الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَمَّآ أَتَاهَا نُودِيَ يٰمُوسَىٰ * إِنِّيۤ أَنَاْ رَبُّكَ﴾ إلى قوله: ﴿بِمَا تَسْعَىٰ﴾. أي: فلما أتى النار موسى، ناداه ربه: يا موسى، إني أنا ربك فاخلع نعليك. قال وهب: خرج موسى نحو النار، فإذا هي في شجرة من العليق. (وبعض أهل الكتاب يقول في عوسجة) فلما دنا، استأخرت عنه، فلما رأى تأخرها عنه، رجع وأوجس في نفسه خيفة، فلما أراد أن يرجع دنت منه ثم كلم من الشجرة، فلما سمع الصوت، استأنس فقال له الله ﴿فَٱخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾ فخلعهما وألقاهما. قال كعب: "كانتا من جلد حمار ميت، فأمر بخلعهما، وأراد الله أن يمسه القدس، وكذلك قال عكرمة وقتادة. وكذلك روي عن النبي ﷺ أنه قال: كانت على موسى يوم كلّمه الله جبة صوف، وكساء صوف، وسراويل صوف، ونعلاه من جلد حمار غير ذكي وقال الحسن: كانتا من جلد بقر، ولكن الله تعالى أراد أن يباشر بقدميه بركة الأرض. وكان قد قدس الوادي مرتين. وكذلك قال ابن جريج. وهذا القول اختيار الطبري، لأن الحديث لم يصح عن النبي ﷺ أنهما من جلد حمار غير ذكي. * * * وقوله: ﴿إِنَّكَ بِٱلْوَادِ ٱلْمُقَدَّسِ﴾. أي: المطهر. وقال ابن عباس: "المقدس": المبارك. وقال مجاهد: ﴿ٱلْمُقَدَّسِ طُوًى﴾: بورك فيه مرتين. ويروى أن موسى ﷺ لما خرج من مدين ومعه امرأته بنت شعيب يريد مصر أخطأ الطريق، وكان ﷺ رجلاً غيوراً، فكان يصحب الناس بالليل، ولا يصحبهم بالنهار، فأخطأ الطريق عند انفراده لما سبق في علم الله من أمره. فرأى ناراً. فقال لأهله امكثوا، إني أبصرت ناراً لعلي آتيكم منها بقبس أو أجد على النار هدى. أي: من يهديني إلى الطريق، وكانت ليلة مظلمة، فلما توجه نحو النار فإذا النار في شجر عناب، فوقف متعجباً من ضوء تلك النار وشدة خضرة تلك الشجرة. فلا شدة النار تغيّر خضرة تلك الشجرة، ولا كثرة ماء الشجرة يغيّر حسن ضوء النار. فلما أتى الشجرة سمع النداء، يا موسى، إني أنا ربك، فاخلع نعليك، وكانتا من جلد حمار ميت. وقال ابن عباس : في معنى "طوى" أن موسى طواه الليل إذ مر به فارتفع إلى أعلى الوادي. فيكون على هذا مصدراً عمل فيه ما هو من غير لفظه. كأنه قال: إنك يا موسى بالواد الذي طويته طوى: أي: تجاوزته فطويته بسيرك. وقال قتادة: معناه: قدس مرتين، أي طهره وهو قول الحسن. وقال مجاهد وابن أبي نجيج: "طوى" اسم الوادي. وروي ذلك أيضاً عن ابن عباس. وقاله ابن زيد. وعن ابن عباس: أنه أمر من الله تعالى لموسى أن يطأ الوادي بقدمه. فالمعنى: اخلع نعليك. طأ الوادي. وقال ابن جبير: معناه: طأ الأرض حافياً كما تدخل الكعبة حافياً. وكذلك روي أيضاً عن مجاهد. ومن فتح الهمزة في "إني أنا" فعلى تقدير: "نودي بأني". ومن كسرها فعلى الاستئناف، لأن النداء وقع على موسى فاستؤنفت "إن بعده، فكسرت. وقيل: كسرت لأنها حكاية بعدها. معناه: القول، لأن نؤدي مثل قيل. ومن صرف "طوى" جعله اسما للوادي مذكراً، فصرفه، وجعله مصدراً. والأكثر في المصدر من هذا أن يكون مكسور الأول مثل ثنى. ومن لم يصرفه جعله اسماً للبقعة. وقيل: هو معدول عن طاوي. كعمر، معدول عن عامر، وقد ذهب الكسائي في صرفه إلى أنه صرف لخفته. وكان حقه ألا ينصرف. ولكن سمع صرفه من العرب. وعلة صرفه قلة حروفه وخفته. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَأَنَا ٱخْتَرْتُكَ فَٱسْتَمِعْ لِمَا يُوحَىۤ﴾. أي: وأنا اجتبيتك لرسالتي، فاستمع لما يوحى وَعِهِ بقلبك، واعمل به. * * * ﴿إِنَّنِيۤ أَنَا ٱللَّهُ لاۤ إِلَـٰهَ إِلاۤ أَنَاْ فَٱعْبُدْنِي﴾. أي: إني أنا المعبود، لا معبود غيري يستحق العبادة فاعبدني. ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾، أي: أقم الصلاة فإنك إذا أقمتها ذكرتني. فتقديره: أقم الصلاة، لأن تذكرني بها، هذا معنى قول مجاهد. وقيل: معناه: أقم الصلاة حين تذكرها. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: "من نسي صلاة فليصلها إذا ذكرها، قال الله عز وجل: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ وزاد فيه قتادة "لا كفارة لها إلا ذلك". وقيل: المعنى: أقم الصلاة لأن أذكرك بالمدح. وقيل: المعنى: أقم الصلاة إذا ذكرتني. وقيل: المعنى: أقم الصلاة لتذكرني فيها. وشاهده أن ابن عباس وأبا عبد الرحمن السلمي قرآ: ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾ بلامين، مشددة الذال. أي: لتذكرني فيها. وقرأ الأعرج وأبو رجا والشعبي: "لِذِكْرَاً" أبدلوا من الياء ألفا. كما يقال: يا غلاماً. ثم قال تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱلسَّاعَةَ آتِيَةٌ أَكَادُ أُخْفِيهَا﴾. أي: إن القيامة جائية أكاد أسترها. وقال ابن عباس معناه: لا أظهر عليها غيري. وقال مجاهد وابن جبير: أكاد أخفيها من نفسي. وقاله قتادة والضحاك. وقرأ ابن جبير بفتح همزة "أخفيها". وكذلك روى عن مجاهد والحسن، بمعنى أظهرها. يقال خفيت الشيء وأخفيته بمعنى: أظهرته. ومنه قيل للنباش المختفي، لأنه يظهر الموتى ويقال: أخفى بمعنى ستر. هذا هو المشهور في كلام العرب. وإنما حسن أن تتأول الآية في قراءة من ضم الهمزة على أخفيها من نفسي - والله لا يخفى عليه شيء - لأنه تعالى خاطب العرب على ما تعرف، وتستعمل فيما بينها من المخاطبات. وقد كان الرجل منهم إذا تبالغ في الخبر عن إخفاء شيء هو له مسر، قال: كدت أخفيه من نفسي. فخوطبوا على أبلغ ما يعقلون. وقيل: إن: "أكاد" بمعنى أريد. وذلك معروف في اللغة. فيكون المعنى أريد أخفيها. أي أسترها لتجزي كل نفس بما تسعى. وقيل: إن تمام الكلام "أكاد" أي: أكاد أن آتي بها، ثم ابتدأ فقال أخفيها أي: ولكني أخفيها لتجزى كل نفس بما تسعى. وقيل: أكاد زائدة. وهو قول الأخفش. قال: ومنه قوله تعالى: ﴿لَمْ يَكَدْ يَرَاهَا﴾ [النور: ٤٠] وإنما هو لم يرها. وقيل: معنى قول من قال: معناها أكاد أخفيها من نفسي، أي من قِبلي ومن عندي. وقيل: إن المعنى أن الله تعالى قد أرسل الرسل بخبر أن الساعة آتية، وكذب بها الأمم فقال: "أكاد أخفيها" أي: أكاد لا أجعل لها دليلاً، فتأتي بغتة. فلم يخفها تعالى ذكره لأنه قد أرسل الرسل ينذرون الناس ويحذرونهم من قيامها، وإنما احتاج العلماء إلى هذه التأويلات، لأن القائل إذا قال: كدت أخفيه "كان معنى قوله: أنه أظهره، فيجب أن يكون معنى "أكاد أخفيها" أظهرها. وذلك صحيح، لأن الله عز وجل قد أظهر علاماتها وأشراطها. واختار النحاس أن يكون المعنى: أن الساعة آتية أكاد "تم الكلام أي: "أكاد آتي بها. ودل "آتية" على "آتي بها". ثم قال "أخفيها" على الابتداء. فصح المعنى، لأنه الله تعالى قد أخفى وقتها. * * * وقوله: ﴿لِتُجْزَىٰ كُلُّ نَفْسٍ بِمَا تَسْعَىٰ﴾ اللام متعلقة بـ "آتية". وقيل: بـ ﴿وَأَقِمِ ٱلصَّلاَةَ لِذِكْرِيۤ﴾. أي: لتثاب كل نفس من المكلفين بما تعمل من خير وشر. و "السعي" العمل. وأجاز أبو حاتم الوقف على "أخفيها". ويبتدئ بلام ﴿لِتُجْزَىٰ﴾ بجعلها لام قسم. وذلك غلط ظاهر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.