الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدْخِلُ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾ إلى قوله: ﴿وَذُوقُواْ عَذَابَ ٱلْحَرِيقِ﴾. أي: إن الله يدخل المصدقين به وبكتبه ورسله العاملين الطاعات بساتين. "تجري من تحتها الأنهار". أي: من تحت أشجارها. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يُرِيدُ﴾. فيعطي ما شاء من كرامته أهل طاعته. * * * ثم قال: ﴿مَن كَانَ يَظُنُّ أَن لَّن يَنصُرَهُ ٱللَّهُ فِي ٱلدُّنْيَا وَٱلآخِرَةِ﴾. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً عليه السلام في الدنيا والآخرة، "فليمدد بسبب" وهو الحبل "إلى السماء" يعني سماء البيت، وهو سقفه. "ثم ليقطع" السبب. يعني: الاختناق به. "فلينظر هل يذهبن" اختناقه، ذلك ما يغيظ. أي: ما يجد من في صدره من الغيظ. هذا معنى قول قتادة وهو مروي عن ابن عباس أيضاً. وقال ابن زيد معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله محمداً ﷺ، فليقطع ذلك من أصله، من حيث يأتيه النصر، فإن أصله في السماء، فليمدد سببه إلى السماء ثم ليقطع الوحي عن النبي ﷺ ﴿فَلْيَنْظُرْ هَلْ يُذْهِبَنَّ كَيْدُهُ مَا يَغِيظُ﴾. أي: هل يذهب فعله ما يجد في نفسه من غيظ. في نصر الله تعالى محمداً. وقيل: النصر هنا معناه: الرزق. وحكي عن العرب، من ينصرني نصره الله. أي: من يعطني أعطاه الله. فالتقدير على هذا: من كان يظن أن لن يرزق الله محمداً عليه السلام، فليختنق في حبل في سقف بيته ثم لينظر هل يذهب فعله غيظه. وقيل: معناه: من كان يظن أن لن يرزق الله تعالى محمداً فليمدد بسبب إلى السماء، فليقطع رزقه إن كان يقدر، فلينظر هل يذهب كيده غيظه. وكونها عائدة على "من" - وهو قول أبي عبيدة مع طائفة من أهل اللغة - ويكون ينصره بمعنى "ينفعه". وقد قيل: إن "الهاء" تعود على الدين. أي: من كان يظن أن لن ينصر الله دينه، فليفعل ما ذكر. قال ابن عباس: معناه: إن لن ينصر الله محمداً. فالهاء لمحمد عليه السلام. وقال مجاهد: معناه: من كان يظن أن لن يرزقه الله، فليمدد بحبل إلى سارية البيت فليخنق نفسه. فالهاء على هذا لـ "ظن" كأنه قال: من ظن أن الله لا يرزقه، فليقتل نفسه، إذ لا حياة له مع عدم رزق الله له. وقيل: معناه: من كان يظن أن لن ينصر الله نبيه في الدنيا والآخرة وأنه يتهيأ له أن يغلب نبيه أو يزيل عنه النصر الذي يريده الله به. فليطلب سبباً يصل به إلى السماء، فليقطع نصر الله عن نبيه، فلينظر هل يتهيأ له الوصول إلى السماء بكيد وبسبب يحتاله. وهل يتهيأ له أن يقطع النصر عن نبي الله، أو يزيل بكيده وحيلته ما يغيظه من نصر الله لنبيه، فإنما هذا دلالة على ما لا يتهيأ لهم، ولا يقدرون عليه، وفيه إعلام أن النصر لمحمد من عند الله، وتنبيه على أن محمداً منصور لا يغلب. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَكَذٰلِكَ أَنزَلْنَاهُ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ وَأَنَّ ٱللَّهَ يَهْدِي مَن يُرِيدُ﴾ أي: وكما بينت لكم الحجة على من تقدم ذكره، كذلك أنزلت على محمد آيات واضحات يهتدي بها من وفقه الله للحق. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَٱلَّذِينَ هَادُواْ وَٱلصَّابِئِينَ وَٱلنَّصَارَىٰ﴾. أي: إن هؤلاء على اختلاف أديانهم يفصل بينهم الله يوم القيامة، فيدخل المؤمنين الجنة، ويدخل غيرهم النار، فهذا هو الفصل. قال قتادة: "والصابون" قوم يعبدون الملائكة، ويصلون إلى القبلة، ويقرأون الزبور. والمجوس، يعبدون الشمس والقمر والنيران "والذين أشركوا" يعبدون الأوثان. والأديان ستة، خمسة للشيطان وواحد للرحمن. * * * وقوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. أي: شاهد على أعمالهم على اختلاف أديانهم، فإن الثانية تخبر عن الأولى. أي: سدت مسد خبرها، إذ هي داخلة على ابتداء وخبر. والابتداء والخبر يسدان مسد خبر أن في كثير من الكلام. وقيل: لما طال الكلام، صارت الأولى كأنها ملغاة، فأعيدت تأكيداً وتكريراً. والأول أحسن . * * * ثم قال تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ ٱللَّهَ يَسْجُدُ لَهُ مَن فِي ٱلسَّمَٰوَٰتِ وَمَن فِي ٱلأَرْضِ﴾. أي: يخضعون وينقادون لله. وقيل: السجود هنا مما لا يعقل، ومن الموات والكفار إنما هو ظهور أثر الصنعة عليها، والخضوع الذي يدل على أنها مخلوقه. وانقيادها لله وتصريف الله لها فيما شاء. أن يصرفها فهو مجاز وتوسع. وهذا القول لا يصح، لأنه تعالى قد أخبرنا بأن من الحجارة ما يخشى، وأنه سخر مع داود الجبال والطير يسبحن. وهذا لا يمتنع حمله على الحقيقة، ولا يحسن حمله على معنى ظهور الصنعة فيها، لأن ذلك مع غير داود مثل ما هو مع داود. وإذا لم يكن بد من حمله على الحقيقة، حسن حمل السجود في الموات وما لا يعقل على الحقيقة أيضاً. وقيل: سجودها، هو تحول ظلها حين تطلع الشمس وحين تزول، فإذا تحول ظل كل شيء، فهو سجوده. وقال مجاهد: ظلال هذا كله يسجد. وقال أبو العالية: ما في السماء نجم ولا شمس ولا قمر إلا يقع لله ساجداً حين يغيب، ثم لا ينصرف حتى يؤذن له، فيأخذ ذات اليمين. * * * وقوله: ﴿وَكَثِيرٌ مِّنَ ٱلنَّاسِ﴾ يعني: المؤمنين. ﴿وَكَثِيرٌ حَقَّ عَلَيْهِ ٱلْعَذَابُ﴾ يعني ظل الكافر يسجد لله. قاله مجاهد، وهو عنده مع هذا منقاد لله، خاضع وهو ساجد مع ظله، إلا أن سجود ظله ميلانه مع الشمس وسجوده هو انقياده وخضوعه على صحته وسقمه ورزقه ومنعه. وقوله: "وكثير من الناس". قيل: معناه: وكثير من الناس في الجنة بدليل قوله: "وكثير حق عليه العذاب" لأن الجنة ضد النار. ولو قال: "وكثير لا يسجد" لكان المعنى. وكثير من الناس. أي: وكثير من الناس يسجد. وقيل: معنى: "وكثير حق عليه العذاب": وكثير أبى السجود فحق عليه العذاب فيكون الوقف على هذا القول. "وكثير من الناس" ثم يبتدئ: "وكثير حق عليه العذاب" ولهذا المعنى رفع "كثير". وقد عطف على ما عمل فيه الفعل. ولولا هذا المعنى، لكان النصب الاختيار. كما قال: ﴿وَٱلظَّالِمِينَ أَعَدَّ لَهُمْ عَذَاباً أَلِيماً﴾ [الإنسان: ٣١] "فكثير" الثاني: مبتدأ، وليس بمعطوف على الأول، فإنما هو إخبار عن خلق كثير [وجب عليه] العذاب بكفره. وما قبله إخبار عن كثير من الناس يسجدون لله، وهم المؤمنون. [ثم قال] ﴿وَمَن يُهِنِ ٱللَّهُ فَمَا لَهُ مِن مُّكْرِمٍ﴾. أي: ومن يشقه الله فيهينه، فما له من مكرم يكرمه بالسعادة. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يَفْعَلُ مَا يَشَآءُ﴾ يوفق من يشاء لطاعته، ويخذل من يشاء فيكفر. * * * ثم قال تعالى: ﴿هَـٰذَانِ خَصْمَانِ ٱخْتَصَمُواْ فِي رَبِّهِمْ﴾. يعني: الذين تبارزوا يوم بدر. وقد ذكر ذلك في أول السورة. وقال ابن عباس: هم أهل إيمان، وأهل كتاب. اختصموا. قال أهل الكتاب للمؤمنين: نحن أولى بالله، وأقدم منكم كتاباً ونبينا قبل نبيكم. وقال المؤمنون: نحن أحق بالله، آمنا بمحمد ﷺ وبنبيكم وبما أنزل الله من كتاب، وأنتم تعرفون كتابنا ونبينا ثم تركتموه وكفرتم به حسداً. فكان ذلك خصومتهم في ربهم. وقال الحسن: هم الكفار والمؤمنون، اختصموا في ربهم. وكذا قال مجاهد. وقال عكرمة: "هذان" إشارة إلى الجنة والنار. اختصما في ربهما، فقالت النار: خلقني الله لعقوبته. وقالت الجنة: خلقني الله لرحمته. فقد قص عليك من خبرهما ما تسمع. ثم قال تعالى ذكره: ﴿فَٱلَّذِينَ كَفَرُواْ قُطِّعَتْ لَهُمْ ثِيَابٌ مِّن نَّارٍ﴾. أي: قمصاً من نحاس ونار. وقال ابن جبير: ليس في الآنية أشد حراً من النحاس. قال مجاهد: الكافر قطعت له ثياب من نار. والمؤمن يدخله الله جنات تجري من تحتها الأنهار. * * * ثم قال: ﴿يُصَبُّ مِن فَوْقِ رُءُوسِهِمُ ٱلْحَمِيمُ﴾ أي: ماء يغلي. وروى أبو هريرة أن النبي ﷺ قال: إن الحميم ليصب على رؤوسهم فينفذ الجمجمة حتى يخلص إلى جوفه، فيسلت ما في جوفه حتى يبلغ قدميه. وهو قوله: "يصهر به ما في بطونهم". ثم يعاد كما كان. ومعنى يصهر: يذاب ما في بطونهم من الشحوم، وتشوى جلودهم فتتساقط. قال مجاهد وقتادة: يصهر: يذاب. قال ابن عباس: يسقون ماء إذا دخل في بطونهم أذابها والجلود مع البطون. وقال ابن جبير: إذا جاع أهل النار، يعني إذا جاعوا واستغاثوا بشجر الزقوم، فيأكلون منها، فاختلعت جلود وجوههم. فلو أن ماراً مر بهم يعرفهم، لعرف جلود وجوههم فيها. ثم يصب عليهم العطش، فيستغيثون فيغاثون بماء كالمهل، وهو الذي انتهى حره، فإذا أدنوه من أفواههم انشوى من حره لحوم وجوههم التي قد سقطت عنها الجلود، "ويصهر به ما في بطونهم"، أي: يذاب. يمشون في أمعائهم، وتسقط جلودهم ثم يضربون بمقامع من حديد، يسقط كل عضو على حياله، يدعون بالويل والثبور، نعوذ بالله من ذلك. وقال عبد الله بن السري: يأتيه الملك بالإناء يحمله بكلبتين، فإذا أدناه إليه يكرهه، فيرفع الملك بقمعة، فيضرب بها رأسه، فيفلق بها دماغه، فيكفي الإناء في دماغه، فيصير إلى جوفه. فذلك قوله: ﴿يُصْهَرُ بِهِ مَا فِي بُطُونِهِمْ وَٱلْجُلُودُ * وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. * * * وقوله: ﴿وَلَهُمْ مَّقَامِعُ مِنْ حَدِيدٍ﴾. أي: عذاب مقامع أو ضرب مقامع تضربهم بها الخزنة إذا أرادوا الخروج من النار، حتى يرجعوا إليها. * * * وقوله: ﴿كُلَّمَآ أَرَادُوۤاْ أَن يَخْرُجُواْ مِنْهَا﴾ أي: من العذاب، وغم الظلمة. قال الفضيل بن عياض: والله ما طمعوا في الخروج. إن الأيدي والأرجل لموثقة، ولكن يرفعهم لهبها، وتردهم مقامعها. قال سلمان الفارسي: النار سواد مظلمة، لا يضيء لهبها ولا جمرها. قال مالك بن دينار: بلغني أنه إذا أحس أهل النار في النار، بضرب مقامع الحديد، انغمسوا في حياض الحميم، فيذهبون سفالاً سفالاً مقدار أربعين سنة، كما يغرق الرجل فيذهب في الماء سفالاً سفالاً. وروي أن جهنم تجيش فتلقي من فيها إلى أعلى أبوابها، فيريدون الخروج، فتعيدهم الخزان بالمقامع، ويقولون لهم: ذوقوا عذاب الحريق، بمعنى المحروق، كالأليم بمعنى المؤلم. فهو فعيل بمعنى مفعول.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.