ثم أمرهم بذلك على معنى التأكيد لما أمر الله به أوّلاً، لأنه تعالى قد ذكر المشعر والإفاضة من عرفات قبل ذلك ثم قال: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾. فإن كان عرفات فليس الإفاضة من عرفات بعد الذكر في المشعر الحرام، فالمعنى هو التأكيد لا أنه اتباع حكم لحكم تقدم. وروي أن قريشاً كانت قد ابتدعت أشياء منها أنهم امتنعوا أن يَقِفُوا بعرفات لأجل أنها في الحل، فقالوا: لا ينبغي لنا أن نعظم إلا الحُرُم، فكانوا وحلفاؤهم يقفون يوم عرفة بمزدلفة، ويقف سائر العرب بعرفات وسموا أنفسهم ومَن وَالاَهم على ذلك الحمس، وابتدعوا ألا يأتقطوا الأقِط ولا يسألوا السمن وهم محرمون، ولا يدخلوا بيتاً من شعر وهم حرم، ولا يستظلوا وهم حرم إلا في بيوت الأُدْم، ولا يأكلوا وهم حرم من طعام جيء به من الحل، وابتدعوا ألا [يطوف القادم إلى البيت إلا في ثياب] الحمس، فإن لم يجد ذلك طاف عرياناً. فإذا تم طوافه أخذ ثيابه، فإن طاف أَحَدٌ بثيابه ألقاها إذا فرغ من طوافه، فلا يأخذها أبداً هو ولا غيره. وكانت العرب تسمي تلك الثياب اللُّقَى، وسمحوا للمرأة أن تدع عليها درعها. فلم يزل الأمر كذلك حتى بعث الله محمداً ﷺ فأنزل الله: ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ﴾. يعني قريشاً إذ كانت تفيض من مزدلفة. وقيل: يعني سائر العرب، إذ كانوا يفيضون من عرفات، فيكون في الكلام على هذا القول تقديم وتأخير، وفي ذلك أنزل: ﴿يَابَنِيۤ ءَادَمَ خُذُواْ زِينَتَكُمْ عِندَ كُلِّ مَسْجِدٍ وكُلُواْ وَٱشْرَبُواْ﴾ [الأعراف: ٣١] فأباح لهم ما حرموا على أنفسهم من لبس الثياب، والطعام والشراب. وقد قيل: إن "ثُمَّ" بمعنى الواو في هذا. فأما المعنى على قول الضحاك: فثم على بابها، لأنه يقول: أمرهم أن يفيضوا من جمع، والإفاضة من جمع لا شك أنها بعد الوقوف بمزدلفة وبعد الإفاضة من عرفات. وقد قال الطبري: "إن من قال: إنه عرفات، ففي الكلام تقديم وتأخير، وتقدير. ومعناه: ﴿فَمَن فَرَضَ فِيهِنَّ ٱلْحَجَّ فَلاَ رَفَثَ وَلاَ فُسُوقَ وَلاَ جِدَالَ فِي ٱلْحَجِّ﴾ [البقرة: ١٩٧]، ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ مِنْ حَيْثُ أَفَاضَ ٱلنَّاسُ وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ إِنَّ ٱللَّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾، ﴿وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ ٱللَّهُ﴾ [البقرة: ١٩٧]، قال: "ولولا الإجماع من أهل التأويل على أن المراد بقوله ﴿ثُمَّ أَفِيضُواْ﴾ من عرفات، لكان قول الضحاك هو الوجه البين؛ إن المراد به "جمع" لأنه على ترتيب الكلام وسياقه ولا تقديم فيه ولا تأخير". ويدل على أن المراد به "جمع"، قوله: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ﴾ وذلك أن النبي [عليه السلام] قال: "دَعَوْتُ اللهَ أَنْ يَغْفِرَ لأُمَّتِي ذُنُوبَهَا، فَأجَابَنِي: أَنِّي قَدْ غَفََرْتُ إِلاَّ ذُنُوبَهَا فيمَا بَيْنَهَا وَبَيْنَ خَلْقِي، فَأعْدَتُ الدُّعَاءَ يَوْمَئِذٍ، فَلَمْ أُجَبْ شَيْئاً، فَلَمَّا كَانَ يَوْمُ المُزْدَلِفَةِ قُلْتُ: يَا رَبّ، إنَّكَ قَادِرٌ أَنْ تُعَوِّضَ هَذَا الْمَظْلُوم مِنْ ظلاَمَتِهِ، وَتَغْفِرَ لِهَذَا الظَّالِمَ، فَأَجَابَنِي أَنِي قَدْ غَفَرْتُ، فَضَحِكَ رَسُولُ اللهِ ﷺ فَسُئِلَ عَنْ ذَلِكَ، فَقَالَ: ضَحِكْتُ مِنْ عَدُوِّ اللهِ إِبْلِيسَ لَمَّا سَمِعَ مَا سَمِعَ، أَهْوَى يَدْعُو بِالْوَيْلِ وَالثُّبُورِ وَيَضَعُ التُّرَابَ عَلَىَ رَأْسِهِ". فأمر المسلمون أن يستغفروا في ذلك الموضع الذي غفر الله [لهم فيه] التبعات فيما بينهم وهي أعظم من التبعات فيما بينهم وبين الله. ومعنى: ﴿وَٱسْتَغْفِرُواْ ٱللَّهَ﴾. استدعوا المغفرة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.