الباحث القرآني

قوله: ﴿وَقَالَ لَهُمْ نِبِيُّهُمْ إِنَّ آيَةَ مُلْكِهِ أَن يَأْتِيَكُمُ ٱلتَّابُوتُ فِيهِ سَكِينَةٌ مِّن رَّبِّكُمْ﴾ الآية. دلت هذه الآية على أن في الكلام حذفاً واختصاراً كأنهم قالوا: ما آية ملكه وما علامته؟ فقال: آية ملكه أن يأتيكم التابوت فيه سكينة. وهذا التابوت كان عندهم من عهد موسى ﷺ وهارون ، فسلبهم إياه ملوك من أهل الكفر، فجعل الله رده عليهم آية لملك طالوت. قال ذلك قتادة والربيع، قالا: "كان التابوت في البرية، وكان موسى ﷺ خلفه عند فتاه يوشع بن نون، فحملته الملائكة حتى وضعته في دار طالوت. وقال أهل التفسير: كان بنو إسرائيل ينبهون بالتابوت ويستنصرون به على الأعداء، ويقدمونه أمامهم إذا قاتلوا أهل الكفر. فلما عصوا الله عز وجل وخالفوا أنبياءه، أظهر الله عليهم أهل الكفر، فسلبوهم التابوت وجعلوه في مخرأة عناداً وتصغيراً له. فلما تقذر الموضع الذي هو فيه، ابتلاهم الله بالبواسير، فضاقوا بها ذرعاً وعلموا السبب الذي من أجله ابتلوا بها، فأجمع رأيهم على إخراج التابوت، فأخرجوه وجعلوه على بقرة ذات لبن، فحملته الملائكة حتى وضعته بين بني إسرائيل، فرضوا بطالوت ملكاً. وكان لهم في هذا التابوت آية عظيمة كانوا يهزمون به العدو ويظهرون به على الكفار. فقالوا: إن جاءنا التابوت آمنا وسلمنا، وكان العدو الذين أخذوه أسفل الجبل - جبل إيلياء عبدة أوثان - وكان ملكهم جالوت، وكان طالوت قد أعطاه الله شجاعة وقوة وشدة وبطشاً، وكان الكفار قد جعلوا التابوت في كنيسة لهم فيها أصنام، فكانت الأصنام تصبح منكسة رؤوسها. وبعث الله عز وجل على أهل تلك القرية فأراً يبيت الرجل الفأرة فيصبح ميتاً قد أكلت ما في جوفه، فاستشأموا بالتابوت، وقالوا: هذا بلاء قد أصابكم مذ كان هذا التابوت بين أظهركم، قد رأيت أصنامكم تصبح كل غداة منكسة، ولم تكن تصنع هذا إلا مذ كان التابوت معها فأخرجوه من بين أظهركم. فدعوا بعجلة فحملوا التابوت عليها ثم علقوها بثورين، ثم ضربوا على جنوبهما. فمرت الملائكة تسوق الثورين حتى وقفوا على بني إسرائيل فكبروا، وحمدوا الله وجدوا في الحرب". وقال ابن عباس: "لم يبق فيه من الألواح إلا سدسها، وكانت العمالقة أخذت التابوت وهم فرقة من عاد، فحملت الملائكة التابوت بين السماء والأرض وهم ينظرون حتى وضعته عند طالوت، فسلموا له الأمر وملكوه. وكانت الأنبياء إذا حضروا قتالاً قدموا بين أيديهم التابوت". قال ابن عباس: "بلغني أن التابوت وعصا موسى في بحيرة طبرية وأنهما يخرجان قبل يوم القيامة". قال وهب: "كان نحو ثلاثة أذرع في ذراعين". قوله: ﴿فِيهِ سَكِينَةٌ﴾. قيل: هي ريح هفافة لها وجه كوجه الإنسان. قال ذلك علي بن أبي طالب. وروي عنه أنه قال: "هي ريح خجوج ولها رأسان". وقال مجاهد: "السكينة لها رأس كرأس الهر، وجناحان وذنباً كذنب الهر". وقال السدي: "هي طست من ذهب من الجنة تغسل فيه قلوب الأنبياء، وفيها رضاض الألواح. وكانت الألواح من درر وياقوت وزبرجد". وروي عن وهب بن منبه "أن السكينة روح من الله يتكلم، إذا اختلفوا في شيء، بين لهم ما يريدون". وقال ابن جريج: "سألت عطاء عن السكينة فقال: هي ما يعرفون من الآيات فيسكنون إليها". وقال الربيع: "السكينة الرحمة". وقال قتادة: "السكينة الوقار". وروى الضحاك عن ابن عباس أن السكينة دابة مثل الهرّ لعينيها إشعاع، فإذا التقى الجمعان أخرجت يديها ونظرت إليهم، فينهزم ذلك الجيش من الرعب. وقال بعض بني إسرائيل من علمائهم: "السكينة رأس هرة ميتة كانت إذا صرخت في التابوت صراخ الهر، أيقنوا بالنصر". واختار الطبري أن تكون السكينة ما يسكنون إليه من الآيات، وهو قول عطاء، وكل ما ذكرنا من الأقوال فهي آيات تسكن إليها النفوس، فهي داخلة تحت هذا القول. * * * وقوله: ﴿وَبَقِيَّةٌ مِّمَّا تَرَكَ آلُ مُوسَىٰ﴾. قيل: هي عصا موسى، ورضاض الألواح لأن موسى ﷺ حين ألقى الألواح تكسرت، فوقع منها رضاض، فجعل في التابوت. قاله عكرمة وقتادة والسدي. وروي عن ابن عباس. وقال مقاتل: "البقية رضاض الألواح، وصر في طست من ذهب وعمامة موسى وعصاه". وعن السدي أنه قال: "هي التوراة ورضاض الألواح والعصا". وقال أبو صالح: "هي لوحان من التوراة وثياب موسى وهارون صلى الله عليهما وسلم وعصاهما وكلمة الفرج، لا إله إلا الله الحليم الكريم، وسبحان الله رب السماوات والأرض ورب العرش العظيم، والحمد لله رب العالمين". وقيل: هي عصا موسى وعصا هارون ورضاض الألواح. قاله أبو صالح وعطية بن سعد. وقال الثوري: "هي العصا والنعلان". وقيل: هي العصا وحدها. وقال القتبي: "هو من المَنِّ الذي كان ينزل عليهم ورضاض الألواح. * * * قوله: ﴿تَحْمِلُهُ ٱلْمَلاۤئِكَةُ﴾. قيل: حملته إليهم عياناً حتى وضعته بين أظهرهم. وقيل: حملته حتى وضعته في دار طالوت. وقيل: حمل إليهم التابوت بأمر الملائكة، كما تقول: "حَمَلَ السلطان الأمير إلى بلد كذا"، وإنما أمر بحمله ولم يحمله هو بنفسه، فلما وصل إليهم التابوت أقروا غير راضين، وخرجوا للقتال ساخطين. قاله ابن زيد. وقيل: معنى ﴿تَحْمِلُهُ﴾ تسوقه على عجلة تجرها بقر. وقد ذكرنا ذلك. * * * ومعنى ﴿إِن كُنْتُم مُّؤْمِنِينَ﴾. إن كنتم تصدقون إذا جاء التابوت، ولم يكونوا مؤمنين قبل مجيء التابوت لأنهم كذبوا بنبيهم فيما قال لهم وسألوه أن يبين صدقه بآية.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.