الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾. قال ابن عباس وقتادة وعكرمة والربيع والسدي: "وهو عزير". وقيل: هو أروميا. وروي أن اسمه أرميا، وهو الخضر. وقال مجاهد: "هو رجل من بني إسرائيل". وقال وهب بن منبه: "القرية بيت المقدس. لما خربت وحرقت، وقف أروميا على ناحية الجبل، فقال: أَنَّى يُحْيى هذه الله بعد موتها". على معنى: التطلع على مشاهدة قدرة الله، لا على الإنكار لإحياء الله إياها فأراه الله ذلك. والذي خربها بخت نصر البابلي. وكذلك قال قتادة وعكرمة والضحاك غير أنهم قالوا: "وقف عليها عزير". وقال ابن زيد: "هي القرية التي خرج منها ألوف حذر الموت، فقال [لهم] الله: موتوا. قال: فمر بها رجل وهي عظام تلوح، فنظر وقال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها". ﴿وَهِيَ خَاوِيَةٌ﴾. أي خالية من أهلها. ﴿عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾. [أي على أبنيتها]، سقوفها وبيوتها. وسميت القرية قرية لاجتماع الناس فيها من قولهم: "قَرَيْتُ الماءَ" إذا جمعته. وقال السدي: معنى ﴿خَاوِيَةٌ عَلَىٰ عُرُوشِهَا﴾: ساقطة على سقفها. وأصل ذلك أن تسقط السقوف، ثم تسقط الحيطان عليها. قال وهب بن منبه: "أوحى الله إلى أرميا، وهو بأرض مصر بعد أن خرب بخت نصر بيت المقدس: أن الحق بأرض الشام، فركب حماره حتى كان ببعض الطريق ومعه سلة من تين وعنب، وكان معه سقاء جديد فَمَلأَهُ ماء، فلما بدا شخصُ بيت المقدس وما حوله نظر إلى خراب لا يوصف، قال: أنى يحيي هذه الله بعد موتها؟ ثم سار حتى تبوأ منزلاً، فربط حماره بحبل جديد، وعلق سقاءه، وألقى الله عليه السبات، فلما نام نزع الله روحه مائة عام. فلما مرت من المائة سبعون عاماً أرسل الله ملَكاً إلى ملِك من ملوك فارس عظيم، فقال: إن الله يأمرك أن تسير بقومك فتعمر بيت المقدس إيليا وأرضها، حتى تعود أَعْمَرَ ما كانت. فقال له الملِك: أنظرني ثلاثة أيام حتى أتأهب لهذا العمل. فأنظره، فانتدب ثلاثة آلاف قهرمان، ودفع إلى كل قهرمان ألف عامل وما يصلحه من أداة العمل، فسار إليها قهارمته، فلما وقعوا في العمل، رد الله روح الحياة في عين أرميا خاصة، وأخر جسده ميتاً، فنظر إلى إيليا وما حولها تعمل وتعمر وتجدد حتى صارت كما كانت بعد ثلاثين سنة تمام المائة، فرد الله إليه روحه، فنظر إلى طعامه وشرابه لم يتسنه؛ أي لم يتغير. ونظر إلى حماره واقفاً كهيئته يوم ربطه لم يطعم ولم يشرب، أحياه الله له وهو يرى. ونظر إلى الحبل لم يتغير، وقد أتى عليه ريح مائة عام ومطرها وشمسها وبردها، فعندها قال له: كم لبثت؟ قال: لبثت يوماً أو بعض يوم. قال: بل لبثت مائة عام". وإنما قال: يوماً أو بعض يوم، لأنه فيما ذكر قتادة وغيره: "أميت ضحى، وبعث آخر النهار، فظن أنه يومه الذي كان فيه". * * * قوله: ﴿فَٱنْظُرْ إِلَىٰ طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَٱنْظُرْ إِلَىٰ حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾. من قرأ "نُنْشِرُهَا" بالراء، فمعناه كيف نحييها، من: "أَنْشَرَ اللهُ المَيِّتَ: أَحْيَاهُ". ومن قرأ بالزاي، فمعناه: كيف نرفع بعضها إلى بعض من النَّشْزِ، وهو المرتفع، ومنه نشوز المرأة وهو ارتفاعها عن موافقة زوجها. ومنه قوله: ﴿وَإِذَا قِيلَ ٱنشُزُواْ فَانشُزُواْ﴾ [المجادلة: ١١]، أي ارتِفعوا وانْضَموا. قال وهب بن منبه وغيره: "معناه: وانظر إلى إحياء حمارك وإلى عظامه كيف أنشرها ثم أكسوها لحماً". قال وهب: "كان ينظر إلى حماره يتصل بعضه ببعض، ثم كسي لحماً ثم جرى فيه الروح فقام [ينهق. ونظر إلى عنبه] وتينه، فإذا هو على هيئته حين وضعه. فلما عاين ما عاين، قال: أعلم أن الله على كل شيء قدير". قال السدي: "كانت الطير قد ذهبت بعظام الحمار إلى كل سهل وجبل فبعث الله ريحاً، فجاءت بها واجتمعت وهو ينظر. فركب بعضها في بعض فصار حماراً من عظام لا لحم فيه ولا دم، ثم كسى اللحم والدم، ثم أقبل ملك يمشي فأخذ بمنخر الحمار فنفخ فيه فنهق. فقال عندما عاين: أعلم أن الله على كل شيء قدير". ومن قرأ [بوصل ألف "اعلم" جعل الفعل] لله والقول لله، والله هو القائل له بعدما أراه من البراهين: "اعْلَمْ يا أرميا أن الله على كل شيء قدير". قال الضحاك: "أول ما نفخ الله الروح، ففي رأسه وبصره، وبقي جسده ميتاً، فرأى حماره قائماً كهيئته يوم تركه وطعامه وشرابه كهيئته، فقال له الله جل ذكره: ﴿وَٱنْظُرْ إِلَى ٱلعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا﴾ أي عظامك، فأراه التئام عظامه، وكون اللحم عليها، ونفخ الروح في باقي جسده. [والعبرة] في نفسه أعظم. فلما رأى ذلك وحيي كله قال: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾". وكذلك قال قتادة. وقال ابن زيد: "أراه إحياء جسده، والتئام عظامه وهو ينظر، والحياة في عينيه ورأسه فقط". قال ابن زيد: "جعل الله الروح في بصره ولسانه، فنظر إلى خلقه والتئام عظامه، وأمره أن يدعو بلسانه إلى عظامه وأعضائه أن تلتئم فنادى بلسانه ليلحق كل عضو بآلِفِه فجاء كل عظم إلى صاحبه حتى اتصلت وهو يراها، حتى إن الكسرة من العظم لتأتي إلى الكسرة الأخرى فتتصل بها، ثم شدت بالعروق والأعصاب وهو يرى. ثم التحمت وهو يرى، ثم كسيت بالجلد وهو يرى، ثم جرى [فيها الروح، فقال عند ذلك]: ﴿أَعْلَمُ أَنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾". وقال الله له ذلك يأمره به. ويجوز أن يكون الأمر منه لنفسه فتستوي القراءتان. وقد قاله الطبري. فالعطف في قوله: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي﴾ مردود على معنى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ إِبْرَاهِيمَ﴾ لأن معناه: هل رأيت مثل الذي حاج إبراهيم. فعطف على المعنى فقال: ﴿أَوْ كَٱلَّذِي مَرَّ عَلَىٰ قَرْيَةٍ﴾، تقديره: "أو رأيت مثل الذي مر". [و] العطف على المعنى كثير كما قال: ﴿كَيْفَ يَهْدِي ٱللَّهُ قَوْماً كَفَرُواْ بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوۤاْ أَنَّ ٱلرَّسُولَ حَقٌّ﴾ [آل عمران: ٨٦]، فـ "شهدوا" معطوف على معنى إيمانهم لا على كفرهم، تقديره: "بعد أن آمنوا وشهدوا". * * * وقوله: ﴿وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ﴾. قال الأعمش: "جاء شاباً وولده شيوخ". وقال السدي: "جاء فوجد داره قد بيعت وبَلِيت، وهلك من كان يعرفه. فقال: اخرجوا من داري، قالوا: من أنت؟ قال: أنا عزير. قالوا: هلك عزير منذ كذا وكذا سنة. فأخبرهم بما جرى عليه، فخرجوا له من الدار". وروي أن عزيراً كان ممن سباه بخت تنصر ومضى به إلى أرض بابل فرأى عزير دير هرقل قد خرب، ومضى عليه حين من الدهر، فقال: كيف يحيي هذه الله بعد موتها؟ فأماته الله مائة عام ثم بعثه، وقد عمر الدير وذلك كله بأرض بابل. وعلى [أن] القرية بيت المقدس أكثر أهل التفسير. * * * وقوله: ﴿لَمْ يَتَسَنَّهْ﴾ من أثبت الهاء في الوصل، فهو من سانَهْتُ فسكون الهاء عَلَم الجزم، والهاء أصلية، وهو أحسن. ومعناه: أنه مأخوذ من "السَّنَة"، أي لم تأخذه السِّنُونَ وتحله. ومن قرأ "يتَسَنَّه" فأصله يتسنن، من "سَنَّ المَاءَ" إذا تغير. فمعناه لم يتغير فأبدلوا من النون الأخيرة ياء، فقالوا: يتسنى كما قالوا: "تَقَضَّيْتُ" في "تَقَضَّضْتُ"، ثم حذفت الألف للجزم [و] زيدت الهاء في الوقف لبيان الحركة. وقرأ طلحة بن مصرف: "لَمْ يَسَّنَّ" أدغم التاء في السين. وقد قال بعض أهل اللغة: "لَمْ يَتَسَنَّ" من أَسِنَ الماء إذا أنتن. ويلزمهم من هذا "يَتَأَسَّنْ". وقال الشيباني: "هو من قولهم: "حَمَأٌ مَسْنُونٌ". ومعنى "يَتَسَنَّ": يتغير. ولا يجوز عند أبي إسحاق أن يكون من "مَسْنُونٍ" لأن معنى "مَسْنُونٍ"، مصبوب. والصحيح أنه من السَّنَةِ، فتكون الهاء أصلية تقول في تصغيرها: "سُنَيْهَةٌ" على قول من قال: "يَتَسَنَّه". و "سُيينةٌ" على قول من قال: "يتسن".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.