الباحث القرآني

قوله: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ إِذَا تَدَايَنتُم بِدَيْنٍ﴾. قال ابن عباس: "نزلت في السلم خاصة، في كيل معلوم إلى أجل معلوم". يريد بثمن نقد معلوم من غير أن يكون طعام في طعام. وروي عن ابن عمر وأبي موسى الأشعري "أنه واجب أن يكتب إذا باع بدين". وهو قول ابن سيرين وأبي قلابة والضحاك وجابر بن زيد ومجاهد. وقال عطاء: "أشهد إذا بعت، وإذا اشتريت بدرهم أو نصف درهم أو بثلث درهم أو أقل من ذلك، فإن الله يقول: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وهو مذهب الطبري. وقال أبو سعيد الخدري: "كان ذلك فرضاً ثم نسخه ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾ [البقرة: ٢٨٣]. وبه قال الحسن والحكم وعبد الرحمن بن زيد والشعبي. وأكثر الفقهاء على أنه ندب وإرشاد لا على الحكم. وهو قول مالك والشافعي. وقال الطبري: "الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على أنها ندب وإرشاد". وقال: "من جعل الإشهاد فرضاً، لا يجوز أن يكون هذا منسوخاً لأنه يلزم منه رفع حكم الإشهاد. والإشهاد جائز بإجماع. وفي تركه وقع الاختلاف فلو كانت منسوخة لم يجز الإشهاد لأن حكم المنسوخ ألا يبقى حكمه ولم تأت آية فيها : "لا تكتبوا ولا تشهدوا". بل ذلك حسن جائز بإجماع وواجب عندنا. وإنما معنى: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾ عند عدم الكاتب والشهود". قال أبو محمد رضي الله عنه: وهذا الاعتراض لا يلزم لأنه يجب منه ألا يعمل بما نسخ البتة. وقد نسخ فرض صوم عاشوراء وفرض صوم ثلاثة أيام من كل شهر. ونسخ فرض قيام الليل، وفعل ذلك حسن مُرَغَّبٌ فيه. كذلك فرض الإشهاد، هو منسوخ، وفعله حسن جائز. وقول الطبري: "الآية على الأمر حتى يأتي دليل يدل على الندب". جوابه: أن الدليل على أنه صار ندباً قوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾. ولا يحمل على معنى عدم الكاتب والشهود إلا بدليل. قوله: ﴿وَلاَ يَأْبَ كَاتِبٌ﴾. قيل: هو واجب عليه أن يكتب إذا دُعي إلى ذلك. قال الضحاك: "نسخها: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ﴾". وقال السدي: "لا يأب كاتب أن يكتب إذا كان فارغاً". * * * ﴿وَلاَ يَبْخَسْ مِنْهُ شَيْئاً﴾. أي لا يظلم ولا ينقص من حق الرجل الذي له الحق شيئاً. * * * قوله: ﴿فَإن كَانَ ٱلَّذِي عَلَيْهِ ٱلْحَقُّ﴾. أي من عليه الدين. ﴿سَفِيهاً﴾. أي جاهل بالصواب الذي يمليه على الكاتب. ﴿أَوْ ضَعِيفاً﴾. أي أخرق. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وغيره. وقال السدي: "السفيه الصغير". وأصل "السفيه" الخفيف العقل من قولهم: "تَسَفَّهَتِ الْرِّيحُ الشَّيْء" إذا استخفته فحركته. قال السدي: "الضعيف الأحمق". ﴿فَلْيُمْلِلْ وَلِيُّهُ بِٱلْعَدْلِ﴾: أي ولي السفيه والضعيف. قاله الضحاك. وقال ابن عباس: "ولي الدين هو الذي هو عليه" أي فَلْيُقِرْ وَلِيُّهُ بِمَا عَلَيْهِ وَلْيَشْهَدْ. وقيل: ولي الدين هو العيي واليتيم. فالهاء في ﴿وَلِيُّهُ﴾ تعود على الدِّين أو على صاحب الدَّين أو على المطلوب. * * * قوله: ﴿وَٱسْتَشْهِدُواْ شَهِيدَيْنِ﴾. اختير "فَعِيلٌ" لأنه للتكثير، فمعناه: استشهدوا من عُرف بالشهادة والشاهد يقع لغير التكثير، يقال: "فُلاَنٌ شَهِيدِي وَشَاهِدِي". * * * قوله: ﴿مِّن رِّجَالِكُمْ﴾ أي من الأحرار المسلمين. * * * قوله: ﴿فَإِن لَّمْ يَكُونَا رَجُلَيْنِ فَرَجُلٌ وَٱمْرَأَتَانِ﴾. قال ابن بكير: "هذا مخاطبة للحكام"، أي إن لم يأت صاحب الحق برجلين أتى برجل وامرأتين، فليس معناها أنه لا يشهد الرجل والامرأتان إلا عند عدم الرجلين. لأن فاعلاً لو فعله وهو واحد الرجلين لتم إشهاده". ومعنى الآية عند غيره أنها مخاطبة لصاحب الدين، أي فاستشهدوا [من حضر]؛ رجلين، أو رجلاً وامرأتين. ومعنى: ﴿مِمَّن تَرْضَوْنَ مِنَ ٱلشُّهَدَآءِ﴾. أي من العدول المرضيين، وإنما تجوز شهادة النساء عند مالك، ومن قال بقوله في الأموال خاصة؛ لأنه المكان الذي تكون فيه لا يتعدى إلى غيره. * * * قوله: ﴿فَتُذَكِّرَ إِحْدَاهُمَا ٱلأُخْرَىٰ﴾. أي فتصير إحداهما ذكراً باجتماعهما. تقول العرب "اذَّكَرَتِ المَرْأَةُ" إذا ولدت ذكراً، قال ذلك ابن عيينة. وليس هو عنده من الذِّكر بعد النسيان. وأكثر الناس على أنه من الذكر بعد النسيان لقوله تعالى: ﴿أَن تَضِلَّ إِحْدَاهُمَا﴾ أي إن تنسى فتذكرها الأخرى ما نسيت. * * * قوله: ﴿وَلاَ يَأْبَ ٱلشُّهَدَآءُ إِذَا مَا دُعُواْ﴾. أي لا يتخلفوا عن أداء الشهادة إذا دعوا ليشهدوا على الكتاب والحقوق. قاله قتادة والحسن. وقيل: معناه: لا يتأخروا إذا دُعُوا ليؤدوا ما قد شهدوا عليه، وذلك إذا لم يجد غيره، فإن وجد غيره فهو مخير فأما إذا دعيت إلى شهادة لم تشهد بعد بها، فأنت مخير في ذلك. هذا قول مجاهد وعطاء وغيرهما. وهو قول مالك. والألف واللام في ﴿ٱلشُّهَدَآءُ﴾ يدلان على أنه لشهادة متقدمة إذا دعوا [ليوصلوها إلى] حكم، فلا يتخلفوا إذا لم يوجد غيرهم. وعن عطاء أنه إذا دعي ليشهد لزمه ذلك. * * * قوله: ﴿وَلاَ تَسْأَمُوۤاْ أَن تَكْتُبُوهُ صَغِيراً أَو كَبِيراً إِلَىٰ أَجَلِهِ﴾. أي لا تملوا أن تكتبوا صغير حقوقكم وكبيرها إلى أجله، فإن الكتاب أحضر للأجل والمال. ﴿ذَلِكُمْ أَقْسَطُ﴾ أي أعدل. ﴿وَأَقْومُ﴾ أي أصوب. * * * ﴿وَأَدْنَىٰ أَلاَّ تَرْتَابُوۤاْ﴾. أي أقرب ألا تشكوا في الدين والأجل. ثم أرخص في التجارة الحاضرة التي هي يداً بيد غير أن يكون طعام في طعام متفاضلاً ألا تكتبوها. * * * ثم قال: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. قال الضحاك: "ما كان من بيع حاضر، فإن شاء أشهد وإن شاء ترك. وما كان من بيع إلى أجل فليشهد". قال مالك: "هو مخير في الإشهاد، وتركه". ويروى عن ابن عمر أنه قال: "الشهادة واجبة في كل ما يباع من قليل أو كثير بقوله عز وجل: ﴿وَأَشْهِدُوۤاْ إِذَا تَبَايَعْتُمْ﴾. وهذا عند جماعة منسوخ بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً فَلْيُؤَدِّ ٱلَّذِي ٱؤْتُمِنَ أَمَانَتَهُ﴾، وهو نسخ فرض إلى ندَب، كنسخ رمضان ليوم عاشوراء؛ من شاء صامه، ومن شاء تركه. وكالامتحان؛ من شاء امتحن، ومن شاء ترك، بعد قوله: ﴿فَٱمْتَحِنُوهُنَّ﴾ [الممتحنة: ١٠]. فكان الإشهاد واجباً ثم صار ندباً بقوله: ﴿فَإِنْ أَمِنَ بَعْضُكُم بَعْضاً﴾. ففي هذا الحكم ثلاثة أقوال: الأول: أنه محكم يعمل به، والثاني: أنه منسوخ، والثالث: أنه ندب وترغيب. * * * قوله: ﴿وَلاَ يُضَآرَّ كَاتِبٌ وَلاَ شَهِيدٌ﴾. قال الحسن وغيره: "معناه لا يضار كاتب فيزيد ما لم يملل عليه في الكتاب أو يُحرّف، ولا شهيد فيكتم الشهادة أو يغيرها". وقال ابن عباس وغيره: "معناه لا يضارا فيتخلفا عن الكتابة والشهادة ويقولان: علينا شغل ولنا حاجة". وقيل: المعنى: لا [يضارا فيما قد شهدا] فيه فيتخلفا عن أدائه إلى الحاكم. وفي كل هذه الأقوال يرتفع [الكاتب والشهيد معاً بفعلهما]. وروي عن عمر رضي الله عنه أنه كان يقرأ: "وَلاَ يُضَارَر" براْءين ظاهرتين الأولى مفتوحة. وكذلك روى الضحاك عن ابن مسعود. وكذلك روى ابن كثير عن مجاهد. وتأويله: أن يضارا في أن يدعيا وعنهم غنى، ويشغلا عن أشغالهما، ويعنفا تعمداً. وقال الضحاك: "هو أن يكونا على حاجة مهمة فيقولان: اطلب غيرنا، فيقول: إن الله أمركما بذلك، ليؤثمهما". وكذلك قال السدي وطاوس، وهو اختيار الطبري، لأن الخطاب من أول الآية إنما هو للمكتوب له والمشهود له، وليس للكاتب والشاهد خطاب تقدم فيرد هذا عليه، ويبين هذا قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾، ولم يقل: "وإن تفعلا"، فيرد على الكاتب والشاهد، إنما رده على أهل الكتابة والشهادة فالنهي لهم أبين، ألا يضاروا الكاتب والشهيد فيشغلوهما عن شغلهما وهم يجدون غيرهما. ومعناه: وإن تضاروهما فإنه إثم حال بكم. فيكون الكاتب والشهيد على هذا التأويل مرفوعين على أنهما مفعولان لم يسم فاعلهما. وكان الزجاج يختار أن يكون النهي للكاتب ألا يزيد في كتابته ولا يحرف، و [للشهيد ألا] يتخلف ولا يغير، ويكون قوله: ﴿وَإِن تَفْعَلُواْ فَإِنَّهُ فُسُوقٌ بِكُمْ﴾ رداً إلى الكاتب والشهداء؛ أي إن حرفتم أو زدتم أو تخلفتم من غير عذر فإنه إثم وخروج عن الحق. والهاء في ﴿فَإِنَّهُ﴾ عائدة على الضرار. وقيل: على الفعل، أي فإن هذا الفعل فسوق بكم. وقيل: الفسوق هنا الكذب في الشهادة والكتاب. * * * قوله: ﴿وَٱتَّقُواْ ٱللَّهَ﴾. أي في ترك المضارة، وفيما تقدم ذكره من حدوده. * * * قوله: ﴿وَيُعَلِّمُكُمُ ٱللَّهُ﴾. أي يبين الله لكم الواجب لكم وعليكم لتعمَلُوا به. * * * ﴿وَٱللَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾. أي يعلم جميع ما تعملون ويحصيها عليكم ليجازيكم بها، فاحذروا المخالفة.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.