الباحث القرآني

قوله تعالى: ﴿لَن يَنَالَ ٱللَّهَ لُحُومُهَا وَلاَ دِمَآؤُهَا﴾ إلى قوله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾. أي: لن يصل إلى الله لحوم هديكم، ولا دماؤها ولكن يناله اتقاؤكم إياه وإرادتكم بها وجهه وتعظيمكم حرماته. وتقديره: لن يتقبل الله لحوم هديكم ولا دماؤها، وإنما يتقبل إخلاصكم لله وتعظيمكم لحرماته. وقيل: المعنى: لن يبلغ رضا الله لحومها ولا دماؤها ولا يرضيه ذلك عنكم، ولكن يبلغ رضاه التقوى منكم، ويرضيه ذلك عنكم. وفي الكلام مجاز وتوسع، إذا أتى "لن ينال الله" في موضع لن يبلغ رضا الله وحَسُنَ ذلك، لأن كل من نال شيئاً فقد بلغه. وقال ابن عباس: كانوا في الجاهلية ينضحون بدم البدن ما حول البيت، فأراد المسلمون أن يفعلوا ذلك فأنزل الله الآية. * * * ثم قال: ﴿كَذٰلِكَ سَخَّرَهَا لَكُمْ لِتُكَبِّرُواْ ٱللَّهَ عَلَىٰ مَا هَدَاكُمْ﴾. أي: هكذا سخر لكم البدن لكي تعظموا الله على توفيقه لكم لدينه والنسك في حجكم. وقيل: معناه: لتكبروا الله على ذبحكم في الأيام المعلومات. ﴿وَبَشِّرِ ٱلْمُحْسِنِينَ﴾ أي: وبشر يا محمد الذين أطاعوا الله فأحسنوا في طاعتهم إياه في الدنيا بالجنة إلى الآخرة. * * * ثم قال تعالى: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ يُدَافِعُ عَنِ ٱلَّذِينَ آمَنُوۤاْ﴾. أي: يصرف عن المؤمنين مرة بعد مرة غائلة المشركين وما يريدون بالمؤمنين. فيكون "يدافع" على معنى: تكرير الفعل من الله، لا على معنى مدافعة اثنين. وهذا كقوله: فيضاعفه له: فيفاعل للتكرير. أي: يضعف له مرة بعد مرة، لا أن ثم فاعلين مثل: قاتل. ومن قرأ. يَدْفَعُ: أراد مرة واحدة. وعدل من يفاعل، لأن أكثر باب المفاعلة أن يكون من اثنين، والله تعالى ذكره، لا يمانعه شيء. وقيل: معناه: أن الله يدفع عن المؤمنين شدائد الآخرة وكثيراً من شدائد الدنيا. * * * ثم قال: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. أي: كل من خان الله فخالف أمره ونهيه، وجحد كتبه ورسله. ومعنى لا يحب كل كفار أي: لا يحب إكرامه وإعزازه، بمعنى لا يريد ذلك كما يريده بالمؤمنين، فعنى الله بهذه الآية دفعه تعالى ذكره كفار قريش عمن كان بين أظهرهم من المؤمنين قبل هجرتهم. و "خوان" فعال: من الخيانة وهو من أبنية المبالغة وكذلك كفور. * * * ثم قال تعالى: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُواْ﴾. أي: أذن الله للذين يقاتلهم المشركون أن يقاتلوهم. ففي الكلام حذف على قراءة من فتح التاء. ومن كسر التاء، فمعناه: أذن الله للذين يقاتلون المشركين في سبيله بالقتال لظلم المشركين لهم: فثم حذف أيضاً. وقرأ ابن عباس: ﴿يُقَاتَلُونَ﴾ بكسر التاء. وقال: هي أول آية نزلت في القتال لما خرج رسول الله ﷺ من مكة. وقال: عنى الله بها محمداً وأصحابه إذ أخرجوا من مكة إلى المدينة. يقول الله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. قال ابن عباس: لما خرج النبي ﷺ من مكة، قال أبو بكر: أخرجوا نبيهم، إنا لله وإنا إليه راجعون، ليهلكن، فأنزل الله: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية. قال أبو بكر الصديق رضي الله عنه: فعرفت أنه سيكون قتال، وكذلك قال الضحاك. وقال ابن زيد: أذن لهم في قتالهم بعدما عفا عنهم عشر سنين. وقرأ: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. وقال: هؤلاء المؤمنين. وقيل: إن هذه الآية إذن للنبي ﷺ بالخروج من مكة وقتال المشركين، لأن الآية نزلت بمكة، وبعقبها خرج النبي من مكة إلى المدينة، ثم بعقب ذلك كانت وقعة بدر، وهو النصر الذي وعدهم الله في قوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. ومعنى: بأنهم ظلموا" أي: لأنهم ظلموا. فمن أجل الظلم الذي لحقهم أذن لهم في قتال من ظلمهم، فأخرجهم من ديارهم ووعدهم بالنصر على من ظلمهم بقوله: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾. وقال مجاهد: الآية مخصوصة، نزلت في قوم خرجوا مهاجرين من مكة إلى المدينة ، فكانوا يمنعون، فأذن الله عز وجل للمؤمنين بقتال الكفار فقاتلوهم حين أرادوا ردهم عن الهجرة. قال مجاهد وقتادة: هي أول آية نزلت في القتال. وقال الضحاك: "كان أصحاب النبي ﷺ أستأذنوه في قتال الكفار بمكة قبل الهجرة فأنزل الله: ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لاَ يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾. فلما هاجر رسول الله وأصحابه إلى المدينة، أطلق الله لهم قتل الكفار وقتالهم فقال: ﴿أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ...﴾ الآية. فالآية ناسخة عند الجميع لكل ما في القرآن من الأمر بالصفح عنهم، والصبر على أذاهم والمنع من قتالهم. وقال ابن زيد: هذا ناسخ لقوله: ﴿وَذَرُواْ ٱلَّذِينَ يُلْحِدُونَ فِيۤ أَسْمَآئِهِ﴾ وخولف في ذلك، لأن هذا تهدد ووعيد، فلا ينسخ. ومعنى: "بأنهم ظلموا" بسبب ظلمهم. * * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ ٱللَّهَ عَلَىٰ نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ﴾ هذا وعد من الله للمؤمنين بالنصر، فقد فعل تعالى ذلك بالمؤمنين، أعزهم ونصرهم، وأعلى كلمتهم. وأهلك عدوهم. * * * ثم قال: ﴿ٱلَّذِينَ أُخْرِجُواْ مِن دِيَارِهِم بِغَيْرِ حَقٍّ﴾. تقديره: أذن للذين أخرجوا من ديارهم بغير حق. فالذين: بدل من الذين الأولى ويجوز أن يكون في موضع رفع على إضمار مبتدأ. أو في موضع نصب على إضمار أعني. وقوله: إلا أن يقولوا."إن": في موضع خفض بدل من حق. هذا قول: الفراء وأبي إسحاق. وقال سيبويه: هي في موضع نصب استثناء ليس من الأول. فمعنى الآية: أذن للذين يقاتلون الذين أخرجوا من ديارهم. يعني من مكة، أخرجهم كفار قريش بغير حق إلا بتوحيدهم الله، وذلك أن كفار قريش كانوا يسبون المؤمنين، ويعذبونهم ويوعدونهم حتى اضطروهم إلى الخروج عنهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَلَوْلاَ دَفْعُ ٱللَّهِ ٱلنَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ﴾. قال ابن جريج: معناه: ولولا دفاع الله المشركين بالمؤمنين. وقال علي بن أبي طالب رضي الله عنه: إنما نزلت هذه الآية في أصحابِ رسول الله ﷺ لولا ما يدفع الله بأصحاب محمد ﷺ عن التابعين لهدمت صوامع وبيع. وقال ابن زيد: المعنى: لولا الجهاد والقتال في سبيل الله. وقال علي بن أبي طالب: نزلت الآية في أصحاب رسول الله ﷺ. فالمعنى: لولا دفاع الله المشركين بأصحاب رسول الله، لهدمت صوامع وبيع. وقيل: معناه: لولا أن الله يدفع أي يأخذ الحقوق والشهادات لمن أوجب قبول شهادته عمن لا يجوز قبول شهادته، فتركوا المظالم من أجل ذلك، لتظالم الناس، فهدمت صوامع، قاله: مجاهد. وقال أبو الدرداء معنى: لولا أن الله يدفع بمن في المساجد عمن ليس في المساجد، وبمن يغزو عمن ليس يغزو. لأتاهم العذاب ولاختلفوا، فهدمت صوامع. قال مجاهد والضحاك: هي صوامع الرهبان يبنونها على الطريق. وقال قتادة: هي صوامع الصابئين. وقال البيع: بيع النصارى. وقال مجاهد: البِيَع: كنائس اليهود. وقال ابن زيد: البيع: الكنائس. وقال ابن عباس: الصلوات: الكنائس، يعني: ومواضع صلوات. وقال الضحاك: هي كنائس اليهود، يسمون الكنائس صلوات، وقاله: قتادة. وقال أبو العالية: الصَّلَوَاتُ: مساجد الصابئين. وقال مجاهد: هي مساجد لأهل الكتاب، ولأهل الإسلام على الطرق. وقال ابن زيد: هي صلوات أهل الإسلام، تنقطع إذا دخل العدو عليهم. يعني النوافر. قال: وتهدم المساجد كما صنع بختنصر. وقوله: "وَمَسَاجِدُ" قال قتادة: هي مساجد المسلمين. * * * وقوله: ﴿يُذْكَرُ فِيهَا ٱسمُ ٱللَّهِ﴾. يعني: في المساجد، لأنها أقرب إلى الضمير من غيرها. وقيل الضمير في "فيها" يعود على جميع ما ذكره ومعناه: يذكر فيها اسم الله في وقت شرائعهم وإقامتهم للحق. قال خصيف: أما الصوامع، فصوامع الرهبان وأما "البيع"، فكنائس النصارى، وأما "الصلوات" فكنائس اليهود، وأما "المساجد" فمساجد المسلمين. ومعنى: "وصلوات" أي: مواضع صلوات، قاله: أبو حاتم. وقال الحسن: هدمها: تركها. وقال الأخفش: التقدير: وتركت صلوات. وقرأ عاصم الجحدري: "وصُلُوب" بالباء المعجمة، واحدة من أسفل من غير ألف بعد الواو، وضم اللام، يريد به الصلبان، كأنه اسم للجمع على فعول. وقرأه جعفر بن محمد، بإسكان اللام، وبالتاء المعجمة، باثنتين من فوق. ويروى أن مساجد اليهود تسمى صلوات. وعن مجاهد أنه قرأ: وَصِلْوِيتاً، بالياء والتاء، وبكسر الصاد والواو وإسكان اللام، وقال: هي القباب على شاطئ الأنهار. وقرأ الضحاك، بضم اللام من غير ألف بعد الواو على وزن فعول وبالثاء المعجمة، ثلاثة من فوق. وروي: أن مساجد الصابئين تسمى صُلُوثاً، وبذلك قرأ الكبي أعني بالثاء المعجمة ثلاثاً من فوق. ومعنى: "لهدمت" لضيعت وتركت. ومن جعل الضمير في "يذكر فيها" يعود على المساجد خاصة، وقف على صلوات، وهو قول نافع. * * * ثم قال: ﴿وَلَيَنصُرَنَّ ٱللَّهُ مَن يَنصُرُهُ﴾ أي: وليعينن الله من يقاتل في سبيله فيجعل كلمته العليا، كما أنه إنما يقاتل لتكون كلمة الله هي العليا. ﴿إِنَّ ٱللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾ أي: قوي على نصر من جاهد في سبيله، ونصر دينه منيع لا يغلبه غالب.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.