الباحث القرآني

﴿لاَّ ذَلُولٌ﴾ لم يذللها العمل فتثير الأرض، ولا تعمل في الحرث. ﴿مُسَلَّمَةٌ﴾: أي: من العيوب. ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: أي: لا بياض. ولولا قولهم: ﴿إِن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ ما اهتدوا إليها أبداً، فوجدوا البقرة عند عجوز عندها يتامى فأضعفت عليهم الثمن، فأتوا موسى ﷺ فأخبروه. فقال لهم: أعطوها رضاها، ففعلوا وذبحوها. وأمرهم موسى ﷺ بعضو منها يضربوا به القتيل ففعلوا. فرجع إليه روحه وسمَّى قاتله ومات فقُتل قاتله، وهو الذي أتى إلى موسى ﷺ يشتكي ويطلب الدية. وروي أن رجلاً صالحاً من بني إسرائيل كان له ابن صغير وله عجلة فأتى بالعجلة إلى غَيْضةٍ وقال "اللهم إني استودعتك هذه العجلة لابني حتى يكبر. فشبت العجلة في الغيضة. وكانت ترعى فيها فلا يقدر عليها أحد؛ تثب على من رامها [فيهرب منها]. فأتى ابن الرجل الصالح بعد موت أبيه ومعه حبل إليها، فخوفه الناس منها، فأقبلت البقرة إليه مذعنة فساقها إلى أمه وكان براً بها. فلم يجد بنو إسرائيل صفة البقرة التي أمروا بذبحها إلا تلك البقرة فاشتروها منه بملء جلدها دنانير. وعن ابن عباس قال: ﴿لاَّ شِيَةَ فِيهَا﴾: لا بياض فيها ولا سواد، ولا حمرة "أي: لونها واحد لا لمعة فيها تخالف لونها وهو الصفرة. قيل: كانت صفراء حتى ظلفها وقرنها أصفران. قال: "وطلبوها فلم يقدروا عليها، وكان رجل من بني إسرائيل من أبر الناس بأبيه، وأن رجلاً مر به ومعه لؤلؤ. يبيعه، وكان أبوه نائماً تحت رأسه المفتاح. فقال الرجل المار للولد البار: تشتري مني هذا اللؤلؤ بسبعين ألفاً؟ قال له الفتى: كما أنت، حتى يستيقظ والدي، وأنا آخذه بثمانين ألفاً. قال له الآخر: أيقظ أباك وهو لك بستين ألفاً، فجعل التاجر يحط له حتى بلغ ثلاثين ألفاً. وزاد الحدث على أن يصبر حتى يستيقظ أبوه حتى بلغ مائة ألف. فلما أكثر عليه حلف ألا يشتريه منه وأبى أن يوقظ أباه، فعوضه الله عز وجل من ذلك اللؤلؤ أن جعل تلك البقرة عنده. فسألوه بيعها فأبى فرفع في سومها فمضوا به إلى موسى، فقالوا: قد أعطيناه ثمنها وأبى أن يبيع. فقال: يا نبي الله: أنا أحق بمالي؟ قال له: نعم أنصفوه، واشتروا منه. فاشتروها منه بوزنها عشر مرات ذهباً". وقيل: ضرب بفخد البقرة الأيمن. وقيل: ضرب بعظم من عظامها. وقيل: بذنبها. وقيل: بلسانها. * * * وقوله: ﴿كَذَلِكَ يُحْيِي ٱللَّهُ ٱلْمَوْتَىٰ﴾. في الكلام حذف واختصار، والتقدير: فضربوه فحيي فقيل لهم: كذلك يحيي الله الموتى ويريكم آياته فاعتبروا. واستدل مالك في رواية ابن القاسم وابن وهب عنه على تصحيح الحكم بالقسامة [بهذا القتيل المذكور ضربوه] ببعضها فحيي وقال: "فلان قتلني"، فَقُتِلَ، بقوله. قال مالك: "فهذا مما يبين القسامة وأن يقبل قول الميت فيقسم عليه". وروي أنه قال: "ابن أخي قتلني" ومات، فَقُتِلَ به ولم يرث عمه. قال عبيدة السلماني: "فسقط ميراث القاتل عمداً ممن قتل [من حينئذ]". وهذه الآية عند مالك تدل على القسامة وعلى قبول قول المقتول: "فلان قتلني"، ويقسم على قوله الأولياء. * * * قوله: ﴿ٱلآنَ جِئْتَ بِٱلْحَقِّ﴾: أي: بينت لنا. وقيل: إنهم عرفوا عند من البقرة لما وصفها، وعلموا أنه ليس يجدون ما وصف لهم إلا في موضع بعينه، فقالوا: الآن جئت بالحق. ولم يريدوا أنك لم تأت بالحق من أول كلامك إلا الساعة، إنما معناه: الآن جئتنا بغاية البيان، لأنهم كانوا مذعنين للذبح ولكنهم شددوا فشدد الله عليهم. * * * قوله: ﴿وَمَا كَادُواْ يَفْعَلُونَ﴾. أي: كادوا أن يضيعوا فرض الله عز وجل لغلائها وكثرة قيمتها. وقيل: أرادوا أن لا يفعلوا خوف الفضيحة وهم قاتلوا المقتول على قول من قال: كانوا ورثة. وقيل: لعزة وجودها على تلك الصفة. وروي عن ابن عباس أنه قال: "مكثوا في طلب البقرة أربعين سنة" وقال طلحة بن مصرف: "لم تخلق تلك البقرة من نتاج، إنما نزلت من السماء". * * * قوله: ﴿فَٱدَّارَأْتُمْ فِيهَا﴾. أي: اختلفتم وتدافعتم في الحكومة. وقيل: في النفس. وقيل: في القتلة. ورجوعها على النفس أولى لتقدم ذكرها. قوله: ﴿ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِّن بَعْدِ ذٰلِكَ﴾. روي عن ابن عباس أنه قال: "لما أخبر المقتول بمن قتله مات، فأنكروا أنهم فعلوا بعد إخباره عنهم، فكذبوا ما رأوا. فذلك قساوة قلوبهم". * * * قوله: ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾. "أَوْ" [للتخيير أي: شبهوهم بقساوة] الحجارة أو بأشد منها، لأنهم جحدوا بعدما عاينوا، فأنتم مخيّرون في تشبيههم. وقيل: معنى ﴿أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً﴾، أي: هو أقسى من الحجارة لأن الحجارة ليس لها ثواب ولا عليها عقاب، وهي تخاف الله عز وجل. روي أن عيسى ابن مريم مر بجبل فسمع منه أنيناً فقال: "يا رب ائذن لهذا الجبل حتى يكلمني". فأذن الله للجبل فكلمه، فسأله عيسى [ﷺ] عن أنينه فقال: سمعت الله يقول: ﴿فَٱتَّقُواْ ٱلنَّارَ ٱلَّتِي وَقُودُهَا ٱلنَّاسُ وَٱلْحِجَارَةُ﴾ [البقرة: ٢٤] فخفت أن أكون من تلك الحجارة". وقيل: معناه: فقلوبهم مثل الحجارة أو أشد أي: منها ما هو مثل الحجارة، ومنها ما هو أشد كأنها لا تخرج من هذين القسمين. وقيل: "أو" بمعنى الواو. وقيل: بمعنى: "بل". * * * قوله: ﴿لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ ٱلأَنْهَارُ﴾. هو حجر موسى ﷺ الذي [انفجرت منه] [اثنتا عشرة] عيناً. * * * قوله: ﴿لَمَا يَهْبِطُ مِنْ خَشْيَةِ ٱللَّهِ﴾. هو الجبل الذي جعله الله دكاً إذ تجلى إليه، خرَّ لَهُ. * * * قوله: ﴿لَمَا يَشَّقَّقُ﴾. هو العيون التي تخرج من سائر الجبال. * * * قوله: ﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ﴾. يعني ما أراهم من إحياء الميت ومن العصا والحجر والغمام والمن والسلوى والبحر والطور وغير ذلك. فلم يكونوا قط أعمى قلوباً، ولا أشد قسوة وتكذيباً لنبيهم منهم في ذلك الوقت.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.