الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: ﴿فَتَوَلَّىٰ فِرْعَوْنُ فَجَمَعَ كَيْدَهُ ثُمَّ أَتَىٰ﴾. إلى قوله: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. أي: فأدبر فرعون معرضاً عن موسى وعما جاءه به من الحق، فجمع مكره وسحرته، ثم أتى للموعد. قال لهم موسى لما أتوا: ﴿لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾. ﴿وَيْلَكُمْ﴾ نصب على المصدر. وقيل على إضمار فعل. أي: ألزمكم الله ويلاً. وقيل: نصبه على النداء المضاف. * * * ﴿لاَ تَفْتَرُواْ﴾ أي: لا تختلقوا الكذب على الله. أي: لا تقولوا: إن الذي جئتكم به من عند الله سحر، ﴿فَيُسْحِتَكُم بِعَذَابٍ﴾. قال ابن عباس: معناه: "فيهلككم". وقال ابن زيد: معناه: (فيهلككم هلاكاً ليس فيه بقية). وقال قتادة: "فيستأصلكم بالهلاك". وفيه لغتان: سحته واسحته، إذا أهلكه وأمحقه، وقد قرئ بهما جميعاً. * * * ثم قال: ﴿وَقَدْ خَابَ مَنِ ٱفْتَرَىٰ﴾. أي: خاب من الرحمة والثواب، من اختلق الكذب. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَتَنَازَعُوۤاْ أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾. أي: تنازع السحرة فيما بينهم. قال قتادة: "قال السحرة بعضهم لبعض: إن كان هذا ساحراً، فسنغلبه وإن كان من السماء، فله أمر" وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾. قال وهب: "جمع كل ساحر حباله وعصيه، وخرج موسى، معه أخوه يتكئ على عصاه حتى أتى الجمع، وفرعون في مجلسه، معه أشراف أهل مملكته، فقال موسى للسحرة حين جاءهم: ﴿وَيْلَكُمْ لاَ تَفْتَرُواْ عَلَى ٱللَّهِ كَذِباً﴾ فترادد السحرة بينهم، وقالوا: ما هذا بقول ساحر. وهو قوله: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَىٰ﴾ أي أسر السحرة المناجاة بينهم. وقال وهب: كان سرهم: ﴿إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ﴾ إلى قوله: ﴿مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. وكذلك قال السدي. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالُوۤاْ إِنْ هَـٰذَانِ لَسَاحِرَانِ يُرِيدَانِ أَن يُخْرِجَاكُمْ مِّنْ أَرْضِكُمْ﴾. أي: قالت السحرة في سرهم وتناجيهم: إن موسى وهارون ساحران يريدان أن يخرجاكم من أرضكم بسحرهما. وفي حرف ابن مسعود "إن هذان إلا ساحران": أي: ما هذان يخفف "إن" يجعلها بمعنى ما. ومن شدد "إن" ورفع "هذان"، فقد خرج العلماء فيها سبعة أقوال: فالأول: أن يكون بمعنى نعم. حكى سيبويه أن "إن" تأتي بمعنى أجل. واختار هذا القول المبرد وإسماعيل القاضي والزجاج وعلي بن سليمان. واستبعد الزجاج قراءة أبي عمرو "إن هذين" لمخالفتها للمصحف. وقال علي بن أبي طالب: لا أحصي كم سمعت رسول الله ﷺ على منبره يقول: إن الحمدُ لله نحمده ونستعينه، يعني يرفع الحمد يجعل "إن" بمعنى "أجل". ومعنى: أجل: نعم. ثم يقول: أنا أفصح قريش كلها، وأفصحها بعدي سعيد بن إبان بن العاصي. وكذلك كانت خطباء الجاهلية تفتتح خطبها بـ "نعم"، وكذلك وقعت في أشعارها. قال الشاعر: ؎ قالت غدرت، فقلت: إن وربما ∗∗∗ نال العُلي وشقى الخليل الغادر وقال ابن قيس الرقيات: ؎ بكرت على عواذ لي ∗∗∗ يلحينني وألومهنه ؎ ويقلن شيب قد علاك ∗∗∗ وقد كبرت فقلت إنه وأنشد ثعلب: ؎ ليت شعري هل للمحب شفاء ∗∗∗ من جوى حبهن إن اللقاء. أي: نعم. فهذا قول حسن لولا دخول اللام في الخبر. وقد قيل: إن اللام يراد بها التقديم، وهو أيضاً بعيد، إنما يجوز التقديم في اللام وهي مؤخرة في الشعر. لكن الزجاج قال: التقدير: نعم هذان لهما ساحران. فتكون اللام داخلة على الابتداء في المعنى، كما قال: أم الحليس لعجوز شهربة. وقيل: إن اللام يراد بها التقديم. وقيل: هي في موضعها، و "لعجوز" مبتدأ، وشهربة الخبر، والجملة خبر عن اللام. والقول الثاني: ما حكاه أبو زيد والكسائي والأخفش والفراء أنها لغة لبني الحارث بن كعب، يقولون: رأيت الزيدان ومررت بالزيدان، وأنشدوا. ؎ - فأطرق إطراق الشجاع ولو يرى ∗∗∗ مساغاً لنا باه الشجاع لصمماً وأنشدوا أيضاً: ؎ - تزود منا بين أذناه طعنة على ∗∗∗ رأسه تلقى العظام من الفم. وحكى أبو الخطاب أنها لغة لبني كنانة. وحكى غيره أنها لغة خثعم. وهذا القول قول، حسن، لا نطعن فيه لثقة الناقلين لهذه اللغة، وتواتر نقلهم واتفاقهم على ذلك، وقد نقلها أبو زيد، وكان سيبويه إذا قال حدثني من أثق به، فإياه يعني. ورواه الأخفش، وهو ممن روى عنه سيبويه، وقول سيبويه في ألف التثنية أنها حرف الأعراب، يدل على أن حكمها لا تتغير عن لفظها، كما لا تتغير الدال من زيد، فجاءت في هذه الآية على الأصل، كما جاء "استحوذ" على الأصل. والقول الثالث: قاله الفراء. قال: الألف في "هذان" دعامة، ليست بلام الفعل، فزدت عليها نوناً ولم أغيرها، كما قلت "الذي" ثم زدت عليه نوناً، ولم أغيرها، فقلت "الذين" في الرفع والنصب والجر. والقول الرابع: يحكى عن بعض الكوفيين أن الألف في هذان مشبهة بألف يفعلان، فلم تغير كما لا يغير ألف يفعلان. والقول الخامس: حكاه الزجاج. قال: القدماء يقولون: الهاء مضمرة ها هنا، والمعنى: أنه هذان لساحران، ويعترض هذا القول دخول اللام في الخبر. والقول السادس: قاله ابن كيسان، قال: سألني إسماعيل ابن إسحاق عنها، فقلت: القول عندي، أنه لما كان يقال هذا في موضع الرفع والنصب والجر، وكانت التثنية يجب ألا تغير، أجريت التثنية مجرى الواحد. فقال إسماعيل: ما أحسن هذا، لو تقدمك أحد بالقول به، حتى تؤنس به. فقلت: فيقول القاضي به حتى يؤنس به، فتبسم. والقول السابع: حكاه أبو عمرو وغيره، أنه من غلط الكاتب. روي أن عثمان وعائشة رضي الله عنهما قالا: إن في الكتاب غلطاً ستقيمه العرب بألسنتها. وعنهما: إن في الكتاب لحناً ستقيمه العرب بألسنتها. وهذا القول قد طعن فيه، لأن أصحاب النبي ﷺ قد أجمعوا على صحة ما بين اللوحين، فلا يمكن أن يجتمعوا على غلط. فأما من خفف "إن" فإنه رفع ما بعدها، لنقصها عن وزن الفعل ويجوز أن يكون أعملها مخففة على الثقيلة، كما يعمل الفعل محذوفاً عمله وهو غير محذوف، إلا أنه أتى بـ "هذان"، على الوجوه التي ذكرنا، فأتى بالألف في النصب. فأما من شدد نون "هذان"، فإنه جعل التشديد عوضاً مما حذف من هذا في التثنية. وعن الكسائي والفراء في: "إن هذان" قولان تركنا ذكرهما لبعد تأويلهما في ذلك. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾. أي: يغلبكم على ساداتكم وإشرافكم. يقال للسيد: هو طريقة قومه. ولفظ الواحد والجمع والتثنية سواء. وربما جمعوا فقالوا: هؤلاء طرائق قومهم، أي أشرافهم وساداتهم. ومنه قوله: ﴿كُنَّا طَرَآئِقَ قِدَداً﴾. والمثلى: نعت للطريقة، وهو تأنيث أمثل، وجاز نعت الجماعة بلفظ التوحيد. كما قال: ﴿هُوَ لَهُ ٱلأَسْمَآءُ ٱلْحُسْنَىٰ﴾ [طه: ٨]. ويجوز أن تكون "المثلى" أنثت لتأنيث الطريقة. قال ابن عباس: ﴿بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾ أي أمثلكم، وهم بنو إسرائيل. وقال مجاهد: "أولي العقول والشرف والأنساب". وقال قتادة: "كانت طريقتهم المثلى يومئذ بني إسرائيل، كانوا أكثر الناس عدداً وأموالاً وأولاداً". وقيل: المعنى: ويذهبا بدينكم وسنتكم التي أنتم عليها. وقال ابن وهب: "يذهبا بالذي أنتم عليه من الدين، وقرأ قول فرعون ﴿إِنِّيۤ أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُـمْ﴾ [غافر: ٢٦] قال: فهذا قوله: ﴿وَيَذْهَبَا بِطَرِيقَتِكُمُ ٱلْمُثْلَىٰ﴾. وعن علي بن أبي طالب رضي الله عنه أن المعنى: ويصرفان وجوه الناس إليهما. ويكون التقدير: ويذهبا بأهل طريقتكم، ثم حذف، مثل: ﴿وَسْئَلِ ٱلْقَرْيَةَ﴾ [يوسف: ٨٢]. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾. أي: اعزموا على أمركم واحكموه. هذا على قراءة من همزة وكسر الميم. فأما من فتح الميم ووصل الألف - وهي قراءة أبي عمرو - فمعناه: فاجمعوا كل كيد لكم وحيلة، فضموه مع صاحبه. ويشهد له قوله: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾. وقطع الألف أحسن، لأن السحرة لم يؤمروا بهذا إلا في اليوم الذي اجتمعوا فيه، والوقت الذي أظهروا فيه سحرهم، واستعدوا بما يحتاجون من السحر، فبعيد أن يؤمروا بجمع ما قد جمعوه واستعدوا به، وإنما يؤمر بذلك من لم يجمع ما يحتاج إليه ولم يستعد به، وليس ذلك اليوم إلا يوم استعلاء وفراغ مما يحتاجون إليه من الكيد. ويحسن قطع الألف، لأن معناه: اعزموا على أمركم وأحكموه. وقوله تعالى: ﴿ثُمَّ ٱئْتُواْ صَفّاً﴾. أي: جيئوا المصلى، وهو الموضع الذي يجتمعون فيه يوم الوعيد. فيكون ﴿صَفّاً﴾ مفعولاً بـ ﴿ٱئْتُواْ﴾. ويجوز أن يكون المعنى: ائتوا مصطفين، ليكون أعظم لأمركم، وأشد لهيبتكم، فيكون حالاً. ووحد لأنه مصدر. فهو مصدر في موضع الحال. * * * ثم قال: ﴿وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾. أي: قد ظفر بحاجته اليوم من علا على صاحبه فقهره. قال وهب: "جمع فرعون الناس لذلك الجمع، ثم أمر السحرة فقال: ﴿ٱئْتُواْ صَفّاً وَقَدْ أَفْلَحَ ٱلْيَوْمَ مَنِ ٱسْتَعْلَىٰ﴾، أي: من علا على صاحبه بالغلبة".
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.