الباحث القرآني

قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ فِي رَبِّهِ﴾. ألِف ﴿أَلَمْ﴾ ألِفُ توقيف لفظها. لفظ الاستفهام، وفيها معنى التعجب والتنبيه على ما يتعجب منه. والهاء في ﴿رَبِّهِ﴾ تعود على ﴿ٱلَّذِي﴾، أو على إبراهيم ﷺ. ومعنى: ألم تعلم، ألم تر بقلبك يا محمد. * * * قوله: ﴿أَنْ آتَاهُ ٱللَّهُ ٱلْمُلْكَ﴾. الهاء تعود على [الكافر الملك] وعليه أكثر الناس. وقيل: هي تعود على إبراهيم ﷺ. والذي حاج إبراهيم هو نمروذ بن كنعان بن كوشب بن سام بن نوح. قاله مجاهد. قال قتادة: "نمروذ، صاحب الصرح، وهو أول من تجبر في الأرض ببابل". أخبر الله عز وجل نبيه ﷺ بهذه القصص ليكون ذلك عبرة وتعجباً مما كان، وليكون حجة على أهل الكتاب ومشركي العرب لأنه نبأ لا يعلمه إلا من قرأ الكتب ودرسها، أو من يوحى إليه، فلما لم يكن محمد عليه السلام عندهم ممن يقرأ [الكتاب فينقل منها، وجب أن يكون ذلك] بوحي، فيجب قبول قوله، والإيمان به ضرورة لمن وفق. قال مجاهد: "نمروذ، هو أحد الأربعة الذين ملكوا الأرض كلها: كافرَيْن ومؤمنَيْن، فالمؤمنان: سليمان بن داود ﷺ، وذو القرنين عليه السلام. والكافران: نمروذ، وبخت نصر البابلي". * * * قوله: ﴿إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ﴾. أي حين قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت: أي يملك ذلك ولا يملكه أحد غيره، قال نمروذ: "أنا أحيي وأميت، أستحيي من أردت قتله وأقتل آخر". قال له إبراهيم: "فإن الله يأت بالشمس من مشرقها، فأت بها إن كنت صادقاً من مغربها". قال الله: ﴿فَبُهِتَ ٱلَّذِي كَفَرَ﴾. أي الكافر، أي انقطع وعجز عن الجواب. وقرىء: "فَبَهَتَ الَّذِي كَفَرَ" أي فبهتَ إبراهيمُ الكافرَ فـ "الذي" في موضع نصب، على هذه القراءة. قال قتادة: "دعا نمروذ برجلين فقتل أحدهما واستحيى الآخر، وقال: أنا أحيي وأميت. فقال له إبراهيم: "فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر" فلم يجب لأنه لو ادعى أنه [هو الذي يأتي] بالشمس من المشرق لكذبه جميع أهل مملكته، لأنهم يعرفون أنه محدث، والشمس كانت على حالها قبل حدوثه، فليس يقدر أن يقول: "أنا أتيت بها من المشرق قبل حدوثي، ولو قال: أنا آتي بها من المغرب لعجز عن ذلك. فلما رآى أنه لا مخرج له سكت وانقطع فبهت. قال زيد بن أسلم: "كان الناس يمتارون من عند نمروذ طعاماً، وكان أول جبار في الأرض، فخرج إبراهيم يمتار مع الناس فكلما مر بنمروذ ناس قال لهم: من ربكم؟ قالوا: أنت. حتى مر به إبراهيم عليه السلام، فقال له نمروذ: من ربك؟ قال: الذي يحيي ويميت. قال: أنا أحيي وأميت. قال إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب. فبهت الذي كفر، ورد إبراهيم بغير طعام. فرجع إبراهيم عليه السلام إلى أهله، فمر على كثيب أعفر - يعني من رمل - فقال: ألا آخذ من هذا فآتي به أهلي، فتطيب أنفسهم حين أدخل عليهم. فأخذ منه فأتى أهله فوضع متاعه ثم نام. فقامت امرأته إلى متاعه ففتحته، فإذا هي بأجود طعام رأى أحد، فصنعت له منه، فقربته إليه. وكان قد عهد أهله ليس عندهم طعام، فقال: من أين هذا؟ قالوا: من الطعام الذي جئت به. فعلم أن الله عز وجل قد رزقه [فحمد الله تعالى]، ثم بعث الله جل وعز ذكره إلى نمروذ ملكاً يقول له: أن آمن بي [وأتركك] على ملكك، قال: وهل رب غيري؟، فجاء الثانية فقال له فأبى عليه، ثم أتاه الثالثة فأبى عليه. فقال له الملك: اجمع جموعك إلى ثلاثة أيام. فجمع الجبار جموعه، وأمر الله عز وجل الملك ففتح عليهم باباً من البعوض، فطلعت الشمس ولم يروها من كثرتها، فبعثها الله سبحانه عليهم، فأكلت لحومهم وشربت دماءهم، ولم يبق إلا [العظام، والملك كما هو لم يصبه] من ذلك شيء، فبعث الله عز وجل عليه بعوضة فدخلت في منخره، فمكث أربعمائة سنة يضرب رأسه بالمطارق، فأرحم الناس به من جمع يديه ثم يضرب بهما رأسه، وكان قد تجبر أربعمائة سنة فعذبه الله بها أربعمائة سنة وأماته". وقال السدي: "لما أخرج إبراهيم ﷺ من النار، أدخل على الملك، ولم يره قبل ذلك، فقال له: من ربك؟ قال إبراهيم: ربي الذي يحيي ويميت. فلما قال له إبراهيم: فإن الله يأتي بالشمس من المشرق، فأت بها من المغرب فبهت وقال: إن هذا إنسان مجنون، فأخرجوه، ألا ترون أنه اجترأ على آلهتكم، وأن النار لا تأكله. وخشي الملعون الفضيحة من قومه فأخرجوه، وهو قوله: ﴿وَتِلْكَ حُجَّتُنَآ ءَاتَيْنَٰهَآ إِبْرَٰهِيمَ عَلَىٰ قَوْمِهِ﴾ [الأنعام: ٨٣]. * * * قوله: ﴿وَٱللَّهُ لاَ يَهْدِي ٱلْقَوْمَ ٱلظَّالِمِينَ﴾. أي لا يهديهم للحجة عند الخصومة لما هم عليه من الضلالة قاله ابن اسحاق. وليس (الظالمين) بوقف، لأن (أو كالذي) معطوف عليه. قال الفراء والكسائي: "معنى ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾: هل رأيت كالذي حاج، أو كالذي مر على قرية، فهو معطوف عليه". وقيل: الكاف زائدة، والمعنى: "ألم تر إلى الذي حاج أو الذي مر على قرية".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب