الباحث القرآني

قوله: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾. "إذ" في موضع نصب بمعنى: "واذكر". وقيل: هو معطوف على ما قبله لأن قوله: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِي حَآجَّ﴾: "ألم تر بقلبك يا محمد، فتذكر الذي حاج، وتذكر إذ قال إبراهيم". قال قتادة: "مر إبراهيم عليه السلام على دابة قد تقسمتها السباع والدواب والطير والرياح، فقال: رب أرني كيف تحيي الموتى؟". وكذلك قال الضحاك. وقال ابن زيد: "مر إبراهيم بحوت نصفه في [البر، ونصفه في البحر]، فما كان في البحر فدواب البحر تأكله، وما كان في البر فدواب البر تأكله. فقال له الخبيث الشيطان يا إبراهيم: متى يجمع الله هذا من بطون هؤلاء؟ فقال إبراهيم: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾؟، ليرى ذلك عيانا". * * * ومعنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: أي ليطمئن إلى ما تَاقَ إليه من العيان لا أنه شك دخل عليه. وقال السدي: "لما اتخذ الله إبراهيم خليلاً سأل ملك الموت ربه عز وجل أن يأذن له فيبشر إبراهيم عليه السلام بذلك، فأذن له، فأتى إبراهيم وليس هو في البيت فدخل داره. وكان إبراهيم ﷺ أغير الناس يغلق بابه إذا خرج، فلما جاء وجد في داره رجلاً ثانياً، فبادر إليه ليأخذه، وقال له: من أذن لك أن تدخل داري؟ فقال له ملك الموت: أذن لي رب هذه الدار فقال إبراهيم: صدقت، وعرف أنه ملك، قال له: من أنت؟ قال: ملك الموت، جئت أبشرك أن الله قد اتخذك خليلاً، فحمد الله تعالى، وقال: يا ملك الموت، أرني الصورة التي تقبض فيها أنفاس الكفار، فقال: [يا إبراهيم، لا تطيق] ذلك، قال: بلى. فعرض عليه فإذا هو برجل [أسود ينال] رأسه السماء، يخرج من فيه لهب النار، ليس من شعرة في جسده إلا صورة رجل أسود يخرج من فيه ومسامعه لهب النار. فغشي على إبراهيم عليه السلام ثم أفاق، وقد تحول ملك الموت في الصورة الأولى فقال: يا ملك الموت، لو لم يلق الكافر من البلاء والحزن إلا صورتك لكفاه ذلك، فأرني كيف تقبض أنفاس المؤمنين، قال: فَأَعْرِضْ. فَأَعْرَض إبراهيم عليه السلام ثم التفتَ فإذا هو برجل شاب أحسن الناس وجهاً، وأطيبهم ريحاً في ثياب بيض. قال: يا ملك الموت، لو لم يكن للمؤمن عند ربه عز وجل من قرة العين والكرامة إلا صورتك هذه لكان يكفيه. فانطلق ملك الموت وقام إبراهيم صلى الله "على محمد و "عليه وسلم يدعو ربه، يقول: رب أرني كيف تحيي الموتى حتى أعلم أني خليلك. قال: أو لم تؤمن بأني خليلك؟ قال: بلى، ولكن ليطمئن قلبي بذلك". وقال ابن عباس: "ما في القرآن آية أرجى عندي منها"، يريد أن إبراهيم دخل قلبه الشك، فنحن آكد أن يعترضنا ذلك. وقال عطاء بن أبي رباح: "دخل قلب إبراهيم ﷺ بعضُ ما يدخل قلوب الناس". وروى مالك عن الزهري أن ابن المسيب وأبا عبيدة أخبراه عن أبي هريرة أن النبي عليه السلام قال: "رَحِمَ اللهُ إِبْرَاهِيمَ، نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْهُ، إِذْ قَالَ إِبْرَاهِيِمُ: ﴿رَبِّ أَرِنِي كَيْفَ تُحْيِـي ٱلْمَوْتَىٰ﴾، وَقَالَ: ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾ واختار الطبري هذا القول لرواية أبي هريرة لهذا الخبر عن النبي [عليه السلام] لأن الشيطان يعرض لجميع الخلق. وقد قال النبي [عليه السلام]: "ذَلِكَ مِنْ مَحْضِ الإِيمَانِ وهذا القول من نبي الله ﷺ إنما هو على التواضع والتذلل لله، ونفى التكبر كما قال: "لاَ تُفَضِّلُونِي عَلَى يُونُسَ". ويعيذه الله من الشك الذي يدخل في قلوب المذنبين المؤمنين. ويجوز أن يكون قوله: "نَحْنُ أَحَقُّ بَالشَّكِّ مِنْ إِبْرَاهِيم"، يعني به أمته، كأنه ﷺ يعذرهم فيما يوسوس [به إليهم الشيطان]. وقد عفا الله عما يوسوس به الشيطان في قلوب المؤمنين إذا لم يبدوه ولم يعتقدوه. وقد قال سعيد بن جبير: "معنى ﴿لِّيَطْمَئِنَّ قَلْبِي﴾: ليزداد يقيناً". وعن ابن عباس: "ليطمئن قلبي" في إجابتك إياي إذا دعوتك بأمرٍ وسألتك فيه". ولم يرد أن إحياء الموتى يطمئن به. قال أبو إسحاق: "ولم يكن شاكاً، ولكن أراد مشاهدة ذلك عياناً ليزداد يقيناً، فليس الخبر كالمعاينة". * * * قوله: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ﴾. قال مجاهد وابن جريج وابن زيد: "أخذ طاووساً وديكاً وغراباً وحمامة". وجعل ابن عباس الكُرْكِيَّ في موضع الغراب. * * * قوله: ﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾. من ضم فمعناه: أضممهن إليك ووجههن إليك، يقال: "صُرْ وَجْهَكَ إِلَيَّ" أي أقبل به إلي، ووجهه إلي. قال ذلك الكسائي. وفي الكلام حذف: "وقطعهن بعد الضم". وقال مجاهد: "﴿فَصُرْهُنَّ﴾: انتفهن بريشهن ولُحُومِهِنَّ". وقال أبو عبيدة: "صِرت [بالكسر: قطعت، وصُرت] بالضم: جمعت". وقيل: الكسر والضم بمعنى واحد، وهو ما ذكرنا. وقيل: معنى الكسر: قطعهن. قال أبو حاتم: يقال: صار، إذا قطع. ويكون في الكلام تقديم وتأخير على هذا التفسير. ومعناه: ﴿فَخُذْ أَرْبَعَةً مِّنَ ٱلطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾، أي فقطعهن. وقد قال عطاء: "﴿فَصُرْهُنَّ إِلَيْكَ﴾: أضممهنَّ إليك". وقال ابن زيد: "أجمعهن". وقال قتادة: "أمر أن يذبحن ثم يخلط بين لحومهن وريشهن ودمائهن ثم يجزئهن على أربعة أجبل". قال ابن جريج: "جعل لُحُومَهُنَّ وريشهن على سبعة أجبل وهي الأجبال التي رأى الطير والسباع [ذهبت فيها، وهن] اللواتي أكلن من لحم الجيفة التي كانت سبب سؤاله، وأمسك إبراهيم [ﷺ] عند نفسه رؤوسهن ثم دعاهن بإذن الله عز وجل، فنظر إلى كل قطرة من دم تطير إلى القطرة الأخرى، وكل ريشة تطير إلى الريشة الأخرى، وكل بضعة وكل عظم يطير بعضها إلى بعض. فلما تتامت عليه في الهواء انقضت عليه فوصلت كل جثة إلى الرأس الذي [في يده]". * * * قوله: ﴿وَٱعْلَمْ أَنَّ ٱللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾. أي لا يمتنع [عليه ما أراد، حكيم في تدبيره.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب