الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿ٱقْتَرَبَ لِلنَّاسِ حِسَابُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. معناه: دنا حساب الله للناس على أعمالهم ونقمته منهم ﴿وَهُمْ فِي غَفْلَةٍ مُّعْرِضُونَ﴾ يعني: في الدنيا. روى أبو هريرة عن النبي ﷺ أنه قال: "في غفلة في الدنيا وروي أن أصحاب النبي عليه السلام كان يقول بعضهم لبعض كل يوم، ما الخبر؟. أي: ما حدث؟. فمر رجل برجل يبني حائطاً له، فقال له: ما الخبر؟ فقال: نزلت: "اقترب للناس حسابهم وهم في غفلة معرضون". فنزل وترك البناء، فلم يبن ذلك الحائط بعدها. فالمعنى: قرب [من الناس حسابهم] وهم قد غفلوا عما يراد بهم من محاسبة ربهم لهم على أعمالهم. قال ابن عباس: "عنى بذلك الكفار" دليله، قوله: ما يأتيهم من ذكر من ربهم محدث إلا استمعوه وهم يلعبون. ومعنى الآية ما يأتي الكفار. وقال ابن عباس: "اقترب للناس حسابهم" معناه: قرب عذابهم. * * * قوله: ﴿مَا يَأْتِيهِمْ مِّن ذِكْرٍ مِّن رَّبِّهِمْ مُّحْدَثٍ﴾. أي: ما يأتيهم من قرآن يذكرهم الله به ويعظمهم إلا استمعوه وهم يلعبون، لا يعتبرون ولا يتفكرون في وعده ووعيده. ومعنى "محدث" أي: محدث عند النبي ﷺ، لأنه لم يكن يعلمه فعلمه بإنزال جبريل صلى الله عليهما وسلم إياه عليه فهو محدث في علم النبي عليه السلام ومعرفته. غير محدث عند الله تعالى ذكره. وقد قيل: عني بذلك: أن النبي ﷺ كان يذكرهم ويعظهم فتذكيره لهم محدث على الحقيقة. وقال: ﴿مِّن رَّبِّهِمْ﴾ لأنه لا ينطق إلا بما يؤمر به، قال تعالى ذكره: ﴿وَمَا يَنطِقُ عَنِ ٱلْهَوَىٰ﴾ [النجم: ٣] فالله أمره بوعظهم، وتذكيرهم، فلذلك قال: "من ربهم". * * * ثم قال: ﴿لاَهِيَةً قُلُوبُهُمْ﴾. أي: غافلة، لا يتدبرون حكمه ولا يتفكرون فيما أودعه كتابه. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. أي: أسر هؤلاء الناس الذين اقترب حسابهم، النجوى بينهم، أي: أظهروا المناجاة بينهم، فقالوا: هل محمد إلا بشر مثلكم، وهو يزعم أنه رسول من عند الله إليكم. وقيل: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى﴾ أي: قالوا ذلك سراً. وقال أبو عبيدة: "هو من الأضداد". * * * وقوله: ﴿قَالَ رَبِّي يَعْلَمُ ٱلْقَوْلَ فِي ٱلسَّمَآءِ وَٱلأَرْضِ﴾ [الأنبياء: ٤]. الآية يدل على أنه بمعنى أخفوا. * * * ثم قال: ﴿أَفَتَأْتُونَ ٱلسِّحْرَ وَأَنتُمْ تُبْصِرُونَ﴾. زعموا أن محمداً ﷺ وشرف وكرم ساحر، وأن ما جاء به سحر. أي تقبلون ما جاءكم به وهو سحر وأنتم تبصرون أنه بشر مثلكم. وفي الضمير الذي أتى بلفظ الجمع في قوله تعالى: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ مع الكلام على موضع "الذين" من الإعراب ستة أقوال: الأول: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الواو في ﴿وَأَسَرُّواْ﴾. فيكون التقدير: ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾. والثاني: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بابتداء مضمر، والتقدير: "هم الذين ظلموا". والثالث: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ رفعاً بفعلهم. والتقدير: يقول الذين ظلموا هل هذا. والرابع: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ في موضع نصب بإضمار، أعني. والخامس: أن يكون على لغة من جمع الفعل مقدماً، كما حكي: أكلوني البراغيث، وهو قول الأخفش. والسادس: أن يكون ﴿ٱلَّذِينَ ظَلَمُواْ﴾ بدلاً من الناس أو نعتاً. كأنه قال: اقترب للناس الذين ظلموا حسابهم. والوقف على ﴿وَأَسَرُّواْ ٱلنَّجْوَى﴾ حسن على القول الثاني والثالث والرابع.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.