الباحث القرآني

قوله: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾. قال ابن عباس: "هو ما سبق به اللسان على عجلة كقولك: "لا والله، بلى والله". وكذلك قالت عائشة رضي الله عنها. وقال مجاهد: "هما الرجلان يتبايعان فيقول أحدهما: والله لا أبيعك بكذا. ويقول الآخر: والله لا أشتريه بكذا وكذا، فهو اللغو". وقال أبو هريرة: "لغو اليمين أن يحلف الرجل على الشيء يظن أنه هو بيقين منه، ثم يظهر له خلاف ظنه". وهذا القول أحسن الأقوال في لغو اليمين المعفو عنها. وروي مثله عن ابن عباس. وروي عنه أيضاً أنه قال: "هو الرجل يحلف على الشيء فيرى الذي هو خير منه فأمره الله أن يكفر عن يمينه ويفعله ، وأعلمه أنه لا يؤاخذه على ذلك". فهذه ثلاثة أقوال عن ابن عباس. وقال عطاء بن يسار: "هو الخطأ في اليمين". وقال الحسن وغيره: "هو الرجل يحلف على الشيء، وهو يظن أنه صادق، ثم يظهر له خلاف ذلك، فلا كفارة عليه ولا إثم"، وهو قول أبي هريرة المختار. وقال طاوس: "هو الرجل يحلف في الغضب، فلا كفارة عليه ولا إثم"، وذكر قول النبي [عليه السلام]: "لاَ يَمِينَ فِي غَضَبٍ وقال ابن جبير: "هو الرجل يحلف أن يفعل ما نهى الله عنه أو يترك ما أمر الله به، فيمينه لغو، ولا كفارة عليه". وقد قال ابن المسيب وابن الزبير: "لا كفارة في معصية". وكذلك قال ابن عباس. وقال الشعبي: "كفارة من حلف على المعصية أن يتوب منها". وقال: [زيد بن] أسلم: "هو الرجل يقول: أعمى الله بصري إن لم أفعل كذا وكذا، وأخرجني الله من مالي إن لم أصنع كذا، وشبهه مما يدعو به على نفسه. فهو لغو ولا كفارة فيه". وقال ابن زيد: "هو قول الرجل: "أنا كافر إن فعلت كذا، وجعلت مع الله إلاهاً إن صنعت كذا، وشبهه، فلا كفارة فيه". وقال الضحاك: "اللغو من الأيمان، هي اليمين المكفرة يحلف ألا يفعل فيكفر ويفعل، ولا يؤاخذه الله بذلك، ولكن يؤاخذه بما يحلف عليه وقلبه يتيقن أن يمينه كذبة. فتلك اليمين لا كفارة فيها، وهي اليمين الغموس، وهي أعظم من أن تكفر". وقيل: لغو اليمين الحنث، لا يؤاخذ الله من حنث في يمينه وكفر، لأن التكفير يسقط الإثم". وقال إبراهيم: "هو الرجل يحلف ألا يفعل الشيء، ثم ينسى فيفعله، فيمينه لغو". واللغو في كلام العرب ما لا يحتاج إليه. قال نفطويه: "اللغو في نفس اللغة الشيء المطرح يقال: ألغيت هذا، أي طرحته". واللغة في الأيمان ما لم تكن النية معتقدة له، إنما جرى في عرض الكلام. وهو معنى قول ابن عباس وعائشة. والسهو داخل في هذه الآية بغير نية، ويدخل فيه أيضاً ما ليس بيمين نحو قول الرجل: "لا وحياتك" وشبهه، وهذا يرجع إلى قول أبي هريرة وقول الحسن المتقدمي الذكر. وكان ابن عباس لا يرى الكفارة إلا في الأيمان التي تكون لغواً. فأما ما كسبت القلوب، وعقدت اليمين فيه وهي تعلم أنها كاذبة، فلا كفارة فيه، والله يؤاخذ على ذلك بما شاء إن شاء. وتقدير الآية التي في المائدة على هذا القول: "لا يؤاخذكم الله باللغو في أيمانكم فكفارته إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم أو تحرير رقبة، فمن لم يجد فصيام ثلاثة أيام، ذلك كفارة أيمانكم إذا حلفتم، ولكن يؤاخذكم بما عقدتم الأيمان". أي حلفتم وأنتم تعلمون أنكم كاذبون. [كذلك التقدير] عند ابن عباس وابن جبير والضحاك وغيرهم. وقال قتادة: "المؤاخذة هنا في الأيمان الفاجرة إنما هي إلزام الرجل الكفارة على يمينه؛ فمن حلف وهو يعلم أنه كاذب وجبت عليه الكفارة، وهي المؤاخذة التي ذكر الله. ومن حلف وهو يظن أنه صادق، فهو لغو يمين ولا كفارة فيه، ولا إثم". وروي عن الربيع مثله. وهو قول عطاء والحكم. وقال السدي مثل ذلك إلا أنه قال: "يؤاخذه في الدنيا بالكفارة على يمينه الفاجرة ويؤاخذه في الآخرة إن شاء الله عليها إذ حلف وهو يعلم أنه كاذب". والأيمان عند أكثر الفقهاء ثلاثة: - اللغو؛ وهو قوله: "لا والله وبلى والله فلا شيء فيها". - والثانية: العمد"؛ وهو أن يحلف متعمداً ألا يفعل الشيء، ثم يريد أن يفعله ويرى أن ذلك خير فيكفر ويفعل ولا شيء عليه. وهي التي في قوله: ﴿بِمَا عَقَّدتُّمُ ٱلأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ﴾ [المائدة: ٨٩]. - والثالثة: الغموس؛ وهو أن يحلف على الشيء وهو يعلم أنه كاذب فلا كفارة فيها لعظمها، والله يفعل بفاعلها ما شاء. وهي التي في قوله: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. وقل زيد بن أسلم: ﴿وَلَـٰكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا كَسَبَتْ قُلُوبُكُمْ﴾. قال: "هو الشرك بالله والكفر لا اليمين". يريد قول الرجل: أنا كافر بالله إن فعلت وأنا مشرك إن فعلت، يؤاخذ عليه إن اعتقده بقلبه. فإن لم يعتقده بقلبه، فهو اللغو الذي قال فيه: ﴿لاَّ يُؤَاخِذُكُمُ ٱللَّهُ بِٱلَّلغْوِ فِيۤ أَيْمَانِكُمْ﴾. ومن قال: "أقسمت ألا أفعل"، فإن أراد بالله وفعل كفر، وإن لم يرد ذلك فلا شيء عليه، وكل أسماء الله يجب فيها الكفارة، وكذلك صفاته. وإذا حلف بالقرآن وحنث، فقال ابن مسعود: "عليه لكل آية كفارة"، وبه قال الحسن البصري. وأكثر الفقهاء على أن: فيه كفارة يمين، ومنهم من قال: "لا كفارة فيه لعظمه، وجلالة قدره". والعهد والميثاق والكفالة إذا أضيف ذلك إلى الله جلّ ذكره وحلف به، ففيه كفارة يمين عند مالك وغيره. ومن قال: "حلفت" ولم يحلف، فإن أراد اليمين كفر. وإن أراد الكذب لم يكن عليه شيء. هذا قول مالك وغيره. ومن حلف بصدقة ماله أو بهديه أن يجعله في سبيل الله؛ فقال عطاء والشعبي وغيرهم: "لا شيء عليه". وروي عن عمر رضي الله عنه، وعائشة أن عليه كفارة يمين وهو قول جماعة من التابعين. وقال مالك: "يخرج ثلث ماله" وهو قول الزهري وغيره. وروي عن ابن عمر وابن عباس أنه: يتصدق من ماله بمقدار الزكاة. وقد قيل: يعني بما جعل على نفسه. روي ذلك عن ابن عمر. وقال قتادة: "يهدي بدنة". وقال جابر بن زيد: "إن كان ماله كثيراً نحو ألفين فعشره، وإن كان وسطاً نحو ألف، فسبعه، وإن كان قليلاً نحو خمسمائة فخمسه. ومن حلف بالمشي إلى بيت الله فحنث فلا شيء عليه عند ابن المسيب والقاسم بن محمد. وقال الحسن وجابر بن زيد وطاوس والنخعي وعطاء وقتادة وغيرهم "عليه كفارة يمين"، وهو قول الشافعي. وقال الشعبي ومالك وأبو حنيفة: "يمشي كما حلف". وقال ابن شبرمة: "يحرم من يومه". وقال مالك رضي الله عنه: "إن حنث في غير البلد الذي حلف فيه فعليه أن يأتي إلى ذلك البلد، فيمشي منه". ومن حلف بعتق رقبة فحنث، فأكثر الناس [على أن عليه] كفارة يمين، وهو قول ابن عمر وابن عباس وأبي هريرة وعائشة وأم سلمة، وحفصة وقاله الحسن. وقال عطاء: "يتصدق بشيء من حنث في العتق". وقال مالك والثوري والأوزاعي والشافعي وجماعة من الفقهاء: "يعتق من حلف به إذا حنث". * * * وقوله: ﴿وَٱللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ﴾. أي غفور لأهل اللغو في الأيمان، حليم [في تركه]. العقوبة على أهل اعتقاد الأيمان الكاذبة فلا يعاجلهم بها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.