الباحث القرآني

قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ﴾. معناه: أقبل عليها. تقول العرب: "فلان مقبل على فلان، ثم استوى إليَّ يمشي"، أي أقبل إليّ. وقيل: معناه تحول أمره وفعله إلى السماء. وقال القتبي: "استوى، عمد إليها". وقال ابن كيسان: "استوى قصد". قال غيره: "معناه قصد إلى خلقها بالإرادة لا بالانتقال". يقال: "لما استويت إلى موضع كذا، ظهر لي كذا"، أي لما قصدت بإرادتي إلى أمر كذا، ظهر لي كذا. وقيل: استوى: استولى. تقول العرب: "استوى فلان على المملكة". أي استولى عليها واحتوى عليها. واختار الطبري وغيره أن يكون "استوى" بمعنى "علا" على المفهوم في لسان العرب. قال أبو محمد: وليس: "علا" في هذا المعنى أنه تعالى علا من سفل كان فيه إلى علو، ولا هو علو انتقال من مكان إلى مكان، ولا علو بحركة تعالى الله ربنا عن ذلك كله، لا يجوز أن يوصف بشيء من ذلك، لأنها صفات توجب الحدوث للموصوف بها، والله جَلَّ ذكره أول بلا نهاية لكن نقول: إنه علو قدرة واقتدار ولم يزل تعالى قادراً له الأسماء الحسنى والصفات العلا. فإنما دخلت "ثمَّ" في قوله: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ﴾ بمعنى القصد لخلق ما أراد أن يخلق على ما تقدم في علمه قبل، بلا أمد. والهاء في ﴿فَسَوَّٰهُنَّ﴾ تعود على السماء لأنها جمع سماوة. وقيل: السماء تدل على الجمع. وقيل: لما كانت السماء واسعة الأقطار، يقع على كل قطر منها اسم سماء جمع على هذا المعنى. والمعنى فَسَوَّى منهن سبع سماوات. وقيل: سبع سماوات بدل من الهاء والنون، فلا تقدير حرف جر على هذا محذوف منه. وقد روي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهم في تفسير ذلك: "أن الله جَلَّ ذكره كان عرشه على الماء كما أخبرنا به في كتابه. قالوا: ثم أخرج من الماء دخاناً، فارتفع الدخان فوق الماء، فسما الدخان على الماء فَسَمَّاه سماء. ثم إنه تعالى بقدرته أيبس الماء، فجعله أرضاً واحدة، ثم فتقها فجعلها سبع أرضين وذلك في يوم الأحد ويوم الاثنين، وجعل الأرض على حوت وهو النون، والحوت في الماء، والماء على ظهر صفا، والصفاة على ظهر ملك، والملك على صخرة، والصخرة على الريح، وهي الصخرة التي ذكر لقمان، فهي ليست في الأرض، ولا في السماء، فتحرك الحوت واضطرب، فتزلزلت الأرض فأرسى عليها الجبال، فذلك قوله: ﴿وَجَعَلْنَا فِي ٱلأَرْضِ رَوَاسِيَ أَن تَمِيدَ بِهِمْ﴾ [الأنبياء: ٣١]. وخلق الجبال في الأرض وجعل فيها أقوات أهلها وشجرها ومصالحها في يومين، الثلاثاء والأربعاء، ودل على ذلك قوله: ﴿خَلَقَ ٱلأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَندَاداً ذَلِكَ رَبُّ ٱلْعَالَمِينَ * وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِن فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَآ أَقْوَاتَهَا فِيۤ أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ﴾ [فصلت: ٩-١٠] - يعني اليومين الأولين والآخرين -، ثم قال: ﴿ثُمَّ ٱسْتَوَىٰ إِلَى ٱلسَّمَآءِ وَهِيَ دُخَانٌ﴾ [فصلت: ١١]. فجعل الدخان سماء واحدة، ثم فتقها سبع سماوات، وذلك في يومين الخميس والجمعة، ولذلك سمي يوم الجمعة لأنه اجتمع فيه تمام خلق السماوات والأرضين". وقال مجاهد: "خلق الله الأرض قبل السماء، فثار منها دخان، فخلق منه السماوات". وقد ذكر الله خلق الأرض قبل السماء في سورة السجدة، ثم ذكر في "والنازعات" دحو الأرض بعد السماء، فقال: ﴿وَٱلأَرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا﴾ [النازعات: ٣٠]، فقال ابن عباس في معنى ذلك: "إنه تعالى خلق الأرض بأقواتها قبل السماء غير أنه لم يدحها، ثم خلق السماوات، ثم دحا الأرض بعد ذلك". وقال ابن سلام: "بدأ الله الخلق يوم الأحد ، فخلق الأرضين يوم الأحد والاثنين، وخلق الأقوات والجبال في الثلاثاء والأربعاء، وخلق السماوات في الخميس والجمعة وخلق آدم ﷺ في آخر ساعة من يوم الجمعة". قال أبو محمد: ولو شاء تعالى ذكره لخلق ذلك كله في أقل من طرف عين، يفعل ما يشاء لا إله إلا هو، لا معقب لحكمه. * * * قوله: ﴿وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ﴾ . أي عليم بكل شيء قبل خلقه له، وقبل حدوثه، لا أنه علم محدث مع حدوث المعلومات تعالى عن ذلك، قد علم المعلومات كلها قبل حدوثها وكونها.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب