الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ إلى قوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: وأي شيء أعجلك يا موسى وتركت قومك خلفك، وذلك أن الله عز وجل أنجى موسى وقومه من فرعون وقطع به البحر وأهلك فرعون وقومه، ووعد موسى ومن معه جانب الطور الأيمن، فتعجل موسى إلى ربه، وترك قومه مع هارون يسير بهم في أثر موسى. وقال ابن إسحاق: وعد الله موسى وقومه بعد أن أنجاه وقومه ثلاثين ليلة وأتمها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة تلقاه فيها بما شاء، واستخلف موسى على قومه هارون ومعه السامري يسير بهم على أثر موسى ليلحقه بهم. فلما كلم الله موسى. قال له: ما أعجلك عن قومك يا موسى. قال هم أولاء على أثري، وعجلت إليك رب لترضى. وقيل: المعنى: أن الله تعالى ذكره وعد موسى أن يأتيه في جماعة من بني إسرائيل، ويترك باقيهم مع هارون. فخرج بجماعة من خيارهم، فتقدمهم موسى إلى الموضع الذي وعد بالإتيان إليه. فلذلك قال له تعالى ذكره ﴿وَمَآ أَعْجَلَكَ عَن قَومِكَ يٰمُوسَىٰ﴾ أي: عن القوم الذين أتوا معك للميعاد. قيل: وعدهم أن يسمعوا كلام الله، فلذلك قال: هم أولاً على أثري أي: قريب، مني سائرون إلي. وإنما تقدمتهم لترضى عني. * * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ فَإِنَّا قَدْ فَتَنَّا قَوْمَكَ مِن بَعْدِكَ وَأَضَلَّهُمُ ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: قد ابتلينا قومك من بعدك بعبادة العجل وإضلال السامري لهم، دعاؤه إياهم إلى عبادة العجل. قيل: إن السامري كان من القبط، آمن بموسى، فترك الإيمان فهو قوله ﴿فَنَسِيَ﴾ أي: فترك العهد، وأكثر الأقوال أنه من بني إسرائيل. وأنه ابن خالة موسى، ويكون قوله: "فنسي" يريد أنه من قول السامري. قال لهم: إن موسى نسي إلهكم عندكم ومضى يطلبه. يريد العجل. وأراد بقوله: "قومك من بعدك" الذين تأخروا مع هارون لا الذين صحبوا موسى ومضوا معه للميقات. وهم الذين اختارهم موسى للميقات، وهم سبعون. فلذلك قال موسى لما أخذتهم الرجفة فماتوا: ﴿أَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلسُّفَهَآءُ مِنَّآ﴾ [الأعراف: ١٥٥]. يعني الذين تأخروا مع هارون وعبدوا العجل. * * * ثم قال: ﴿فَرَجَعَ مُوسَىٰ إِلَىٰ قَوْمِهِ غَضْبَٰنَ أَسِفاً﴾. أي: فانصرف موسى إلى قومه من بني إسرائيل بعد تمام الأربعين ليلة غضبان على قومه لاتخاذهم العجل من بعده. ﴿أَسِفاً﴾ أي: حزيناً لما أحدثوا من الكفر. والأسف: يكون الحزن، ويكون الغضب. ومن الغضب، قوله تعالى: ﴿فَلَمَّآ آسَفُونَا﴾ [الزخرف: ٥٥] أي: أغضبونا. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قَالَ يٰقَوْمِ أَلَمْ يَعِدْكُمْ رَبُّكُمْ وَعْداً حَسَناً﴾. أي: قال موسى عليه السلام لبني إسرائيل لما رجع إليهم غضبانا حزيناً: ألم يعدكم ربكم وعداً حسناً. وذلك الوعد، قوله: ﴿وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحَاً ثُمَّ ٱهْتَدَىٰ﴾. وقيل: وعدهم إنزال التوراة عليهم. وقيل: وعدهم الجنة إذا أقاموا على الطاعة. وقيل: وعدهم أن يسمعهم كلامه . * * * ثم قال: ﴿أَفَطَالَ عَلَيْكُمُ ٱلْعَهْدُ﴾. أي: طال عليكم إنجاز الوعد. * * * وقوله: ﴿فَأَخْلَفْتُمْ مَّوْعِدِي﴾. كان قد وعدوه أن يقيموا على طاعته ويسيروا في أثره للموعد إلى جانب الطور الأيمن، فعبدوا العجل بعده وأقاموا، وقالوا لهارون: ﴿لَن نَّبْرَحَ عَلَيْهِ عَاكِفِينَ حَتَّىٰ يَرْجِعَ إِلَيْنَا مُوسَىٰ﴾. * * * ثم قال تعالى: ﴿مَآ أَخْلَفْنَا مَوْعِدَكَ بِمَلْكِنَا﴾. من ضم الميم في "بملكنا": فمعناه: ما أخلفنا موعدك بسلطاننا. أي: لم نملك الصواب ولا القدرة على ترك الأخلاف، بل كان ذلك خطأ منا. ومن كسر الميم: فمعناه: ما أخلفنا موعدك بأن ملكنا الصواب. ومن فتح الميم فمعناه: بقوتنا. وقيل: هي لغات يرجعن إلى معنى واحد. وقيل: إن هذا من قول الذين لم يعبدوا العجل، أي: لم نملك ردهم عن عبادة العجل، ولا منعهم من ذلك، فتبرءوا منهم واعتذروا. * * * ثم قال: ﴿وَلَـٰكِنَّا حُمِّلْنَآ أَوْزَاراً مِّن زِينَةِ ٱلْقَوْمِ فَقَذَفْنَاهَا﴾. قال ابن عباس: كان مع بني إسرائيل حلي من حلي آل فرعون، فهو الأوزار من زينة القوم، أي قوم فرعون. ويقال: إن بني إسرائيل لما أراد موسى أن يسير بهم ليلاً من مصر بأمر الله، أمرهم أن يستعيروا من أمتعة آل فرعون وحليهم، وقال لهم: إن الله مغنمكم ذلك، ففعلوا، فذلك الزينة الذي حمِّلوا من زينة القوم. * * * وقوله: ﴿فَقَذَفْنَاهَا﴾. أي: في النار لتذوب. * * * وقوله: ﴿فَكَذَلِكَ أَلْقَى ٱلسَّامِرِيُّ﴾. أي: فألقى السامري الحلي مثل ذلك، أي: ألقى ما كان معه من تربة حافر فرس جبريل ﷺ فالكاف في موضع نصب لمصدر محذوف.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.