الباحث القرآني

قوله: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾. مَن قرأه بالضم، فمعناه عند الزجاج قولاً ذا حسن. وقال الأخفش: "الضم والفتح بمعنى واحد بمنزلة البُخْلُ والبَخَلُ والسُّقْمُ والسَّقَمُ". وقيل: إن مَن قرأ بالفتح فهو نعت لمصدر محذوف. واستقبح المبرد: "مَرَرْتُ بِحَسَنٍ" على إقامة الصفة مقام الموصوف. وقد جاء هذا في القرآن بإجماع، قال الله تعالى: ﴿وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ﴾ [فصلت: ١٠]، ولم يقل: جِبَالاً رَوَاسِيَ. وقال: ﴿أَنِ ٱعْمَلْ سَابِغَاتٍ﴾ [سبأ: ١١]، ولم يقل: "دُرُوعاً سَابِغاتٍ". واختار بعض المتعقبين الضم لأن "الحُسْنَ" الاسم الذي يحوي ما تحته ويعمه، و "الحَسَنُ" إنما هو الشيء الحَسَنُ لا يعم غير ما هو نعت له، والعموم أكمل في المعنى هنا، لأنها وصية بالخير. فَفِعلُه كله، والأمر به أولى مِن فِعل بعضه، والأمر ببعضه دون بعض. وحكى الأخفش: "حُسْنَى"، بغير تنوين. وهو لحن لا يجوز لأنه لا يقال إلا بالألف واللام. * * * وقوله: ﴿وَبِٱلْوَالِدَيْنِ﴾. معطوف على المعنى لأن المعنى: "بأن لا تعبدون" ثم حذفت "أن" مع الحرف، ودل على ذلك إعادة الباء فيما بعده. وهذا الميثاق هو الذي أخذ عليهم إذ أخرجهم كالذر. واليُتْم في الناس من قبل الأب، وفي البهائم من قبل الأم، قاله الأصمعي. ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ﴾: معطوف على المعنى في ﴿لاَ تَعْبُدُونَ﴾، فلذلك أتى بلفظ الأمر لأن صدر الكلام مبني على النهي. ومعنى: ﴿وَقُولُواْ لِلنَّاسِ حُسْناً﴾: "مروهم بقول لا إله إلا الله". رواه الضحاك عن ابن عباس. وقال ابن جريج: "معناه: قولوا صدقاً في أمر محمد ﷺ. وقال سفيان الثوري: "مروهم بالمعروف وانهوهم عن المنكر". وقال قتادة وغيره: "قولوا لهم حسناً من القول". وقال أبو عبيدة: "قولوا حسناً من القول للمسلم والكافر". وقال قتادة: "هي منسوخة بآية السيف". ولا يجوز أن تكون منسوخة إلا على قول مَن قال: إن المعنى: قولوا للجميع حُسْناً من القول. وباقي الأقوال لا يمكن أن تكون فيه منسوخة لأن الأمر بالمعروف لا ينسخ ، والأمر بإظهار الصدق في النبي عليه السلام لا ينسخ. * * * قوله: ﴿آتُواْ ٱلزَّكَاةَ﴾. هي زكاة كانت عليهم تأكلها نار من السماءِ ومن لم تأكل النار زكاته فهو غير مقبول. * * * قوله: ﴿ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِّنْكُمْ﴾. قال ابن عباس: "أعرضوا عما جاء به محمد ﷺ من الفروض إلا قليلاً منهم". وهو خطاب لمن بحضرة رسول الله [عليه السلام]. وقيل: هو إخبار عن أسلافهم، فمعناه: ثم تولى أسلافكم إلا قليلاً منهم، وأنتم الآن معرضون خطاب لمن بالحضرة أي: وأنتم مثل أولئك الذين تولوا من أسلافكم. ودل على هذا التاويل ما بعده من ذكر سفك الدماء أنه إخبار عن أسلافهم ومخاطبة لمن بالحضرة، ولم يسفك من بالحضرة الدماء، ولا أخرج بعضهم بعضاً من ديارهم، إنما ذلك فعل أسلافهم، فكون الكلام كله على سياق واحد أولى وأحسن.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.