الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ إلى قوله: ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾. والمعنى: إن السحرة قالوا لفرعون ﴿إِنَّهُ مَن يَأْتِ رَبَّهُ مُجْرِماً﴾ أي مكتسباً الكفر، فإن له جهنم أي: مأواه [جهنم ومسكنه] جزاء على كفره. ﴿لاَ يَمُوتُ فِيهَا﴾ فتخرج نفسه ﴿وَلاَ يَحْيَىٰ﴾ فتستقر نفسه في مقرها، ولكنها تتعلق بالحناجر. وعلق الإتيان بالله مجازاً في هذا. والمعنى: من يأت موعد ربه" كما قال إبراهيم: ﴿إِنِّي ذَاهِبٌ إِلَىٰ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الصافات: ٩٩] أي: إلى موعد ربي. وليس الإتيان إلى الله إتيان مقاربة منه، لأنه قريب في كل أوان لا يبعده مكان ولا يقربه مكان، ولا يحويه مكان دون مكان، ولا يحتاج إلى مكان لأنه تعالى لم يزل قديماً قبل المكان ولا تجوز صفة القرب بالمكان إلا على الأجسام، لأنها محدثة بعد حدوث المكان، وكان الله ولا مكان. فالإتيان إلى الله إنما هو إتيان من الخلق يوم القيامة إلى ثواب الله وجزائه، وكذلك المعنى فيما كان مثله. * * * ثم قال: ﴿وَمَن يَأْتِهِ مُؤْمِناً قَدْ عَمِلَ ٱلصَّالِحَاتِ﴾. أي: ومن يأت ربه موحداً له قد عمل ما أمره به، وانتهى عما نهى عنه: ﴿فَأُوْلَـٰئِكَ لَهُمُ ٱلدَّرَجَاتُ ٱلْعُلَىٰ﴾ أي: لهم درجات الجنة العلى. ثم بين تلك الدرجات ما هي، فقال: ﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ﴾ أي: جنات إقامة لا ظعن عنها ولا نفاذ لها ولا فناء ﴿تَجْرِي مِن تَحْتِهَا ٱلأَنْهَارُ﴾ أي: تجري من تحت أشجارها ماء الأنهار. خالدين فيها. أي: ماكثين فيها أبداً. * * * ثم قال: ﴿وَذٰلِكَ جَزَآءُ مَن تَزَكَّىٰ﴾. هذه الإشارة بـ "ذلك" هي إلى جميع ما تقدم بعد أولئك. أي: ذلك جزاء مَن تطهر من الذنوب. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَوْحَيْنَآ إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنْ أَسْرِ بِعِبَادِي﴾. أي: أوحينا إلى موسى إذ أبى فرعون أن يستجيب له، أن أسر بعبادي، يعني بني إسرائيل. * * * ﴿فَٱضْرِبْ لَهُمْ طَرِيقاً فِي ٱلْبَحْرِ يَبَساً﴾. أي: اتخذ لهم طريقاً في البحر يبساً. أي: يابساً. وهو مصدر نعت به الطريق. والمعنى: ذا يبس. * * * ثم قال: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً وَلاَ تَخْشَىٰ﴾. أي: لا تخاف من فرعون وجنوده أن يدركوه، ولا تخشى غرقاً من بين يديك. قال ابن جريج: "قال أصحاب موسى: هذا فرعون قد أدركنا وهذا البحر قد غشينا. فأنزل الله تعالى ذكره: ﴿لاَّ تَخَافُ دَرَكاً﴾ من أصحاب فرعون، ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ من البحر وحلاً. وتقديره عن الأخفش: لا تخاف دركاً فيه. ثم حذف "فيه". ومن قرأ ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ بالرفع جعله في موضع الحال من موسى. وقيل: هو نعت لطريق على تقدير: لا تخاف فيه. وقيل: هو مستأنف على معنى: لست تخاف وتخشى، عطف عليه في الوجوه الثلاثة. ومن قرأ: لا تخف بالجزم، جعله جواباً للأمر في قوله: ﴿فَٱضْرِبْ﴾. وقيل: هو جزم على النهي. نهى أن يخاف فرعون. ويكون ﴿وَلاَ تَخْشَىٰ﴾ مقطوعاً من الأول. وأجاز الفراء أن يكون معطوفاً على ﴿لاَّ تَخَافُ﴾ وثبتت الألف في الجزم كما ثبتت الياء والواو وهذا غلط عند جميع البصريين لأن الألف لا تتحرك فيقدر فيها حركة. والياء والواو يتحركان فيجوز أن تقدر فيهما حركة محذوفة. وأيضاً فإن ذلك لا يجوز في الياء والواو إلا في الشعر.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.