الباحث القرآني

قوله: ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ﴾ الآية. أي يبيع نفسه من أجل مرضاة الله، ونزلت في المهاجرين والأنصار المجاهدين منهم. وقال عكرمة: "نزلت في صهيب بن سنان وأبي ذر الغفاري وهو جندب ابن السكن خرجوا مهاجرين وطلبهم أهلوهم، فأما أبو ذر فانفلت منهم، وأما صهيب فأخذه أهله، وافتدى بأهله وماله من مولاه وكان مملوكاً لزيد بن جدعان. وروي أنه كان يعرف بالرومي وأصله من العرب، وإنما سمي بذلك لأنه سبي وهو صغير، فسار إلى الشام، فتغير لسانه ثم صار مملوكاً لزيد بن جدعان، فلما أمر النبي [عليه السلام] بالهجرة آمن وافتدى من مولاه بماله كله، وخلى سبيله ، فخرجت بنو تميم في طلبه، فلما أدركوه أخذ قوسه وخوفهم من قبله، وتواعدهم، فخافوا رميه ونبله وكان رامياً مجوداً فرجعوا وتركوه، فلما وصل المدينة قال له عمر: "ربح بيعك لا تقيل ولا تقال". وشهد بدراً، ففيه نزلت ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ مَن يَشْرِي نَفْسَهُ ٱبْتِغَآءَ﴾ الآية. فيشري على هذا القول بمعنى يشتري، وعلى القول الأول بمعنى "يبيع". وقال الربيع: "نزلت في رجل منع الخروج إلى النبي [ﷺ] فافتدى منهم بداره وماله، وخلوه فخرج إلى النبي عليه السلام فلقيه عمر في رجال فقال: ربح بيعك، قال: وبيعك، فلا خَسِر، فما ذاك؟ قال له: أنزل فيك كذا وكذا". وقيل: نزلت الآية في رجل مسلم حمل على المشركين، بسيفه غضباً لله إذ سمع الكفر به من رجل من المشركين، فقاتل حتى قتل. فيشري على هذا بمعنى يبيع. وقيل: نزلت في رجل مسلم قال لمشرك: قل: لا إله إلا الله. فأبى أن يقولها، فقال المسلم: والله لأشرين نفسي من الله"، أي لأَبِيعَنَّهَا، ثم تقدم فقاتل حتى قتل رحمه الله. وقال ابن المسيب: "أقبل صهيب مهاجراً فاتَّبعه نفر من المشركين. فنزل عن راحلته وانتثر ما في كنانته، وقال: يا معشر قريش، لقد علمتم أني من أرماكم رجلاً وأَيْمُ الله، لا تصلون إلي حتى أرمي بما في كنانتي، ثم أضرب بسيفي ما بقي في يدي منه شيء، ثم افعلوا ما شئتم. فعاهدوه على أن يدلهم على بيته وماله بمكة ويدعوه ففعل، وقدم على النبي [عليه السلام] فقال له: أبا يحيى، ربح البيع، فأنزل الله ﴿وَمِنَ ٱلنَّاسِ﴾ الآية. وقيل: إنه عني بها كل من باع نفسه من الله، روي ذلك عن عمر وغيره. وهو أولى بظاهر الآية عند الطبري وغيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.