الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿وَعَنَتِ ٱلْوُجُوهُ لِلْحَيِّ ٱلْقَيُّومِ﴾ إلى قوله: ﴿زِدْنِي عِلْماً﴾. قال ابن عباس: ﴿عَنَتِ﴾: ذلت أي: استسلمت. وقال مجاهد: ﴿عَنَتِ﴾ خشعت. وقال طلق بن حبيب: هو وضعك جبهتك وأنفك وركبتك وكفيك وأطراف قدميك في السجود. فهذا يراد به أنها عنت في الدنيا، والأقوال غير هذا يراد بها الآخرة. وقال ابن زيد: ﴿عَنَتِ﴾ استأسرت للحي القيوم. أي: صاروا أسارى. وقال الفراء: ﴿عَنَتِ﴾ الوجوه نصبّ وعملته، والعاني الأسير. وهذا قول أهل اللغة، أن العاني الأسير، سمي بذلك لأنه يذل ويخضع. ومنه الحديث: "النساء عندكم عوان"ومنه: افتتحت الأرض عنوة، ومنه: عنيت فلانا. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنْ حَمَلَ ظُلْماً﴾. أي: قد خسر من حمل يوم القيامة شركاً بالله، قاله: قتادة وابن زيد وغيرهما. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ ٱلصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلاَ يَخَافُ ظُلْماً وَلاَ هَضْماً﴾. أي: مَن يؤد الفرائض التي افترض الله عليه، وهو مصدق بالله وملائكته وكتبه ورسله، فلا يخاف ظلماً، أي: لا يخاف أن تحمل عليه سيئات غيره ويعاقب عليها. ﴿وَلاَ هَضْماً﴾ أي: نقصاً من ثوابه. قاله قتادة وغيره. ومن قرأ: فلا يخف بالجزم، جعله نهياً، نهاه الله جل ذكره عن الخوف من أن يصيبه ظلم أو هضم. وقال ابن جريج : ﴿ٱلصَّالِحَاتِ﴾ هنا: الفرائض. وقال الضحاك: ﴿وَلاَ هَضْماً﴾: هو أن يقهر الرجل الرجل بقوته وأصل الهضم، الانتقاص. يقال: هضمني فلان حقي، أي: نقصني، ومنه امرأة هضيم الكشح، أي: ظاهرة البطن. وهذا دواء يهضم الطعام. أي: ينقصه، فيزول ثقله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾. المعنى: كما رغب أهل الإيمان في صالح الأعمال فوعدهم ما وعدهم، كذلك حذر بالوعيد أهل الكفر، فقال: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ قُرْآناً عَرَبِيّاً﴾ أي: أنزلناه بلغتكم أيها العرب لتفهموه. ﴿وَصَرَّفْنَا فِيهِ مِنَ ٱلْوَعِيدِ﴾ أي: وخوفناهم بضروب من الوعيد ﴿لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾ ما فيه من الوعيد أو يحدث لهم ذكراً فينقلبون عما هم مقيمون عليه من الكفر بالله، يعني: أو يحدث لهم القرآن ذكراً. قال قتادة: "ذكرا": ورعاً. وقيل: معناه: أو يحدث لهم شرفاً بإيمانهم به، كما قال: ﴿لَقَدْ أَنزَلْنَآ إِلَيْكُمْ كِتَاباً فِيهِ ذِكْرُكُمْ﴾ أي: شرفكم إن آمنتم به. روي ذلك أيضاً عن قتادة. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَتَعَٰلَى ٱللَّهُ ٱلْمَلِكُ ٱلْحَقُّ﴾ أي: فتعالى الله الذي له العبادة من جميع خلقه، ملك الدنيا والآخرة جميعاً على ما يصفه به المشركون من خلقه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلاَ تَعْجَلْ بِٱلْقُرْآنِ مِن قَبْلِ أَن يُقْضَىٰ إِلَيْكَ وَحْيُهُ﴾. أي: لا تعجل بالقرآن فتقرئه أصحابك أو تقرأه عليهم من قبل أن يقضى إليك وحيه، أي: بيان معانيه فأمر النبي ﷺ ألا يكتب القرآن أو يتلوه على أحد حتى يبينه له، قاله: ابن عباس وقتادة. وقيل: إن النبي ﷺ كان يستعجل القراءة من قبل أن يفرغ جبريل مما يأتيه به، خوف النسيان. ومنه ﴿لاَ تُحَرِّكْ بِهِ لِسَانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ﴾ [القيامة: ١٦]. ﴿وَقُل رَّبِّ زِدْنِي عِلْماً﴾ أي: زدني علماً إلى ما علمتني. أمره الله تعالى أن يسأل ذلك. وذكر ابن وهب أن الحسن قال: أتت امرأة إلى النبي ﷺ فقالت: "إن زوجي لكم وجهي" قال لها: بينكما القصاص، فأنزل الله تعالى: ولا تعجل بالقرآن... الآية. فأمسك النبي ﷺ حتى نزلت: ﴿ٱلرِّجَالُ قَوَّٰمُونَ عَلَى ٱلنِّسَآءِ بِمَا فَضَّلَ ٱللَّهُ بَعْضَهُمْ عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [النساء: ٣٤].
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.