الباحث القرآني

قوله: ﴿إِنِيۤ أَعْلَمُ غَيْبَ ٱلسَّمَٰوَٰتِ﴾. هو ما غاب عن الملائكة مما سبق في علمه مما ذَكَرَهُ في كتابه: ﴿لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنَ ٱلْجِنَّةِ وَٱلنَّاسِ أَجْمَعِينَ﴾ [السجدة: ١٣]. * * * قوله: ﴿وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ﴾. هو قولهم: ﴿أَتَجْعَلُ فِيهَا مَن يُفْسِدُ فِيهَا﴾. و ﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾: هو ما أضْمَر إبليس في نفسه من الكبر والعز. روي ذلك عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة والتابعين. وقال سفيان: "﴿وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ﴾ هو ما أسر إبليس في نفسه من ترك السجود لآدم [والكبر]". وقال قتادة: "كتمانهم هو قولهم فيما بينهم: يخلق الله ما يشاء، فلن يخلق خلقاً إلا ونحن أكرم منه". وقيل: إنهم قالوا ذلك عند رؤيتهم لخلق آدم. وعن ابن عباس "أنه عام فيما يظهرون وما يكتمون". وإبليس إفعيل من "أبلس" إذا يئس كأنه يئس من الرحمة، لم يصرف لقلة. وقيل: هو أعجمي، ولذلك لم يصرف في المعرفة. قال أبو عبيد: "لم يصرف لأنه لا نظير له في الأسماء"، وهو عنده "فِعْلِيل" أو"إِفْعِيل". قوله: (أَبَى): أتى مستقبله على "يفعل" على التشبيه بِـ "قرأ، يقرأ"، لأن الهمزة تبدل منها الألف، وهي من حروف الحلق مثلها. وقالوا: "جبى، يجبي" من الجباية بالفتح، "وقلى يقلى" بالفتح على التشبيه أيضاً. وإبليس [في قول] ابن عباس: كان من حي من أحياء يقال لهم الجن، خلقوا من نار السموم، وكان اسمه الحارث، وكان من خزان الجنة. وروي عنه أيضاً أنه قال: "كان إبليس من الملائكة واسمه عزرائيل، وكان من سكان الأرض وكان شديد العبادة وواسع العلم، فدعاه ذلك إلى الكبر". وإنما سمي من الجن لأنه كان خازناً للجنة، فكأنه منسوب إليها، كما تقول: مكي وبصري وشامي. وقيل: سمي من الجن لأنه لا يرى، كما سمى الله الملائكة جناً، فقال: ﴿وَجَعَلُواْ بَيْنَهُ وَبَيْنَ ٱلْجِنَّةِ نَسَباً﴾ [الصافات: ١٥٨]. وأصله كله الاستتار. وقال شهر بن حوشب: "كان إبليس من الجن الذين طردتهم الملائكة في الأرض حين أفسدوا فأسره بعض الملائكة، فذهب به إلى السماء". وهذا غير معروف. وقال سعد بن مسعود: "سما إبليس من الأرض وهو صغير، فكان مع الملائكة فتعبد، فلما أمر بالسجود لآدم امتنع فذلك قوله ﴿كَانَ مِنَ ٱلْجِنِّ﴾ [الكهف: ٥٠]. وقال ابن زيد: "إبليس أبو الجن، كما أن آدم أبو الإنس". وروى عكرمة عن ابن عباس أن الله خلق خلقاً فقال: "اسجدوا لآدم فأبوا فأحرقهم، ثم [خلقَ خَلقاً] آخر فأبوا فأحرقهم ثم خلق هؤلاء فسجدوا إلا إبليس كان من أولئك الذين أبو السجود لآدم". والسجود الذي أمروا به إنما هو على جهة التحية، لا على جهة العبادة. وقيل: أمروا بذلك إكراماً له. وقيل: معناه: اسجدوا إليه كما يسجد إلى الكعبة فجعل قبلة إكراماً له. وروي عن ابن عباس وابن مسعود وغيرهما من الصحابة أن آدم ﷺ استوحش في الجنة قبل أن تخلق حواء بعد لعن إبليس وخروجه من الجنة، فنام نومة فاستيقظ، فوجد امرأة عند رأسه قد خلقها الله من ضلعه من شقه الأيسر فسألها: من أنت؟ قالت: امرأة. قال: ولِمَ خلقت؟ قالت: لتسكن إلي. فقالت له الملائكة - ينظرون مبلغ علمه -: ما اسمها يا آدم؟ قال: حواء، قالوا: ولِمَ سميت حواء؟ قال: لأنها خلقت من شيء حي. فكان أصلها "حيّاء"، ثم أبدل من الياء واو".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.