الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ الآية. أجاز النحاس: لا إله إلا إياه على الاستثناء. وروي عن أبي ذر أنه سأل النبي [عليه السلام] فقال له: أي ما أنزل عليك من القرآن أعظم"، فقال النبي ﷺ: ﴿ٱللَّهُ لاَ إِلَـٰهَ إِلاَّ هُوَ ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾ وقال ابن عباس: "أشرف آية في القرآن آية الكرسي". نبه الله تعالى ذكره عباده بهذه الآية ألا يعبد غيره، وأن يحذر مما وقع فيه من تقدم ذكره، في قوله: ﴿فَمِنْهُمْ مَّنْ آمَنَ وَمِنْهُمْ مَّن كَفَرَ﴾ واختلفوا فاقتتلوا وشبهه. وروى مالك عن يحيى بن سعيد عن ابن المسيب أنه قال: قال رسول الله ﷺ: "مَنْ قَرَأَ آيَةَ الكُرْسِي إِذَا نَامَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ اللهِ حَتَّى يَنْتَبِهَ. وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا انْتَبَهَ، لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ الله حَتَّى يَعُودَ، وَمَنْ قَرَأَهَا إِذَا خَرَجَ مِنْ مَنْزِلِهِ لَمْ يَزَلْ فِي أَمَانِ اللهِ عز وجل حَتَّى يَعُودَ. وَمَنَ قَرَأَهَا عِنْدَ حِجَامَةٍ كَانَتْ لَهُ مَنْفَعَتَانِ: مَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ الَّتِي هُوَ فِيهَا، وَمَنْفَعَةٌ لِلْحِجَامَةِ الَّتِي تَكُونُ بَعْدَهَا. وَمَنْ قَرَأَهَا دُبُرَ كُلِّ صَلاَةٍ، أَدْخَلَهُ اللهُ الجَنَّةَ وروى أبو هريرة أن النبي [عليه السلام] قال: "لِكُلِّ شَيْءٍ سَنَامٌ، وَسَنَامُ القُرْآنِ سُورَةُ البَقَرَةِ، مِنْهَا آيَةٌ لاَ تُقْرَأُ فِي بَيْتٍ فِيهِ شَيْطَانٌ إِلاَّ خَرَجَ مِنْهُ، وَهِيَ آيَةُ الكُرْسِي وقوله: ﴿ٱلْحَيُّ ٱلْقَيُّومُ﴾. الحي الذي لا يموت، والقيوم الذي لا يزول. وقيل: معناه: أنه حي بحياة هي له صفة. وقيل: بل هو اسم من أسمائه تسمى به، فقلناه تسليماً لأمره. * * * وقوله: ﴿ٱلْقَيُّومُ﴾. قال ابن عباس: "معناه: الذي لا يزول". وقال مجاهد: "معناه القائم على كل شيء". وهو "فَيْعُولٌ" من "قَامَ"، ولا يحسن أن يكون "فَعُولاً" لأنه يلزم منه أن يقال: "قَوُوُمٌ". وقد قال ابن كيسان: "ليس في كلام العرب، فعول من الواو". وروي عن عمر أنه قرأ "الْقَيَّامُ" ووزنه "فَيْعَالٌ" من "قَامَ". وقرأ علقمة "الْقَيِّمُ"، ووزنه عند البصريين "فعيل"، ثم أدغم فكان أصله قيوماً، وأصله عند الكوفيين "قويم" مثل فعيل، ويلزمهم ألا يعل كما لم يعل "طويل" وشبهه. وصفات الله مطلقة في غاية الكمال والتمام، لا يجوز عليها حوالة ولا تغيير، بخلاف صفات المخلوقين. * * * قوله: ﴿لاَ تَأْخُذُهُ سِنَةٌ﴾. أي نعاس. قاله ابن عباس وقتادة والضحاك وغيرهم. ولا نوم فيستثقل. وأصل "سنة" وسنة، كزنة وعدة. قال السدي: "السنة ريح النوم الذي يأخذ في الوجه فينعس الإنسان". وقال الربيع: "السنة هو الذي يكون به الإنسان بين النائم واليقظان، وهو الوسنان، والنوم الاستثقال". نفى الله تعالى عن نفسه الآفات التي تدخل على المخلوقين، فتذهب حسهم تعالى عن ذلك. وقد روى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "وَقَعَ فِي نَفْسِ مُوسَى ﷺ: هَلْ يَنَامُ اللهُ جَلَّ ثنَاؤُهُ؟ فَأَرَسَلَ اللهُ إِلَيْهِ مَلَكاً فَأَرَّقَهُ ثَلاَثاً ثُمَّ أَعْطَاهُ قَارُورَتَيْنِ، فِي كُلِّ يَدٍ قَارُورَةٌ، وَأَمَرَهُ أَنْ يَتَحَفَّظَ بِهِمَا. فَجَعَلَ يَنَامُ وَتَكَادُ يَدَاهُ تَلْتَقِيَانِ ثُمَّ يَسْتَيْقِظُ فَيَحْبِسُ إِحْدَاهُمَا عَنْ الأُخْرَى، حَتَّى نَامَ نَوْمَهُ فَاصْطَفَقَتْ يَدَاهُ فَانْكَسَرَتْ القَارُورَتَانِ، فَجَعَلَ اللهُ لَهُ ذَلِكَ مَثَلاً"، أي أن الله لو كان ينام لم تمتسك السماوات والأرضون كما لم تمتسك القارورتان في يدي موسى عليه السلام. * * * قوله: ﴿مَن ذَا ٱلَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إِلاَّ بِإِذْنِهِ﴾. أي من يشفع لمن أراد الله عقوبته إلا بأمره لهم بالشفاعة. وهذا دليل على جواز الشفاعة بإذنه لمن شاء من رسله وأوليائه. وقيل: معناه: من ذا الذي يذكر الله بقلبه حتى يأذن له، لا إله إلا هو. * * * قوله: ﴿يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ﴾. قال ابن جريج: "يعلم ما مضى أمامهم من الدنيا ﴿وَمَا خَلْفَهُمْ﴾ ما يكون بعدهم من أمر الدنيا والآخرة". وهذا يدل على قدم علم الله تعالى، وأنه لم يزل عالماً ولا يزال. ﴿إِلاَّ بِمَا شَآءَ﴾. ما شاء هو أن يعلمه. * * * قوله: ﴿وَسِعَ كُرْسِيُّهُ ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَٱلأَرْضَ﴾. قال ابن جبير عن ابن عباس: "كرسيه: علمه"، ودل على ذلك قوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾. قال أبو هريرة: "الكرسي بين يدي العرش". قال مجاهد: "ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة". قال السدي: السماوات والأرض في جوف الكرسي بين يدي العرش وهو موضع قدميه". قال ابن زيد: "حدثني أبي، قال: قال رسول الله ﷺ : "مَا السَّمَوَات السَّبْعِ فِي الكُرْسِيِّ إِلاَّ كدراهِمَ سَبْعَةٍ أُلْقِيَتْ فِي تُرْسٍ وقال أبو ذر: سمعت النبي [عليه السلام] يقول: "مَا الْكُرْسِيُّ فِي العَرْشِ إِلاَّ كَحَلَقَةٍ مِنْ حَدِيدٍ أُلْقِيَتْ بَيْنَ ظَهْرَيْ فَلاَةٍ مِنَ الأَرْضِ وروى ليث عن مجاهد أنه قال: "ما السماوات والأرض في الكرسي إلا كحلقة بأرض فلاة وروى الأعمش عن مجاهد أنه قال: "مثل السماوات تحت الكرسي كحلقة ملقاة في الفلاة وروى ابن جبير عن ابن عباس أنه قال: "الكرسي الذي وسع السماوات والأرض موضعه من العرش موضعه من السرير، ولا يقدر قدر العرش إلا الذي خلقه وقال الحسن: "الكرسي هو العرش نفسه". وقال الضحاك: "كرسيه الذي يوضع تحت العرش". وقيل: "كرسيه: قدرته". اختار الطبري أن يكون علمه لقوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ حِفْظُهُمَا﴾، ولقوله: ﴿وَسِعْتَ كُـلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً﴾ [غافر: ٧]. وفيه لغتان: ضم الكاف وكسرها. * * * قوله: ﴿وَلاَ يَؤُودُهُ﴾. أي لا يثقله ولا يشق عليه. يقال: ما آدَكَ هو لي آئِدٌ". وقال القتبي: يقال: آدَاهُ يَؤُودُهُ، [وَأَدَهُ] يئده، والوأد الثقل". والهاء في ﴿يَؤُودُهُ﴾ لله جل ذكره. وقال أبو إسحاق: "يجوز أن تكون للكرسي". * * * وقوله: ﴿حِفْظُهُمَا﴾. أي حفظ السماوات والأرض. ﴿وَهُوَ ٱلْعَلِيُّ﴾. أي ذو الارتفاع عن شبه خلقه بقدرته. * * * ﴿ٱلْعَظِيمُ﴾. أي لا شيء أعظم منه جلالة وهيبة وسلطانا. ولا يحسن أن يكون بمعنى العلو في المسافة والارتفاع من مكان إلى مكان تعالى الله عن ذلك - إنما هو علو قدرة وجلالة وهيبة وسلطان، لا علو ارتفاع من مكان إلى مكان، ليس كمثله شيء. لا يجوز عليه الحركة ولا الانتقال ولا التغير من حال إلى حال، فافهمه. وقيل: معنى ﴿ٱلْعَلِيُّ﴾: العلي عن النظراء والأشباه، لا علو مكان. وقيل: إن ﴿ٱلْعَظِيمُ﴾ هنا بمعنى المعظم، بمعنى الذي يعظمه خلقه لم يزل على ذلك. ولا يحسن أن يتأول أن تعظيمه محدث. بل لم يزل معظماً قبل كون الخلق كما لم يزل قادراً وعالماً قبل كون المعلوم والمقدور، ولا يزال معظماً بعد فناء الخلق. وقد طعن في هذا القول. وقيل: يلزم ألا يكون معظماً قبل الخلق ولا بعدهم، إذ لا معظم له. فالجواب عن ذلك ما ذكرنا أنه لم يزل ولا يزال كذلك كالعلم والقدرة وشبههما. تقول العرب: "هذه خمر عتيقة"، بمعنى معتقة. وقيل: معنى "العظيم": أن له عظمة هي صفة له لا تكيف.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.