الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿وَلُوطاً آتَيْنَاهُ حُكْماً وَعِلْماً﴾ إلى قوله: ﴿فَهَلْ أَنتُمْ شَاكِرُونَ﴾. المعنى: وآتينا لوطاً آتيناه حكماً وهو فعل القضاء بين الخصمين وعلماً بأمر دينه. ﴿وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ ٱلْقَرْيَةِ ٱلَّتِي كَانَت تَّعْمَلُ ٱلْخَبَائِثَ﴾، أي: من العذاب الذي نزل بالقرية، وهي قرية سدوم التي بعث لوط إلى أهلها، والخبائث هو إتيان الذكور في أدبارهم وإظهار المنكر في مجالسهم، فأخرجه الله مع ابنتيه ومن آمن إلى الشام حين أراد الله إهلاك قومه، لأنهم كانوا قوم سوء "فاسقين". أي: خارجين عن طاعة الله تعالى مخالفين لأمره. * * * ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾. أي: أنجيناه من العذاب فدخل في الرحمة. وقال ابن زيد: هو دخوله في الإسلام. * * * ﴿إِنَّهُ مِنَ ٱلصَّالِحِينَ﴾. أي: من العاملين بطاعة الله. ثم قال تعالى ذكره: ﴿وَنُوحاً إِذْ نَادَىٰ مِن قَبْلُ﴾. أي: واذكر نوحاً إذ نادى ربه من قبلك. ومن قبل إبراهيم ولوط، وسأل أن يهلك قومه الذين كذبوه فاستجبنا له دعاءه، ونجيناه وأهله. يعني أهل الإيمان من ولده وحلائله من الكرب العظيم، وهو الغرق الذي حل بقومه، وبجميع من في الأرض. * * * ثم قال: ﴿وَنَصَرْنَاهُ مِنَ ٱلْقَوْمِ ٱلَّذِينَ كَذَّبُواْ بِآيَاتِنَا﴾. أي: ونصرناه على القوم المكذبين، فأنجيناه منهم وأغرقناهم أجمعين، لأنهم كانوا قوم سوء، يعصون الله، ويكذبون رسوله. فـ "من" بمعنى "على". * * * ثم قال: ﴿وَأَدْخَلْنَاهُ فِي رَحْمَتِنَآ﴾ أي: بالنجاة. وقيل: في الإسلام. "إنه من الصالحين" من العالمين بطاعة الله. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَدَاوُودَ وَسُلَيْمَانَ إِذْ يَحْكُمَانِ فِي ٱلْحَرْثِ إِذْ نَفَشَتْ فِيهِ غَنَمُ ٱلْقَوْمِ﴾. أي: واذكر داود وسليمان حين يحكمان في الحرث. قال قتادة: ذكر لنا أن غنم القوم وقعت في كرم ليلاً. وقال ابن مسعود: كان ذلك الحرث كرماً قد أنبت عناقيده. يقال: نفشت الغنم، إذا رعت ليلاً. فهي نفاش ونفاش ونفش وإذا رعت النهار قيل: سرحت وسَرَبَت وهملت. قال الزهري: النفش بالليل والهمل بالنهار. * * * وقوله: ﴿وَكُنَّا لِحُكْمِهِمْ شَاهِدِينَ﴾ أي: لحكم داود وسليمان والقوم الذين حكما بينهم شاهدين، لا يخفى علينا منه شيء، ولا يغيب. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَفَهَّمْنَاهَا سُلَيْمَانَ﴾ أي: ففهمنا القضية سليمان دون داود، ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾ أي: وكلهم، يعني داود وسليمان والرسل المذكورين في هذه السورة. ﴿آتَيْنَا حُكْماً﴾ يعني النبوة وعلماً بأحكام الله. قال ابن عباس: دخلت الغنم ليلاً، فأفسدت الكرم، فاختصموا إلى داود. فقضى بالغنم لصاحب الكرم، فمروا على سليمان، فأخبروه فقال: كان غير هذا الحكم أرفق بالجميع. فدخل صاحب الغنم، فأخبر داود، فقال لسليمان: كيف الحكم عندك. فقال: يا نبي الله، تدفع الغنم إلى صاحب الحرث، فيصيب من ألبانها وأصوافها وأولادها، وتدفع الكرم إلى صاحب الغنم يقوم به حتى يرجع إلى حاله. فإذا رجع إلى حاله، سلم الكرم إلى صاحبه والغنم إلى صاحبها. وكذلك قال مجاهد وشريح وقتادة وجماعة من الكوفيين يزعمون أن هذا الحكم منسوخ، وأن البهائم إذا أفسدت زرعاً ليلاً أو نهاراً أنه لا يلزم أصحابها شيء . قال: هو منسوخ بقوله ﷺ: "العجماء جبار" ولم يقل بهذا أحد غير أبي حنيفة. وقد حكم بالضمان لما أفسدت البهائم بالليل ثلاثة من الأنبياء: داود وسليمان ومحمد ﷺ. قضى النبي أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب الماشية ما أصابت ماشيتهم بالليل. وقال أبو حنيفة: لا ضمان. ومعنى قوله ﷺ: "جرح العجماء جبار" إنما يعني به ما أصابت البهيمة فلا أرش فيه إذا لم يكن على صاحبها حفظها، لأن العلماء قد أجمعوا على أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، إذ عليه حفظها ولا خلاف فيها إلا خلاف من لا يعد خلافاً. فإذا لزم ما أصابت بيديها الدابة فليس بجبار إلا إذا لم يكن على صاحبها حفظها وتضمين أصحاب الماشية ما أصابت بالليل. وهو قول مالك والشافعي. فالذي يحكم به في مثل هذه القضية في الإسلام أن يقوم ما أفسدته الماشية من الكرم، ويغرمه أرباب الماشية لأهل الكرم، لأن حفظ الليل كان عليهم لازماً، فلما فرطوا ضمنوا الجناية. ويروى أن ناقة للبراء بن عازب رعت نباتاً لقوم، فقضى رسول الله عليه السلام أن على أهل الثمار حفظها بالنهار، وضمن أصحاب المواشي ما أصابت مواشيهم بالليل. وخالف أبو حنيفة هذا الحكم، وزعم أنه منسوخ بقول النبي ﷺ: العجماء جبار. والرواية عند أهل الحديث: العجماء جرحها جبار. وقد أجمع أن على راكب الدابة ما أصابت بيديها، فدل ذلك أن ما أصابت جبار إذا لم يكن صاحبها معها أو قائدها. فخالف أبو حنيفة، في هذا داود وسليمان ومحمداً ﷺ وجميع العلماء. "وجبار" مشتق من جبرت العظم، إذا لامته، وجبرت الرِّجْلَ، إذا نعشته فكان صاحبها يجبر وينعش بإسقاط ما جنته الدابة عنه من غير أن يكون له فيه فعل. ويجوز أن يكون من أجبرت الرجل على الشيء، إذا قهرته عليه، فتكون الدابة كلها مجبرة من حيث عليه أن لا يأخذ في الجناية بشيء. وقد قيل: إن الذي أفسدت الماشية كان زرعاً فقضى فيه سليمان أن يأخذ صاحب الزرع الماشية ينتفع بألبانها. وأصوافها إلى أن يأتي حول ثاني، ويزرع له صاحب الماشية مثل زرعه. فإذا بلغ الحد الذي كان عليه وقت رعته الماشية، دفعه إلى صاحب الزرع، وأخذ ماشيته. وقيل: كانا نبيين يحكمان في وقت بأمر الله ووحيه. فكان داود يحكم بحكم أمره الله به. فيحكم به في الزرع، ثم نسخه الله، فأوحى إلى سليمان نسخه فحكم به في ذلك. فكل حكم بحكم الله تعالى وأمره له. وحكم سليمان ناسخ لحكم داود بأمر الله له ووحيه إليه. ولذلك قال: وكلاً آتينا حكماً وعلماً. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَكُلاًّ آتَيْنَا حُكْماً وَعِلْماً﴾. قال زيد بن أسلم: الحكم، أو الحكمة العقل. وقال مالك: وإنه ليقع بقلبي أن الحكمة، الفقه بدين الله عز وجل، ولين يدخله الله القلوب من رحمته وفضله. * * * ثم قال: ﴿وَسَخَّرْنَا مَعَ دَاوُودَ ٱلْجِبَالَ يُسَبِّحْنَ﴾. أي: يسبحن معه إذا سبح. وقال قتادة: "معنى" يسبحن هنا، يصلين معه إذا صلى. "والطير" يجوز أن يدخلن في التسبيح مع الجبال، وهو الأولى، ويجوز أن يدخلن في التسخير لا غير. * * * ثم قال: ﴿وَكُنَّا فَاعِلِينَ﴾. أي: فاعلين بقدر ما نريد. وقيل: المعنى: وكنا فاعلين للأنبياء مثل هذه الآيات. وقيل: معناه: وكنا قضينا أن نفعل ذلك به في أم الكتاب. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَعَلَّمْنَاهُ صَنْعَةَ لَبُوسٍ لَّكُمْ﴾. أي: وعلمنا لداود صنعة سلاح وهو الدرع هنا. واللبوس في كلام العرب: السلاح كله: الدرع والسيف والرمح وغير ذلك. وكان أول من صنع هذه الحلق والسرد داود. * * * وقوله: ﴿لِتُحْصِنَكُمْ﴾ أي: ليُحرزكم إذا لبستموها، ولقيتم أعداءكم من القتل، فهل أنتم أيها الناس شاكرون الله على نعمه عندكم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.