الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى: ﴿قَالُواْ سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ إلى قوله: ﴿فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾. أي: قال الذين سمعوه [حين] قال: ﴿وَتَٱللَّهِ لأَكِيدَنَّ أَصْنَامَكُمْ بَعْدَ أَن تُوَلُّواْ مُدْبِرِينَ﴾، ﴿سَمِعْنَا فَتًى يَذْكُرُهُمْ﴾ أي: يذكرهم بسوء. وقيل: يذكرهم: يسبهم ويعيبهم. ﴿يُقَالُ لَهُ إِبْرَاهِيمُ﴾ أي: يقال له يا إبراهيم. وقيل: التقدير: يقال له: هو إبراهيم، أو المعروف به إبراهيم: ﴿قَالُواْ فَأْتُواْ بِهِ عَلَىٰ أَعْيُنِ ٱلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَشْهَدُونَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض: فجيئوا به على رؤوس الناس لعلهم يشهدون عليه أنه هو الذي فعل هذا. قال قتادة: كرهوا أن يأخذوه بغير بينة. وقيل: معناه: لعلهم يعاينون العقوبة التي تختص به. * * * ثم قال: ﴿قَالُوۤاْ أَأَنْتَ فَعَلْتَ هَـٰذَا بِآلِهَتِنَا يٰإِبْرَاهِيمُ﴾. في الكلام حذف والتقدير: فأتوا به، فلما أتوا قالوا: أأنت فعلت هذا بآلهتنا يا إبراهيم قال لهم: ﴿بَلْ فَعَلَهُ كَبِيرُهُمْ هَـٰذَا فَاسْأَلُوهُمْ إِن كَانُواْ يِنْطِقُونَ﴾ إنه غضب من أن تعبد معه هذه الصغار، وهو أكبر منها فكسرها. وقيل: التقدير: بل فعله كبيرهم هذا، إن كانوا ينطقون فاسألوهم. أي: إن كانت الآلهة المكسرة تنطق، فإن كبيرهم هو الذي كسرهم غضباً أن تعبد معه وهو كبيرهم. وقد أتت الأخبار عن النبي ﷺ أنه قال: إن إبراهيم عليه السلام لم يكذب إلا ثلاث كذبات كلها في الله. قوله تعالى: بل فعله كبيرهم هذا. وقوله: "إني سقيم" وقوله في سارة: "إنها أختي" وهذا عند أهل العلم غير مكروه، لأنه يجوز أن يكون الله تعالى أذن له في ذلك كما أذن ليوسف أن يقول مؤذنه لأخوته "إنكم لسارقون" ولم يكونوا سرقوا شيئاً. وقد خرجَّ العلماء لإبراهيم عليه السلام في هذه الأشياء الثلاثة وجوهاً تخرج إلى غير الكذب. فسارة أخته في الدين، وقوله: "إني سقيم" معناه: مغتم بضلالكم حتى أنا كالسقيم. وقيل معناه: إني سقيم عندكم. وقيل: يجوز أن يكون ناله من ذلك الوقت مرض. وقيل: معناه: إني سأسقم، لأن كل من كان مصيره إلى الموت، فلا بد من أن يسقم. وقيل: لا يكون الكاذب إلا الآثم، وما ليس فيه إثم، فليس بكذب. دل على ذلك قول الملكين ﴿بَغَىٰ بَعْضُنَا عَلَىٰ بَعْضٍ﴾ [ص: ٢٢] ولم يكونا خصمين ولا كان بغي ولكن عرضا بذلك لداود للقصة التي جرت له في المرأة التي تزوجها. وقال المبرد: معناه إذا كنا خصمين فبغى أحدنا على صاحبه فما الحكم؟. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَرَجَعُوۤاْ إِلَىٰ أَنفُسِهِمْ فَقَالُوۤاْ إِنَّكُمْ أَنتُمُ ٱلظَّالِمُونَ﴾. أي: ففكروا حين قال لهم إبراهيم، بل فعله كبيرهم هذا. ورجعوا إلى عقولهم ونظر بعضهم إلى بعض فقالوا إنكم أيها القوم الظالمون هذا الرجل في مسألتكم إياه وقِيلكم له" من فعل هذا بآلهتنا يا إبراهيم". فهذه آلهتكم حاضرة فاسألوها. * * * ثم قال تعالى: ﴿ثُمَّ نُكِسُواْ عَلَىٰ رُءُوسِهِمْ لَقَدْ عَلِمْتَ مَا هَـٰؤُلاۤءِ يَنطِقُونَ﴾. أي: ثم [غلبوا] في الحجة واحتجوا على إبراهيم بما هو حجة له عليهم، فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء الأصنام ينطقون. أي: لا تتكلم فتخبرنا من فعل بها هذا. وقال قتادة: "نكسوا عن رؤوسهم": "انقطعت حجتهم". يقال: نكس الرجل على رأسه إذا انقطعت حجته، كأنه طأطأ رأسه استحياء. وعن قتادة أيضاً أنه قال: "أدركت القوم حيرة سوء"، يعني: حين قال لهم إبراهيم: فاسألوهم إن كانوا ينطقون. وقيل: المعنى: نكسوا في الفتنة والشرك بعد المعرفة: قاله: ابن عباس والسدي فيكون معناه: ثم رجعوا كما عرفوا، وتيقنوا من حجة إبراهيم عليهم السلام. فقالوا: لقد علمت ما هؤلاء ينطقون. * * * ثم قال تعالى: ﴿قَالَ أَفَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ ٱللَّهِ مَا لاَ يَنفَعُكُمْ شَيْئاً وَلاَ يَضُرُّكُمْ﴾. أي: قال إبراهيم لقومه لما أقروا أن آلهتهم لا تنطق، أفتعبدون من دون الله ما لا ينفعكم شيئاً ولا يضركم، لأن من لا ينفع نفسه فيدفع عنها الضرر، فليس ينفع غيره. ثم قال لهم إبراهيم: ﴿أُفٍّ لَّكُمْ﴾. أي: قبحاً لكم، وشراً لكم وللآلهة التي تعبدون من دون الله، أفلا تعقلون خطأكم في عبادتكم ما لا ينفع ولا يضر، وترككم عبادة الذي بيده النفع والضر. وقد تقدم شرح أف في "سبحان". * * * ثم قال تعالى: ﴿قَالُواْ حَرِّقُوهُ وَٱنصُرُوۤاْ آلِهَتَكُمْ إِن كُنتُمْ فَاعِلِينَ﴾. أي: قال بعضهم لبعض، حرقوا إبراهيم بالنار وانصروا آلهتكم إن كنتم ناصريها ولم تريدوا ترك عبادتها. رويَ أن الذي قاله: رجل من أكراد فارس. وروي أن الله تعالى ذِكْرُهُ خَسَفَ به الأرضَ، فهو يتجلجل فيها إلى يوم القيامة. وقال ابن عمر: الذي أشار بذلك، رجل من أعراب فارس. وهم الكرد، فأعراب فارس يقال لهم الكرد. ثم قال تعالى ذكره: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. في الكلام حذف، والتقدير: فأوقدوا له ناراً وألْقوه فيها، فقلنا يا نار كوني برداً وسلاماً. قال السدي: حبسوه في بيت، وجمعوا له حطباً، حتى إن كانت المرأة لتمرض، فتقول: إن عافاني الله، لأجمعن حطباً لإبراهيم. فلما جمعوا وأكثروا، بنوا بنياناً وأوقدوا النار حتى أن الطير لتمر بها فتحترق من شدة وهجها وحرها. ثم عمدوا إلى إبراهيم ﷺ وشرَّف وكرَّم، فَرَفعوه على رأس البنيان، فرفع إبراهيم عليه السلام رأسه إلى السماء فقالت السماء والأرض والجبال والملائكة: ربنا إبراهيم يحرق فيك. فقال جل وعز: أنا أعلم به، وإن دعاكم فأغيثوه. وقال إبراهيم ﷺ حين رفع راسه إلى السماء: اللهم أنت الواحد في السماء وأنا الواحد في الأرض ليس في الأرض من يعبدك غيري حسبي الله ونعم الوكيل. فقذفوه في النار فناداها "يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم". فكان جبريل، هو الذي ناداها". وقال أرقم "إن إبراهيم عليه السلام حين جعلوا يوثقونه ليلقوه في النار قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين، لك الحمد ولك الملك لا شريك لك". قال كعب: "ما انتفع أحد من أهل الأرض يومئذ بنار، ولا أحرقت النار يومئذ شيئاً إلا وثاق إبراهيم عليه السلام. قال ابن عباس: "لو لم يتبع بردها سلاماً لمات إبراهيم من بردها. فلم تبق يومئذ نار في الأرض. إلا طفئت ظنت أنها هي تعنى. فلما طفئت النار، نظروا إلى إبراهيم عليه السلام، فإذا هو ورجل آخر معه، وإذا رأس إبراهيم ﷺ في حجره يمسح عن وجهه العرق. وذكر أن ذلك الرجل هو ملك الظل. وأنزل الله تعالى ناراً فانتفع بها بنو آدم وأخرجوا إبراهيم ﷺ فأدخلوه على الملك نمرود ولم يكن قبل ذلك دخل عليه". قال كعب: ما أحرقت النار منه إلا وثاقه. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: "لولا أنه قال: "وسلاماً" لقتله بردها". قال بكر بن عبد الله: لما أرادوا أن يلقوا إبراهيم في النار، قالت الخليقة: يا رب، خليلك يلقى في النار؟ فأذن لنا حتى ننصره. فقال الله عز وجل: هو خليلي، ليس لي خليل غيره. وأنا إلهه ليس له إله غيري، فإن استغاث بكم فأغيثوه. فجاء ملك القطر فقال: يا رب، إئذن لي فلأطفينها عنه. فقال الله عز وجل هو خليلي ليس لي خليل غيره، وأنا إلهه، ليس له إله غيري إن استغاث بك فأغثه. فقال الله عز وجل: ﴿قُلْنَا يٰنَارُ كُونِي بَرْداً وَسَلَٰماً عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾. فما أحرقت ذلك اليوم عراكاً. وقال قتادة: "كانت الدواب كلها تطفئ عن إبراهيم النار إلا الوزغ". وروي عن إبراهيم ﷺ أنه قال: ما كنت أياماً قط أنعم مني من الأيام التي كنت فيها في النار. ولما رفع عن إبراهيم الطبق ورآه والده يرشح جبينه، قال عند ذلك: نعم الرب ربك يا إبراهيم، فكان ذلك أحسن شيء قاله: أبو إبراهيم. قال: ألقي إبراهيم في النار وهو ابن ست عشرة سنة وذبح إسحاق هو ابن سبع سنين، وكان مذبحه من بيت إيليا على ميلين ولما علمت سارة بما أراد بإسحاق بطنت يومين وماتت في اليوم الثالث. وروى معتمر بن سليمان أن جبريل ﷺ لما جاء إبراهيم وهو يوثق ويقمط ليلقى في النار. قال يا إبراهيم: ألك حاجة؟ قال: أما إليك. فلا. ويروى أن إبراهيم كان في زمان نمرود، فلما كسر إبراهيم ﷺ أصنامهم كما قص الله علينا في كتابه بنى نمرود بناء طوله ثمانون ذراعاً في عرضه أربعون ذراعاً، وأوقد فيه النيران، ثم جعل إبراهيم في منجنيق فقذف به في النار، فقال الله جل ذكره للنار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم فبردت ذلك اليوم، فلم ينتفع بها أحد. ولولا ما قال تعالى "وسلاماً" لآذت إبراهيم ببردها. وروي أن جبريل عليه السلام أتى إبراهيم وهو في المنجنيق، فقال يا إبراهيم، سلني حوائجك، إن كنت تريد أن أجعل الأرض عليهم عاليها سافلها فعلت. فقال إبراهيم عليه السلام: إني رفعت حوائجي إلى الله، ولست أسأل أحداً غيره. فقال جبريل ﷺ: لو كان ينبغي لله أن يتخذ خليلاً، لاتخذك خليلاً. فاتخذ الله إبراهيم خليلاً، فلما رمي إبراهيم في النار، أشرف نمرود ينظر إلى النار فرأى فيها عدة يذهبون ويجيئون، فدعا حاجبه، وفتح بابه، وأدخل عليه أشراف قومه فقال لهم: كم طرحتم في النار؟ فقالوا: إبراهيم وحده. قال فهو هذا معه عدة قد صار الجحيم عليهم مثل الأرض، فركب نمرود حتى أتى النار فصاح: يا إبراهيم، فقال إبراهيم: ما تشاء. قال: إنك لحي، قال نعم والحمد لله. قال: فمن هؤلاء النفر معك؟ قال: ملائكة ربي. قال: تقدر أن تخرج؟ قال: نعم. قال: فاخرج. فانفرج له الجحيم فخرج ﷺ وقد زاده الله جمالاً ونوراً. فقال نمرود: إنك لكريم على ربك. فقال إبراهيم: كذا هو لمن أطاعه. فقال نمرود: أتراني إن تقربت إليه بقربان يقبله مني؟ فقال إبراهيم: إنما يتقبل الله من المتقين. فذبح نمرود أربعة آلاف كبش. فأكل الناس منها حتى أكل الطير والسباع والهوام. ثم قال يا إبراهيم أرني جند ربك الذي تهددني بهم فقال إبراهيم ﷺ: اللهم أره أضعف جندك. فنزلت سحابة فقال إبراهيم: في هذه جند ربي فقال: أرنيهم. فانتشر منها بعوض فما برح نمرود حتى رأى عظام من حضر من أصحابه، وعظام خيلهم قد أكلتهم البعوض إلا العظام. ثم وقعت واحدة في شفة نمرود السفلى فصاح حتى أمر بها فقطعت، فارتفعت إلى شفته العليا، فاستغاث فقطعت، ثم دخلت في منخره، فما كان يهدأ ليلاً ولا نهاراً. وكان يضرب رأسه بمرزبة من حديد، فأقام في ذلك أربع مائة سنة. وقال الحسن: لما ألقي إبراهيم ﷺ في النار، لم يؤذه حرها، فقالوا: سحرها فما لها حر. ويروى أنهم بنوا له بنياناً ارتفاعه أربعون ذراعاً وطوله على وجه الأرض ثمانون ذراعاً، فأوقدوا فيه النار، ووضعوا إبراهيم عليه السلام في المنجنيق وألقوه في الجحيم، فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم، ولو لم يقل تعالى ذكره "وسلاماً" لمات إبراهيم من البرد في وسط النار، فكان إبراهيم جالساً في النار على زرابية من الجنة. قال الحسن: فلما رأوه لا يؤذيه حرها، قالوا: سحرها. فقال لهم إبراهيم ﷺ: جربوها برجل منكم. فألقوا فيها رجلاً فأكلته. ويروى عنه أنه قال: لما أوثقوه ليلقوه في النار، قال: لا إله إلا أنت سبحانك رب العالمين لك الحمد ولك الملك لا شريك لك. وذكر الشعبي عن عبد الله بن عمر أنه قال: لما ألقي إبراهيم في البنيان والنار، قال حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله: يا نار كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. وقال زيد بن أسلم: قال إبراهيم حين أرادوا أن يلقوه في النار: اللهم أنت إلهي، الواحد في السماء وأنا عبدك الواحد في الأرض حسبي الله ونعم الوكيل. فقال الله تعالى للنار: كوني برداً وسلاماً على إبراهيم. * * * ثم قال: ﴿وَأَرَادُواْ بِهِ كَيْداً فَجَعَلْنَاهُمُ ٱلأَخْسَرِينَ﴾ أي: الهالكين.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.