الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
وقوله: ﴿وَلَقَدْ عَلِمْتُمُ ٱلَّذِينَ ٱعْتَدَواْ مِنْكُمْ فِي ٱلسَّبْتِ﴾. قال ابن عباس: "لم يبعث الله قط نبياً إلا عرفه فضل الجمعة وعظمها في السماوات وأن الساعة تقوم فيها، وتشريف الملائكة لها. وبلغت الرسل أممها ذلك، فسمع أكثرهم وأطاع وعرف فضلها. فلما كان موسى أخبر بني إسرائيل بفضلها على الأيام فقالوا: يا موسى، كيف تأمرنا بالجمعة وتفضلها على الأيام، والسبت أفضل لأن كل شيء سبت لله مطيعاً يوم السبت، وخلق الله السماوات والأرض في ستة أيام أولها الأحد وآخرها الجمعة. ويوم السبت كمل الأمر؟ وقالت النصارى لعيسى ﷺ إذ أمرهم بالجمعة وأخبرهم بفضلها: كيف تأمرنا بالجمعة وأول الأيام أفضلها وسيدها، والله واحد، والواحد الأول، والأحد أول؟ فأوحى الله عز وجل إلى عيسى ﷺ أن دَعْهُم والأحد، ولكن ليفعلوا فيه كذا وكذا فلم يفعلوا. وقال لموسى ﷺ كذلك في السبت. وأمرهم أن لا يصيدوا فيه سمكاً ولا غيره، ولا يعملوا فيه عملاً. فكان يوم السبت تظهر فيه الحيتان على وجه الماء فهو قوله: ﴿إِذْ تَأْتِيهِمْ حِيتَانُهُمْ يَوْمَ سَبْتِهِمْ شُرَّعاً وَيَوْمَ لاَ يَسْبِتُونَ لاَ تَأْتِيهِمْ﴾ [الأعراف: ١٦٣] ثم إنهم تناولوها في السبت فلم ينكر بعضهم على بعض، ثم كفوا فلما رأوا العقوبة لا تنزل بهم عادوا وأخذوا. وكان موسى قد حذرهم العقوبة إن تعدوا في السبت، فلما رأوا لا تنزل عليهم عقوبة ظنوا ما قال لهم موسى ﷺ باطلاً، فمسخوا قردة وحيوا ثلاثة أيام وماتوا". قال ابن عباس: "لم يعش مسخ قط أكثر من ثلاثة أيام ولا يأكل ولا يشرب ولا ينسل. وكان الله تعالى قد خلق القردة والخنازير وسائر الخلق في الستة [الأيام التي ذكر، فمسخ أولئك في صور] القردة". قال الحسن: "كانت الحيتان تأتيهم يوم السبت فتبطح بأفنيتهم كأنها المخاض ثم تذهب فلا ترى". قال ابن عباس: "لما طال عليهم أمر الحيتان وإتيانها يوم السبت ولا تأتي في غيره، عمد رجل منهم فأخذ حوتاً يوم السبت فحزمه بخيط وأرسله في الماء وتّدَ له وتداً في الساحل فأوثقه، حتى إذا كان الغد أخذه فأكله، فلما كان السبت الآخر فعل مثل ذلك، فوجد الناس ريح الحيتان، ثم علموا بما فعل ذلك الرجل ففعلوا مثل ما [فعل وأكلوا زمناً طويلاً، ولم] يعجل الله عليهم بالعقوبة حتى صادوا علانية وباعوها في الأسواق. فقالت طائفة من أهل التقوى: "ويحكم اتقوا الله" ونهوهم عما يصنعون. وقالت طائفة أخرى لم يصنعوا مثل ما صنع أولئك: ﴿لِمَ تَعِظُونَ قَوْماً ٱللَّهُ مُهْلِكُهُمْ أَوْ مُعَذِّبُهُمْ عَذَاباً شَدِيداً﴾ [الأعراف: ١٦٤]، فنجى الله الذين ينهون عن السوء ومسخ الفاعلين". واختلف في الذين لم يعملوا ولم ينهوا وقالوا: ﴿لِمَ تَعِظُونَ﴾ الآية. قيل: إنهم نجوا مع الناجين. وقيل: مُسِخُوا مع مَن مسخ. [والسبت أصله] الراحة والهدوء. والسبت ضرب من السير. والسبت [الحلق؛ يقال سَبَتَ رَأسَهُ] حَلَقَهُ. والسبت القطع. وجمعه: "أَسْبُتٌ" و "سَبَتَاتٌ" بالتحريك لأنه اسم. وفي الكثير السبوت والسبات. وقال السدي: "كان الرجل منهم من شهوة الحوت يحفر الحفرة ويجعل نهراً إلى البحر، فيدخله الماء يوم السبت بالحوت، ثم لا يقدر الحوت أن يرجع إلى البحر لقلة الماء، فيصبح يوم [الأحد ويأخذه]. فنهوهم علماؤهم عن ذلك فلم ينتهوا". وروي عن مجاهد أنه قال: "مسخت قلوبهم ولم يمسخوا قردة، وإنما هو مثل ضربه الله كمثل الحمار يحمل أسفاراً". وجميع أهل التفسير على خلاف ذلك لأنهم مسخوا قردة حقيقة. * * * وقوله: ﴿فَقُلْنَا لَهُمْ كُونُواْ قِرَدَةً﴾. هو أمر، وتأويله الخبر. أي: فكوناهم قردة، وهذا هو الأمر الذي يكون به الخلق، فحولهم من خلقة إلى خلقة أخرى، فهو مثل قوله: ﴿إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَآ أَرَدْنَاهُ أَن نَّقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ﴾ [النحل: ٤٠]. ﴿خَاسِئِينَ﴾. أي: مبعدين، أي مطرودين. هذا قول أهل اللغة. وقال مجاهد وقتادة: "خاسئين: صاغرين". وقال الربيع: "أذلة صاغرين". وروي عن ابن عباس: "خاسئاً ذليلاً".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.