الباحث القرآني

جديد: تطبيق «تراث»
قوله تعالى ذكره: ﴿وَلِكُلِّ أُمَّةٍ جَعَلْنَا مَنسَكاً﴾. إلى قوله: ﴿لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: ولكل جماعة سلفت قبلكم من أهل الإيمان جعلنا ذبحاً يهرقون دمه ليذكروا اسم الله [على ما رزقهم] عند ذبحهم إياه. * * * وقوله: ﴿مِّن بَهِيمَةِ ٱلأَنْعَامِ﴾. فخص لأن من البهائم ما ليس من الأنعام، كالخيل والبغال والحمير. وسميت بهائم لأنها لا تتكلم. وقال مجاهد: منسكاً: هو هراقة الدماء. وقال ابن عباس: منسكاً، عيداً. وقال عكرمة: مذبحاً. والمَنْسِك بالكسر موضع الذبح، كالمجلس موضع الجلوس لأن اسم المكان من فعل يفعل المفعل. والمَنْسَك بالفتح: المصدر فيكون معنى قراءة من كسر، ولكل أمة جعلنا موضع ذبح. ومن قرأ بالفتح، فتقديره: ولكل أمة جعلنا أن يتقربوا بذبح الذبائح. وقيل: ﴿مَنسَكاً﴾ متعبداً، وهو ما يعبد الله به. "والمنسك": العبادة والناسك: العابد. وأصل المنسك أن يكون اسم المكان الذي يعبد الله فيه. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ﴾. أي: فإلهكم إله واحد فلا تذكروا معبوداً غيره على ذبائحكم. وقيل: المعنى: فاجتنبوا الرجس من الأوثان واجتنبوا قول الزور. ﴿فَإِلَـٰهُكُمْ إِلَـٰهٌ وَاحِدٌ فَلَهُ أَسْلِمُواْ﴾، أي: اخضعوا بالطاعة. * * * ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُخْبِتِينَ﴾. أي: الخاشعين المطمئنين إلى الله، قاله مجاهد. قال ابن عيينة: "المخبتين": المطمئنين. وقال قتادة: المتواضعين. وقيل: المخبتون: الذين لا يظلمون الناس، وإذا ظلموا لم ينتصروا. والخبت في اللغة: المكان المطمئن المنخفض، والزور: الباطل. وقيل: إنه أريد به في هذا الموضع الكذب. وقيل: المخبتين: المخلصين. * * * ثم قال تعالى: ﴿ٱلَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ ٱللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ﴾. أي: خشعت قلوبهم وجلاً من عقابه. قال ابن زيد: وجلت قلوبهم: لا تقسوا ﴿وَٱلصَّابِرِينَ عَلَىٰ مَآ أَصَابَهُمْ﴾ أي: من شدة في أمر الله. ﴿وَٱلْمُقِيمِي ٱلصَّلاَةِ﴾ "يعني المفروضة" وما رزقناهم ينفقون، أي: يزكون وينفقون على عيالهم. * * * ثم قال: ﴿وَٱلْبُدْنَ جَعَلْنَاهَا لَكُمْ مِّن شَعَائِرِ ٱللَّهِ﴾. أي: هي ما أشعرهم الله به، وأعلمهم إياه من أمر دينه. فبين أن ذبح البدن هو مما أعلمهم الله به من أمور دينه والتقرب إليه به. أي: من إعلام الله، أمركم بنحرها في مناسك حجكم إذا قلدتموها وأشعرتموها. "والبدن" جمع بدنة، كخشبة وخشب، إلا أن الإسكان في "بدن" أحسن، والضم في "خشب" أحسن، لأن بدناً أصله النعت، لأنه من البدانة وهو السمن وخشبة اسم غير نعت. والنعت أثقل من الاسم، فكان إسكانه وتخفيفه أولى من الاسم. "والبدن": الإبل. وإنما سميت بدناً لأجل السمانة والعظم. وقوله: * * * ﴿لَكُمْ فِيهَا خَيْرٌ﴾. أي: أجر في الآخرة بنحرها والصدقة منها وفي الدنيا: الركوب إذا احتيج إلى ركوبها. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا صَوَآفَّ﴾ أي: انحروها واذكروا اسم الله عليها قائمة على ثلاثة تعقل اليد اليسرى. وقال ابن عباس: ﴿فَٱذْكُرُواْ ٱسْمَ ٱللَّهِ عَلَيْهَا﴾ قال: الله أكبر، الله أكبر، اللهم منك ولك. ﴿صَوَآفَّ﴾ قياماً على ثلاثة. وقرأ الحسن والأعرج: صَوَافِي، جمع صافية، ومعناها مخلصين في نحرها لله لا شرك فيها لأحد. وقرأ ابن مسعود: صَوَافِنَ. جمع صافنة، وهي القائمة على ثلاث. وروي عن مجاهد أنه قال: "صواف"، قائمة على أربع مصفوفة. و "صوافن": قائمة على ثلاث. قال قتادة: معقولة اليد اليمنى. وقال مجاهد: "اليسرى". ونحر النبي ﷺ بدنة قياماً. ودل على ذلك قوله: ﴿فَإِذَا وَجَبَتْ جُنُوبُهَا﴾. أي: إذا سقطت على جنوبها. وهو قول: مالك والشافعي وأحمد وأصحاب الرأي. واستحب عطاء أن تنحر باركة معقولة لئلا تؤذي بدمها أحداً. وقد روى جابر أن رسول الله ﷺ وأصحابه، كانوا ينحرون البدنة معقولة اليد اليسرى قائمة على ما بقي من قوائمها. وكان النبي ﷺ يقول إذا ذبح: بسم الله والله أكبر وقوله تعالى: ﴿فَكُلُواْ مِنْهَا﴾. إباحة، لأن المشركين كانوا لا يأكلون من ذبائحهم، فرخص الله للمسلمين في ذلك. ثم قال: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ وَٱلْمُعْتَرَّ﴾. قال ابن عباس: القانع: المستغنى بما أعطيته وهو في بيته، والمعتر: الذي يتعرض لك ويلم [رجاء] أن تعطيه، ولا يسأل. وقال مجاهد: "القانع" جارك، يقنع بما أعطيته. "والمعتر": الذي يتعرض لك، ولا يسألك. وعن ابن عباس: "القانع" الذي يقنع بما عنده ولا يسأل، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك. وقال قتادة: "القانع": المتعفف الجالس في بيته، "والمعتر" الذي يعتريك فيسألك. وقال الحسن: "القانع" السائل، "والمعتر: الذي يتعرض ولا يسأل. وكذلك قال زيد بن أسلم وابن جبير أن القانع: السائل. وعن مجاهد: "القانع" جارك وإن كان غنياً. "والمعتر": الذي يعتريك. وعن زيد بن أسلم أيضاً: "القانع": المسكين الطواف. "والمعتر": الصديق الضعيف الذي يزور. وقال محمد بن كعب القرظي: "القانع": الذي يقنع بالشيء اليسير يرضى به، و "المعتر" الذي يمر بجانبك ولا يسأل شيئاً. وقيل: "القانع" الذي هو فقير لا يسأل. "والمعتر" الفقير الذي يسأل. وعن مجاهد: "القانع": الطامع. "والمعتر" الذي يعتر من غني أو فقير. وقال عكرمة: "القانع": الطامع. وقال ابن زيد: "القانع": المسكين. "والمعتر": الذي يتعرض للحم وليس له ذبيحة، يجيء إلى القوم من أجل لحمهم. وقال مالك: أحسن ما سمعت أن القانع هو الفقير، وأن "المعتر" هو الزائر. يقال: قنع الرجل يقنع قنوعاً، إذا سأل، وقنع يقنع قناعة، إذا رضي "فهو قنع". وقرأ أبو رجاء: ﴿وَأَطْعِمُواْ ٱلْقَانِعَ﴾ على معنى الذي يرضى بما عنده. وقرأ الحسن: ﴿وَٱلْمُعْتَرَّ﴾ وهي لغة فيه، يقال: اعتره واعتراه إذا تعرض لما عنده، وإن طلبه. * * * ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرْنَاهَا لَكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ﴾. أي: هكذا سخرنا لكم البدن لعلكم تشكرون على تسخيرها أيها الناس.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.