الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ﴾ إلى قوله: ﴿وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾. المعنى: يا أيها الناس احذروا عقاب الله وأطيعوه إن زلزلة الساعة شيء عظيم. قال ابن جريج: زلزلتها: أشراطها في الدنيا. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الله جل ذكره لما فرغ من خلق السماوات والأرض، خلق الصور، فأعطاه إسرافيل فهو واضعه على فيه، شاخص ببصره إلى العرش ينتظر متى يؤمر. قال أبو هريرة: وما الصور؟ قال النبي ﷺ: قرن. قال: وكيف هو؟ قال: قرن عظيم، ينفخ فيه ثلاث نفخات: الأولى نفخة الفزع، والثانية نفخة الصعق، والثالثة نفخة القيام لرب العالمين جل وعز، يأمر الله إسرافيل بالنفخة الأولى، فيقول انفخ نفخة الفزع، فيفزع أهل السماوات الأرض إلا من شاء الله، ويأمره فيطوِّلُها، فلا يفتر، وهي التي يقول الله عز وجل: ﴿وَمَا يَنظُرُ هَـٰؤُلآءِ إِلاَّ صَيْحَةً واحِدَةً مَّا لَهَا مِن فَوَاقٍ﴾ أي: من راحة. فيسير الله الجبال فتكون سراباً، وترج الأرض بأهلها رجاً، وهي التي يقول الله: ﴿يَوْمَ تَرْجُفُ ٱلرَّاجِفَةُ * تَتْبَعُهَا ٱلرَّادِفَةُ * قُلُوبٌ يَوْمَئِذٍ وَاجِفَةٌ﴾ وتكون الأرض كالسفينة الموبقة تضربها الرياح تُكفأ بأهلها، أو كالقنديل المعلق بالعرش ترجحه الرياح فيميد الناس على ظهرها، فتذهل المراضع، وتضع الحوامل ويشيب الولدان، وتطير الشياطين هاربة حتى تأتي الأقطار فتلقاها الملائكة، فتضرب وجوهها، فترجع، ويولي الناس مدبرين، ينادي بعضهم بعضاً، وهو الذي يقول الله ﴿يَوْمَ ٱلتَّنَادِ * يَوْمَ تُوَلُّونَ مُدْبِرِينَ...﴾ إلى قوله ﴿...هَادٍ﴾ فبينما هم على ذلك إذ تصدعت الأرض من قطر إلى قطر. فرأوا أمراً عظيماً، فأخذهم لذلك من الكرب ما الله أعلم به. ثم نظروا في السماء، فإذا هي كالمهل، ثم خسف شمسها وقمرها، وانتثرت نجومها ثم كشطت عنهم، قال رسول الله ﷺ: والأموات لا يعلمون بشيء من ذلك. فقال أبو هريرة: فمن استثنى الله عز وجل حين يقول: ﴿فَفَزِعَ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ إِلاَّ مَن شَآءَ ٱللَّهُ﴾ قال: أولئك الشهداء، وإنما يصل الفزع إلى الأحياء، أولئك أحياء عند ربهم يرزقون فرحين وقاهم الله فزع ذلك اليوم، وأمنهم، وهو عذاب الله يبعثه على شرار خلقه، وهو الذي يقول جل ذكره: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ...﴾ إلى قوله ﴿...شَدِيدٌ﴾ وقال الحسن: بلغني أن رسول الله ﷺ لما قفل من غزوة العسر، ومعه أصحابه، فقال: ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ ٱلسَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ...﴾ إلى قوله: ﴿...شَدِيدٌ﴾. ثم قال: أتدرون أي يوم ذلك؟ قيل له: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم يقول الله جل ذكره لآدم: قم فابعث بعث النار، فيقول آدم: يا رب، وما بعث النار؟ فيقول: ابعث لكل ألف تسعة وتسعين وتسع مائة إلى النار، وواحد إلى الجنة قال: فاشتد ذلك على الناس حتى لم يبدوا عن واضحة. فلما رأى ما في وجوههم قال لهم: اعملوا وابشروا، فوالله ما أنتم في الناس إلا كالرقمة في ذراع الدابة، أو كالشامة في جنب البعير، إنه لم يكن رسولان إلا وبينهما فترة من جاهلية، وأهل الجاهلية أهل النار بين ظهراني خليقتين لا يعادهم أحد من أهل الأرض إلا كثروهم، يأجوج ومأجوج، وتكملة العدد من المنافقين وروي عن الحسن أنه قال: يخرج من النار رجل بعد ألف عام. فقال الحسن: يا ليتني أنا ذلك الرجل. وقال قوم: يراد بهذا كله يوم القيامة، فمن قال: هو يوم القيامة قال: المعنى: يوم يرون القيامة. ومن قال: هو قبل يوم القيامة قال: المعنى: يوم يرون أشراطها تذهل. وظاهر النص يدل على أن "الهاء" في "ترونها" تعود على الزلزلة. أي: يوم ترون الزلزلة، وذلك من أشراط الساعة، وهو ظاهر النص، لأن يوم القيامة لا حامل فيها ولا مرضعة. إنما ذلك في الدنيا، فهو وقت تظهر فيه الزلازل والأشراط والشدائد الدالة على قيام الساعة فتذهب المرضعات عن أولادها، وتضع الحوامل حملهن لشدة ذلك، وعظيم خوفه وصعوبته ولما يلقى فيه من الهلع والفزع. وقول من قال: هو يوم القيامة يدل عليه ما رواه عمران بن الحصين قال: بينما رسول الله ﷺ في بعض مغازيه وقد فاوت السير بأصحابه إذ نادى رسول الله بهذه الآية ﴿يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ ٱتَّقُواْ رَبَّكُمْ...﴾ فحثوا المطي حتى كانوا حول رسول الله ﷺ فقال: هل تدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: ذلك يوم ينادى آدم يناديه ربه، ابعث بعثة النار من كل ألف تسع مائة وتسع وتسعون إلى النار، وواحد إلى الجنة. قال: فأبلس القوم، فما وضح منهم ضاحك، فقال النبي ﷺ: اعلموا وأبشروا، فإن معكم خليقتين ما كانتا في قوم إلا كثرتاه، فمن هلك من بني آدم ومن هلك من بني إبليس ويأجوج ومأجوج. ثم قال: ألا أبشروا ما أنتم في الناس إلا كالشامة في جنب البعير أو كالرقمة في ذراع الناقة، وكذلك رواه الخدري وأنس بن مالك، فهذا الحديث أصح من الأول طريقاً وزاد الحسن في الحديث أن النبي ﷺ. قال فيه ولم يكن رسولان إلا كان بينهما فترة من الجاهلية، فهم أهل النار، وإنكم بين ظهراني خليقتين لا يعادهما أحد من أهل الأرض إلا كثروهم يأجوج ومأجوج، وهم أهل النار. وتكمل العدة من المنافقين. وقال ابن مسعود: سمعت النبي ﷺ يقول: "أترضون أن تكونوا ربع أهل الجنة؟ قلنا: نعم. فقال: "أترضون أن تكونوا ثلث أهل الجنة؟ قلنا: نعم. قال: فوالذي نفسي بيده إني لأرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، وسأخبركم عن ذلك. إنه لا يدخل الجنة إلا نفس مسلمة، وإن قلة المسلمين في الكفار يوم القيامة كالشعرة السوداء في الثور الأبيض. وكالشعرة البيضاء في الثور الأسود ثم قال تعالى: ﴿يَوْمَ تَرَوْنَهَا تَذْهَلُ كُلُّ مُرْضِعَةٍ عَمَّآ أَرْضَعَتْ﴾. أتت مرضعة بالهاء، لجريانها على الفعل ويجوز مرضع، كما قال: امرأة حائض وطامث وطالق. والأصل: الهاء. ولكن جرى عند سيبويه على معنى شيء حائض وطامث. وقال الفراء: إنما قالوا: حائض وطامث، لأن المذكر لا حظَّ له في هذا الوصف. فلم يحتج إلى هاء في المؤنث. وقالوا: قائم وقائمة، فِأتوا بالهاء في المؤنث لأِنه يقع للمؤنث والمذكر وهذا القول ينتقض على الفراء لأنهم قالوا: ناقة ضامر، وبعير ضامر، وناقة ساغل وبعير ساغل، ورجل عانس وامرأة عانس فلم يدخلوا الهاء في المؤنث، وقد شاركه المذكر في الفعل. وحذف الهاء عند سيبويه في هذا على أصله على تقديره بشيء عانس وساغل ونحوه، وينتقض على الفراء قوله بقولهم: حاضت الجارية وطلقت المرأة. فلو كان حرف الهاء من أجل أنه لا يشترك فيه المذكر مع المؤنث، ولم تدخل علامة التأنيث في حاضت وطمثت وينقض أيضاً قوله في قولهم رجل بالغ وامرأة بالغ، ورجل آثم وامرأة آثم. ومعنى تذهل: تنسى وتترك ولدها من هول ثقل ما ترى وتضع الحامل حملها قبل بلوغ وقته. ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ﴾ من الخوف ﴿وَمَا هُم بِسُكَارَىٰ وَلَـٰكِنَّ عَذَابَ ٱللَّهِ شَدِيدٌ﴾. قالت عائشة رضي الله عنها: كان النبي ﷺ في حجري فقطرت دموعي على خده، فاستيقظ فقال: ما يبكيك؟ فقلت: ذكرت القيامة وهولها. فهل يذكرون أهلهم يا رسول الله؟ فقال: يا عائشة ثلاثة مواطن لا يذكر فيها أحد إلا نفسه، عند الميزان حتى يعلم أيخف ميزانه أم يثقل. وعند الصحف حتى يعلم ما في صحيفته وعند الصراط حتى يجاوزه وروي عن ابن عباس أنه قال: نزلت هاتان الآيتان على النبي ﷺ وهو يسير فكف ثم قرأهما على الناس ثلاثة مرات ثم قال: "يا أيها الناس، أتدرون أي يوم ذلك؟ قالوا: الله ورسوله أعلم. قال: فإنه اليوم الذي يقول الله فيه لآدم: ابعث بعث النار من ولدك. فيقول: أي رب، من كل كم؟ فيقول: من كل ألف تسع مائة وتسعة وتسعون إلى النار وواحد إلى الجنة. قال رسول الله ﷺ: فيسكر الكبير يومئذ من غير شراب، ويشيب الصغير، ثم مضى رسول الله ﷺ حتى نزل ونزل الناس ثم راحوا إلى نبي الله، فقالوا: يا رسول الله، ما سمعنا شيئاً قط أوجع لقلوبنا ولا أشد علينا من شيء حدثتنا به اليوم. فقال لهم رسول الله ﷺ: أبشروا فإني أرجو أن تكونوا شطر أهل الجنة، فإن الأمم عرضت علي فرأيت النبي يأتي في الثمانية رهط ويأتي النبي في الأربعة ويأتي الآخر في الاثنين، حتى رأيت النبي وليس يأتي معه أحد من أمته، حتى رأيت أمة أعجبني كثرتها فقلت أي رب، أمتي هذه؟ فقال: لا، بل هذا موسى ﷺ ومن تبعه، ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها، فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا. بل هذا يونس ومن تبعه. ثم رأيت أمة أخرى أعجبني كثرتها فقلت: أي رب، أمتي هذه؟ قال: لا، بل هذا عيسى ومن تبعه. فقلت: أي رب، فأين أمتي؟ قال لي: انظر، فنظرت قبل طريق مكة فإذا أنا بناس كثير. ثم قال: انظر: فنظرت قبل طريق الشام، فإذا أنا بناس كثير ثم قال: انظر، فنظرت قبل طريق العراق، فإذا أنا بناس كثير، ثم قال: انظر، فنظرت تحتي، فإذا كل شيء ينتغش من الناس من كثرتهم فقلت: أي رب، قد رضيت. قال: فإن مع هذا سبعين ألفاً ليس عليهم حساب ولا عذاب، فقام عكاشة بن محصن الأسدي أخو بني غنم فقال: يا رسول الله، أدع الله أن يجعلني منهم، قال: جعلك الله منهم فقام رجل آخر من الأنصار فقال: يا رسول الله، ادع الله أن يجعلني منهم، فقال: سبقك بها عكاشة وقوله: ﴿وَتَرَى ٱلنَّاسَ سُكَارَىٰ﴾. رجع من مخاطبة الجماعة من الناس إلى مخاطبة النبي ﷺ كما جاز أن يخرج عن مخاطبة النبي ﷺ إلى مخاطبة الجماعة في قوله تعالى: ﴿يٰأيُّهَا ٱلنَّبِيُّ إِذَا طَلَّقْتُمُ﴾.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.