الباحث القرآني

قوله: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ كَفَرُواْ سَوَآءٌ عَلَيْهِمْ﴾. هذه الآية نزلت في قوم سبق في علم الله فيهم أنهم لا يؤمنون، فأعلم الله نبيه ﷺ أن الإنذار لا ينفعهم لما سبق لهم في علمه، وَثَمَّ كفار أُخَر نفعهم الإنذار فآمنوا لما سبق لهم في علم الله سبحانه من الإيمان به، فالآية عامة في ظاهر اللفظ يراد به الخصوص، فهي في من تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن خاصة، ومثله ﴿وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ﴾ [الكافرون: ٣]. وذلك أن رسول الله ﷺ كان حريصاً على إيمان جميع الخلق، فأعلمه الله عز وجل في هذه الآية أن من سبق له في علم الله [سبحانه الكفر والثبات عليه] إلى الموت لا يؤمن ولا ينفعه الإنذار، وأن الإنذار وتركه سواء عليه. وهذا مما يدل على ثبات القدر بخلاف ما تقوله المعتزلة. وقيل: نزل ذلك في قادة الأحزاب، وهم الذين نزل فيهم ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى ٱلَّذِينَ بَدَّلُواْ نِعْمَةَ ٱللَّهِ كُفْراً﴾ [إبراهيم: ٢٨] الآية. وهم الذين قتلوا يوم بدر، قال ذلك الربيع بن أنس. وقال ابن عباس: "نزلت في اليهود الذين جحدوا بمحمد ﷺ استكباراً وحسداً مع معرفتهم أنه نبي ﷺ". وروى أبو صالح عن ابن عباس أنه قال: "حيي بن أخطب، وكعب بن الأشرف مع أصحابهما من رؤساء اليهود الذين دخلوا على النبي [عليه السلام] وسألوه عن ﴿الۤـمۤ * ذَلِكَ ٱلْكِتَابُ﴾". وقيل: هي عامة في كل كافر تقدم له في علم الله أنه لا يؤمن. وأصل الكفر التغطية. ومنه قيل لِلّيل: كافر، لأنه يستر بظلمته ما فيه. ويقال للزراع: كفّار، لأنهم يسترون الحب في الأرض، ومنه قوله ﴿يُعْجِبُ ٱلزُّرَّاعَ﴾ [الفتح: ٢٩]. ومنه قولهم: "كَفّارَةُ اليمين". لأنها تستر الإثم عن الحالف، ومنه سمي الكافر لأنه يستر الإيمان بجحوده. ومعنى لفظ الاستفهام في ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾ للتسوية، وهو في المعنى خبر، لكن التسوية تجري في اللفظ مجرى لفظ الاستفهام، والمعنى [على الخبر]، تقول: "سواء عليَّ أقمت أم قعدت. وإنما صار لفظ التسوية مثل لفظ الاستفهام للمضارعة التي بينهما، وذلك أنك إذا قلت: "قد علمت أزيد في الدار أم عمرو"، فقد سويت علم المخاطب فيهما، فلا يدري أيهما في الدار، وقد اسْتَوَى علمك في ذلك، وتدري أحدهما في الدار ولا تدريه بعينه. فهذا تسوية. وتقول في الاستفهام: "أزيد في الدار أم عمرو؟"، فأنت لا تدري أيهما في الدار، وقد استوى علمك في ذلك وتدري أن أحدهما في الدار، ولا تدري عينه منهما، فقد صار الاستفهام كالتسوية في عواقب الأمور، غير أن التسوية إبهام على المخاطب وعلم يقين عند المتكلم، والاستفهام إبهام على المتكلم. ويجوز أن يكون المخاطب مثل المتكلم في ذلك، ويجوز أن يكون عنده يقين ما سئل عنه. فاعرف الفرق بينهما. * * * وقوله: ﴿ءَأَنذَرْتَهُمْ﴾، فيه عشرة أوجه. - الأول: تحقيق الهمزة الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف. وهي لغة قريش وكنانة، وهي قراءة ورش عن نافع وابن كثير. - والثاني تحقيق الأولى وبدل الثانية بألف، وهو مروي عن ورش وفيه ضعف. - والثالث: تحقيق الهمزيين وهي قراءة أهل الكوفة، وابن ذكوان عن ابن عامر. - والرابع: حذف الهمزة الأولى وتحقيق الثانية. وهو مروي عن الزهري، وهي قراءة ابن محيصن، وذلك لأن "أم" تدل على الألف المحذوفة. - والخامس: تحقيقهما جميعاً وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ ابن أبي إسحاق. - والسادس: تحقيق الأولى، وتخفيف الثانية بين الهمزة والألف، وإدخال ألف بينهما. وبذلك قرأ أبو عمرو، وقالون، وإسماعيل بن جعفر عن نافع، وهشام بن عمار عن ابن عامر. - والسابع: ذكره أبو حاتم قال: "يجوز أن تدخل بينهما أيضاً، وتحذف الثانية"، فيصير لفظ هذا الوجه كلفظ الوجه الثاني المذكور. - والثامن: ذكره الأخفش قال: "يجوز أن تخفف الأولى منهما وتحقق الثانية"، ولم يقرأ بهذا أحد، وهو بعيد ضعيف لأن الاستثقال لا يقع في أول الكلام، ولأن الهمزة المخففة بين بين، لا يبتدأ بها إلا أن تريد أن تصل الهمزة بما قبلها وتلقي حركتها على الميم الساكنة قبلها، فهو قياس، وليس عليه عمل. - والتاسع: ذكره أبو حاتم أيضاً قال: "يجوز أن تخفف الهمزتين". وهو بعيد، ولم يقرأ به أحد، وله قياس إذا وصلت كلامك، فتلقي حركة الأولى على الميم الساكنة قبلها، وتخفف الثانية بين بين، وهو بعيد جداً. - والعاشر: ذكره الأخفش أيضاً؛ قال: "يجوز أن تبدل من الأولى هاء، فتقول: "هانْذَرْتَهُمْ". ولم يقرأ به أحد ومخالف للخط، وقياسه في العربية جيد. ويجوز مع بدل الأولى "بهاء" أن تحقق الثانية وأن تخففها، وتدخل بين الهمزة والهاء ألفاً، وأن تحقق الثانية وتدخل بينهما ألفاً، فتبلغ الوجوه إلى أربعة عشر وجهاً.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب