الباحث القرآني

قوله تعالى وجلّ ثناؤه: ﴿قَالَ قَدْ أُوتِيتَ سُؤْلَكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾. أي: قد أعطيتك ما سألت من شرح صدرك وتيسير أمرك، وحل العقدة من لسانك، وتصيير أخيك هارون عوناً لك. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ مَنَنَّا عَلَيْكَ مَرَّةً أُخْرَىٰ﴾. أي: تطولنا عليك قبل هذه المرة مرة أخرى، ثم بيَّن المرة الأخرى ما هي فقال: ﴿إِذْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ أُمِّكَ﴾ أي: إذا ألهمنا أمك. وقيل: كانت رؤيا رأتها. وقيل: بل أوحى إليها ما شاء. وقال ابن إسحاق: لما ولدت أم موسى موسى ﷺ، أرضعته حتى إذا أمر فرعون بقتل من ولد سنته تلك، عمدت إليه، فصنعت به ما أمرها الله تبارك وتعالى. روي أنها رؤيا رأتها، ففعلت ما أمرت به في رؤياها. وكان فرعون يذبح ذكور أولاد بني إسرائيل لأجل أنه بلغه أنه سيكون زوال ملكه وهلاكه على يدي واحد من أولاد بني إسرائيل فخافت أم موسى من فرعون على ولدها. فأراها الله ما أمرها به في منامها، فجعلته في تابوت صغير، ومهدت له فيه، ثم عمدت إلى النيل فقذفته فيه، وهو اليم، فأصبح فرعون في مجلس له كان يجلسه على شفير النيل كل غداة، فبينما هو جالس، إذ مرّ النيل بالتابوت فقذف به، وآسية بنت مزاحم امرأته جالسة إلى جنبه. فقال: إن هذا لشيء [عجيب] في البحر، فآتوني به، فخرج إليه أعوانه حتى جاءوا به ففتح التابوت، فإذا فيه صبي في مهد، فألقى الله عز وجل عليه محبته فعطف عليه نفسه. فهو قوله: ﴿أَنِ ٱقْذِفِيهِ فِي ٱلتَّابُوتِ فَٱقْذِفِيهِ فِي ٱلْيَمِّ فَلْيُلْقِهِ ٱلْيَمُّ بِٱلسَّاحِلِ يَأْخُذْهُ عَدُوٌّ لِّي وَعَدُوٌّ لَّهُ﴾. يعني فرعون. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. أي: حببتك إلى عبادي. وقال عكرمة معناه: إني حسنت خلقك، أي: جعلت لك حسناً وملاحة. وقيل معناه: حببتك إلى [كلِّ] من رآك. وقيل: إن الله جلّ ذكره جعل في موسى عليه السلام ملاحة، فكان لا يراه أحد إلا أحبه واستحلاه ومال قلبه إليه. وذكر ابن الإعرابي عن قتادة في قوله: ﴿وَأَلْقَيْتُ عَلَيْكَ مَحَبَّةً مِّنِّي﴾. قال: ملاحة في عينيك، لا يراك أحد إلا أحبك. وعن عكرمة أنه قال: حسن وملاحة. وقيل معناه: جبلت القلوب على محبتك، اختصاصاً لك. وقال مجاهد: مودة في قلوب المؤمنين. * * * ثم قال: ﴿وَلِتُصْنَعَ عَلَىٰ عَيْنِيۤ﴾ أي: ولتغذى على عيني، قاله قتادة. وقال ابن زيد: معناه: إني جعلتك في بيت الملك تنعم وتترف غذاؤه عندهم غذاء الملك. وقال ابن زيد. معناه: وأنت بعيني إذ جعلتك أمك في التابوت ثم في البحر ثم إذ تمشي أختك. و "اللام" في "ولتصنع" متعلقة بـ "ألقيت" أي: ألقى المحبة لتصنع. ثم قال: ﴿إِذْ تَمْشِيۤ أُخْتُكَ فَتَقُولُ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلَىٰ مَن يَكْفُلُهُ﴾. أي: ولتصنع على عيني حين تمشي أختك. وفي الكلام حذف. والتقدير: إذ تمشي أختك تتبعك حتى وجدتك ثم يأتي من يطلب المراضع لك فتقول: هل أدلكم على من يكفله؟ قال السدي: لما ألقته أمه في اليم، قالت لأخته: قصيه، فلما التقطه آل فرعون، أرادوا له المرضعات، فلم يقبل أحداً من النساء، وجعل النساء يطلبن ذلك لينزلن عند فرعون في الرضاع، وأبى أن يأخذه فقالت أخته: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا لها: إنك قد عرفت هذا الغلام، فدلينا على أهله. قالت: ما أعرفه ولكني إنما قلت: هم للملك ناصحون. ومعنى: يكفله: يضمه إليه ويرضعه. ورويَ أن موسى عليه السلام لما خرج من التابوت بكى وطلب اللبن فطلب له النساء، فلم يقبل أحداً، فشق ذلك على فرعون، واغتم له، وقلق، وجعل يبعث إلى كل مرضعة، ولم يقبل أحداً، فعند ذلك، جاءت أخت موسى ﷺ، فقالت: هل أدلكم على من يرضعه؟ فقيل لها: هاتها، فجاءت بأم موسى، فقبل ثديها، فطابت نفس فرعون ومضت به معها، آمنة عليه مما كانت تخافه، وذلك وعد الله لها، وقوله لها: ﴿إِنَّا رَآدُّوهُ إِلَيْكِ﴾ وهو قوله: ﴿فَرَجَعْنَاكَ إِلَىٰ أُمِّكَ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها﴾ أي رددناك إلى أمك بعد أن كنت في أيدي آل فرعون كي تقرّ عينها، أي: تقرّ عينها بسلامتك من القتل والغرق، ولا تحزن عليك من الخوف ومن فرعون أن يقتلك. قال ابن إسحاق: لما قالت أخت موسى ما قالت، قالوا: هاته، فأتت أمه فأخبرتها، فانطلقت معها حتى أتتهم فناولتها إياه فوضعه في حجرها، وأخذ ثدييها، فسّروا بذلك، وردّوه إلى أمه تكفله، لطفاً من الله لها، وصار موسى وأمه كأنهم من أهل بيت فرعون في الأمان من القتل وغيره. وكان على فراش فرعون وسريره متغذياً بما يتغذى به الملك. وهذا من بديع لطفه، لا إله إلا هو. ويروى عن ابن عباس أنه قرأ: (تقِرِ) بكسر القاف، وهي لغة. * * * ثم قال: ﴿وَقَتَلْتَ نَفْساً فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾. يعني: قتله القبطي إذ استغاثه عليه الإسرائيلي: ﴿فَنَجَّيْنَاكَ مِنَ ٱلْغَمِّ﴾ أي: من غمّك بقتلك النفس إذا أرادوا أن يقتلوك. فخلصناك منهم حين هربت إلى أهل مدين. روى ابن عمر أن النبي ﷺ قال: إنما قتل موسى الذي قتل من آل فرعون خطأ ثم قال: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾ قال ابن عباس: معناه: اختبرناك اختباراً. وعنه ابتليناك ابتلاء. وعن ابن عباس أيضاً: أنه إنجاؤه موسى من القوم. ومن اليم ومن الذبح حين أخذ بلحية فرعون، ومن القتل حين قتل القبطي. وذكر ابن جبير عن ابن عباس حديثاً طويلاً في قصة موسى عليه السلام معناه: أن فرعون تذاكر هو وجلساؤه، ما وعد الله إبراهيم أن يجعل في ذريته أنبياء وملوكاً، فخافوا ذلك فأتمروا بينهم أن يذبح كل مولود ذكر من بني إسرائيل، فذبحوا كل من وجدوا، وتمادوا على ذلك، فقال بعضهم: يوشك أن يفنى بنو إسرائيل لذبحكم الصغار وموت الكبار بآجالهم فتبقون لمباشرة الأعمال والخدمة التي تكفيهم إياها بنو إسرائيل، فأجمعوا رأيهم على أن يقتلوا عاماً ويتركوا عاماً لئلا يفنى بنو إسرائيل، ولئلا يكثروا، فحملت أم موسى هارون في السنة التي لا يذبح فيها أحد فولدته علانية آمنة. وحملت بموسى في العام الثاني، وفيه الذبح، فوقع في قلبها الهم والحزن. قال ابن عباس: فذلك من الفتون مما دخل على موسى في بطن أمه. فأوحى الله تعالى ذكره إليها ألاّ تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليك وجاعلوه من المرسلين. وأمرها إذا ولدته أن تجعله في تابوت، ثم تلقيه في اليم، ففعلت ذلك، ثم أتاها إبليس، فوسوس إليها، وقال: لو ذبح ولدك في بيتك لكنت توارينه وتسترينه كان أحب إليك مما ألقيته بيدك إلى حيتان البحر ودوابه، فانطلق به الماء حتى أوفى به عند فرضة مستقى جواري آل فرعون، فرأينه، فأخذنه، فهممن بفتح التابوت ثم خفن أن يكون في التابوت مال فلا يصدقن عليه ، فمررن به على حاله إلى امرأة فرعون، ففتحت التابوت، فإذا بغلام، فألقى الله عليه منها محبة لم يلق مثلها على أحد، وأصبح فؤاد أم موسى فارغاً من ذكر كل شيء إلا من ذكر موسى، فأتى الذباحون إلى امرأة فرعون ليذبحوه، فصرفتهم حتى تستوهبه من فرعون، فوهبها فرعون إياه، ومنعهم من ذلك. وذلك من الفتون. وذكر ابن عباس، أنها لما أتت به إلى فرعون قالت: قرة عين لي ولك. قال فرعون: يكون لك، وأما أنا فلا حاجة لي فيه. فروي عن النبي ﷺ أنه قال: والذي حلف به، لو أقرّ فرعون أن يكون له قرة عين كما أقرت هي به لهداه الله به كما هدى به امرأته. ولكن الله تعالى حرمه ذلك وروي أن امرأة فرعون كان لها جوار لا تشرب الماء إلا من استقائهن، فأتين يوماً إلى ساحل النيل ليأخذن الماء، فوجدن التابوت، فاتفقن على أن لا يفتحن التابوت، وأن يمضين به إلى مولاتهن على حاله، فذهبن به إلى امرأة فرعون ففتحته، فوجدت فيه صبياً لم تر مثله قط، فألقى الله في قلبها المحبة له، فأخذته ودخلت به على فرعون، وقالت له: قرة عين لي ولك فقال فرعون: أما لك فنعم، وأما لي، فلا. قال النبي ﷺ: لو قال فرعون نعم هو قرة عين لي لآمن فقالت له: فهبه لي، لا تقتله. فوهبه لها، فطلبت له المراضع فلم يقبل على ثدي امرأة، وكان من أمره ما قص الله علينا. قال ابن عباس في حديث طويل معناه: أن امرأة فرعون طلبت له الرضاعة، فلم يقبل على ثدي أحد فغمّها ذلك حتى أخرجته إلى السوق تطلب له مرضعة، فأتت أخته فقالت: هل أدلكم على أهل بيت يكفلونه لكم وهم له ناصحون. فأخذوها وقالوا: ما نصحهم له؟ هل تعرفونه، فشكوا في ذلك. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت: نصحهم له وشفقتهم عليه رغبتهم في القرب من فرعون ورجاء منفعته، فتركوها، فانطلقت إلى أمه، فجاءت معها، فلما وضعته في حجرها ترامى إلى ثديها حتى امتلأ جنباه، وانطلقت البشرى إلى امرأة فرعون أن قد وجدنا لابنك مرضعة فوجهت وراءها، وجيء بها وبه فقالت لها: امكثي عندي ترضعين ابني هذا، فإني لم أحب حبه شيئاً قط، فأبت أم موسى وتعاسرت عليها في القيام عندها، وتذكرت ما وعدها الله من رده عليها، وأن الله منجز وعده، بابنها إلى بيتها من يومها، فأنبته الله نباتاً حسناً، فكان بنو إسرائيل يمتنعون من الظلم والسخرة بذمام موسى، فلما ترعرع قالت امرأة فرعون لأم موسى: أرني ولدي، فوعدتها بالإتيان به ليوم بعينه، فقالت امرأة فرعون لخواصها وقهارمتها: لا يبقين أحد منكم إلا استقبل ابني بهدية وكرامة، فلما أتت به أمه، لم تزل الهدية والكرامة والتحف تستقبله من حين خرج من بيت أمه إلى أن دخل على امرأة فرعون، فأكرمته هي أيضاً ونحلته وأعجبها ما رأت من حسن أثرها عليه، وانطلقت به إلى فرعون ليكرمه وينحله، فدخلت به عليه، وجعلته في حجره فتناول موسى لحية فرعون حتى مدها، فقال عدو من أعداء الله لفرعون: هذا من وعد الله إبراهيم أنه سيصرعك ويعلوك فأراد ذبحه. قال ابن عباس: وذلك من الفتون. فقالت امرأته: قد وهبته لي فما بدا لك منه. قال: ألا ترينه يزعم أنه سيصرعني ويعلوني. فقالت: اجعل بيني وبينك أمراً تعرف به الحق. ائت بجمرتين ولؤلؤتين، فقربهن إليه، فإن بطش باللؤلؤتين واجتنب الجمرتين فهو يعقل، وإن تناول الجمرتين ولم يرد اللؤلؤتين [فهو لا يعقل] ففعل ذلك، فتناول الجمرتين، فصرفه الله تعالى عن قتله، فأقام حتى بلغ مبلغ الرجال، وانتفع به بنو إسرائيل وامتنعوا به من السخرة والظلم. فبينما هو يمشي في ناحية من المدينة إذ هو برجلين يقتتلان، أحدهما من آل فرعون، والآخر من بني إسرائيل، فاستغاثه الإسرائيلي على الفرعوني. وقد ضرب الفرعوني الإسرائيلي، فغضب موسى واشتد غضبه لمعرفته لمنزلة الإسرائيلي وظلم الفرعوني له، فوكز موسى الفرعوني فقتله. ولم يرهما أحد إلا الله، فقال موسى ﷺ حين قتله: هذا من عمل الشيطان، ثم استغفر الله من قتله، فغفر له. وأصبح موسى خائفاً يستمع الأخبار، فبحث القوم عن قاتل الفرعوني فما وجدوا أحداً يخبر به. فمر موسى بذلك الإسرائيلي يقاتل رجلاً آخر فرعونياً، فاستغاثه أيضاً الإسرائيلي، فقال موسى للإسرائيلي: إنك لغوي مبين. ثم مد يده للفرعوني ليبطش به، فظن الإسرائيلي أنه إياه يريد، لما سمعه قال: إنك لغوي مبين. فقال: يا موسى، أتريد أن تقتلني كما قتلت نفساً بالأمس، فانطلق الفرعوني إلى قومه، فأخبرهم بما سمع من الإسرائيلي، فخرجوا في طلب موسى. وجاءه رجل من شيعة موسى من أقصى المدينة فاختصر طريقاً حتى سبقهم، فأنذر موسى، قال ابن عباس: وذلك من الفتون. وقال الضحاك: ﴿وَفَتَنَّاكَ فُتُوناً﴾: أي: بلاء على بلاء. وقال مجاهد: هو إلقاؤه في التابوت، ثم في اليم، ثم التقاط فرعون إياه، ثم خروجه خائفاً. قوله تعالى ذكره: ﴿فَلَبِثْتَ سِنِينَ فِيۤ أَهْلِ مَدْيَنَ﴾ إلى قوله: ﴿يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. في الكلام حذف واختصار. والتقدير: وفتناك فتوناً، فخرجت خائفاً إلى مدين، فلبثت سنين فيهم. قال: عشر سنين، كان فيهم في خدمة أجرة مهر زوجته. * * * وقوله: ﴿ثُمَّ جِئْتَ عَلَىٰ قَدَرٍ يٰمُوسَىٰ﴾. أي: جئت للوقت الذي أردنا إرسالك إلى فرعون فيه. هذا معنى قول ابن عباس ومجاهد وقتادة وغيرهم. * * * ثم قال: ﴿وَٱصْطَنَعْتُكَ لِنَفْسِي﴾. أي: قويتك لتبلغ عبادي أمري ونهيي. وقيل معناه: أخبرتك لتبلغ رسالتي. * * * ثم قال: ﴿ٱذْهَبْ أَنتَ وَأَخُوكَ بِآيَاتِي وَلاَ تَنِيَا فِي ذِكْرِي﴾. أي: اذهبا بأدلتي وحججي ولا تفترا ولا تضعفا في أن تذكراني فيما أمرتكما ونهيتكما، فذكركما إياي يقوي عزيمتكما. قال ابن عباس: "لا تنيا": لا تبطئا. وقال مجاهد وقتادة والضحاك: لا تضعفا. وقال ابن زيد: الوافي: الغافل المفرط. * * * ثم قال: ﴿ٱذْهَبَآ إِلَىٰ فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَىٰ﴾. أي: تجاوز في الكفر. ﴿فَقُولاَ لَهُ قَوْلاً لَّيِّناً﴾. أي: كنياه. قاله مجاهد والسدي. وعن السدي أنه قال: قال له موسى عليه السلام: هل لك أن يرد الله عليك شبابك، ويرد عليك مناكحك ومشاربك، وإذا مت دخلت الجنة؟ وتؤمن. فهذا هو القول اللين. فركن فرعون إليه وقال: مكانك حتى يأتي هامان. وقيل: إن فرعون دخل إلى آسية فشاورها فيما قال له موسى. فقالت: ما ينبغي لأحد أن يرد هذا. فقال له هامان: أَتَعبْدُ بعدَما كنُتَ تُعْبَدْ، أنا أردك شاباً. فخضب لحيته بالسواد. فكان فرعون أول من خضب بالسواد. ودخل إلى آسية فقالت له: حسن إن لم ينصل. وقيل: إن موسى عليه السلام قال له: إن ربنا أرسلنا إليك لتؤمن به وتعبده وتطيعه، فينسئ في أجلك أربع مائة سنة، ويملكك في أرضه ولا تبؤس ساعة من نهار، ثم تصير إلى الجنة، لا يضرك ما كنت فيه من نعيم الدنيا وسرورها ونضارتها جناح بعوضة. فقال فرعون: دعوني أستشير فاستشار هامان. فقال له: لا ترض. أبعد أن كنت مالكاً تصير مملوكاً. وبعد أن كنت رباً تصير مربوباً. فلم يؤمن لما سبق له في علم الله من الشقاء. * * * وقوله: ﴿لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَىٰ﴾. قيل: معنى "لعل" هنا الاستفهام. والمعنى: فقولاً له قولاً لينا، فانظرا هل يتذكر فيراجع، أو يخشى الله فيرتدع عن طغيانه. قاله: ابن عباس. وقيل: معنى "لعل" هنا: كي. أي: قولا له قولاً ليناً كي يتذكر. كما تقول: اعمل لعلك تأخذ أجرك. أي: كي تأخذ أجرك. وقال الحسن: "لعله يتذكر" هو إخبار من الله عن قول هارون، وذلك أنه تعالى لما قال له: قولا له قولاً ليناً. قال هارون لموسى: لعله يتذكر أو يخشى. وقيل: إن "لعل" على بابها، ترج وطمع من المرسلين. والتقدير عند سيبويه: اذهبا أنتما على رجائكما وطمعكما ومبلغكما من العلم أن يتذكر، وقد علم الله تعالى أنه لا يتذكر ولا يخشى إلا أن الحجة لا تجب إلا بالإبانة وخروج الفعل إلى الظاهر. وقيل: إن "لعل" و "عسى" في القرآن لم يقعا إلا وقد كانا. فتذكر فرعون وخشيته قد كانت حين أدركه الغرق.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.