الباحث القرآني

قوله تعالى ذكره: ﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي ٱلأَرْضِ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾. هذا تقرير وتوبيخ للكفار من قريش وغيرهم. ومعناه: أفلم يسر هؤلاء المكذبون بك يا محمد، فينظروا إلى مصارع أشباههم من الأمم المكذبة للرسل قبلهم، فيخافوا أن يحل عليهم مثل ذلك بتكذيبهم لك، فيرجعوا عن التكذيب إلى الإقرار والتصديق لك، ويفهموا ذلك بقلوبهم، ويسمعوه بآذانهم. وقوله: "فَتَكُونَ" جواب النفي. وقيل: هو جواب الاستفهام والمعنى: قد ساروا في الأرض فلم تكن لهم قلوب يعقلون بها مصارع من كان قبلهم من الأمم الماضية، يخاطب قريشاً، لأنهم كانوا يسافرون إلى الشام فيرون آثار الأمم الهالكة، فهو في المعنى: خبر فيه تنبيه وتقرير إخبار عن أمر قد كان. كما قال: ﴿أَلَمْ نَشْرَحْ لَكَ صَدْرَكَ﴾ [الشرح: ١]. أي: قد شرحنا لك صدرك. ونصب "فَتَكُون" عند الكوفيين على الصرف، إذ معنى الكلام الخبر، فكأنهم صرفوه عن الجزم على العطف على يسيروا، فلما صرف عن الجزم، رد إلى آخر الجزم وهو النصب، فهذا معنى الصرف عندهم. * * * ثم قال تعالى: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾. أي: فإن القصة لا تعمى أبصارهم أن يبصروا بها الأشخاص، ولكن تعمى قلوبهم التي في صدورهم عن إبصار الحق ومعرفته. قال قتادة: البصر: الناظر بلغة ومنفعة والبصر النافع في القلب. وقال مجاهد: ليس من أحد إلا له عينان في رأسه وعينان في قلبه فأما اللتان في الرأس فظاهرتان يبصر بهما الظاهر، وأما اللتان في القلب، فباطنتان يبصر بهما الغيب، وذلك قول الله عز وجل: ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ وَلَـٰكِن تَعْمَىٰ ٱلْقُلُوبُ ٱلَّتِي فِي ٱلصُّدُورِ﴾. وقال ابن جبير: نزل في ابن أم مكتوم وكان أعمى ﴿فَإِنَّهَا لاَ تَعْمَى ٱلأَبْصَارُ﴾ الآية. فالمعنى: لا تعمى الأبصار السالمة عن رؤية ما تعتبر به، ولكن تعمى القلوب عن رؤية الدلالات على صحة ما تعاينه الأبصار. * * * وقوله: ﴿فِي ٱلصُّدُورِ﴾ توكيد، لأنه قد علم أن القلب لا يكون إلا في الصدور، ولكن أكده به كما قال: ﴿يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم﴾ [آل عمران: ١٦٧] وكما قال: ﴿وَلاَ طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ﴾ [الأنعام: ٣٨]. * * * ثم قال: ﴿وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِٱلْعَذَابِ وَلَن يُخْلِفَ ٱللَّهُ وَعْدَهُ﴾. أي: ويستعجلك يا محمد مشركوا قومك بما تعدهم به، من عذاب الله على شركهم به، وليس يخلف الله وعده الذي وعدك فيهم من إحلال عذابه عليهم. * * * ثم قال: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾. يعني: أحد الأيام التي خلق الله فيها السماوات والأرض. قاله ابن عباس، وقاله مجاهد وهي ستة أيام، كل يوم مقداره ألف سنة مما تعدون. وعن ابن عباس أن ذلك هو اليوم من أيام الآخرة في مقدار الحساب. وروى أبو هريرة أن فقراء المسلمين يدخلون الجنة قبل الأغنياء بمقدار نصف يوم، فقيل له: وما نصف يوم؟ فقال: أو ما تقرأ القرآن: ﴿وَإِنَّ يَوْماً عِندَ رَبِّكَ كَأَلْفِ سَنَةٍ مِّمَّا تَعُدُّونَ﴾ فهذا يدل على أن المراد بالآية أيام الآخرة، وهو قول عكرمة. وروي أيضاً عن مجاهد وهو قول ابن زيد. ومعنى إضافة ذكر اليوم إلى الاستعجال بالعذاب، أنهم استعجلوا العذاب في الدنيا التي أيامها قليلة قصيرة، فاعملوا أن العذاب يحل بهم في وقتٍ اليوم منه كألف سنة من سني الدنيا، فذلك أبقى لعذابهم وأشد. وقيل: المعنى، أن الله جلّ ذكره أعلمهم أن الأيام التي بقيت لهم ويحل عليهم العذاب قليلة عنده، إذ اليوم عنده كألف سنة مما تعدون فوقت العذاب عندكم بطيء أيها المشركون، وهو قريب عند الله. وقيل معنى ذلك: وأن يوماً في الشدة والخوف في الآخرة كألف سنة من أيام الدنيا فيها شدة وخوف وصعوبة، وهذا قول حسن. وقيل: المعنى، وإن مقدار يوم واحد من أيام الدنيا يعذب فيه الكافر في الآخرة كمقدار ألف سنة من الدنيا، يعذب فيها الكافر لو عذبه فيها ذلك المقدار. وذلك في كثرة الآلام والغموم، فالشدة على المعذبين، أجارنا الله من ذلك. قال بعض المفسرين، وكذلك سبيل المنعم عليه في الجنة، ينال فيها من اللذة والنعيم في قدر يوم من أيام الدنيا مثل ما كان ينال في نعيم الدنيا ولذتها في ألف سنة لو نعم فيها منعماً مسروراً. * * * ثم قال: ﴿وَكَأَيِّن مِّن قَرْيَةٍ أَمْلَيْتُ لَهَا وَهِيَ ظَالِمَةٌ﴾: أي: وكم من أهل قرية أمهلتهم وأخرت عذابهم "وهم ظالمون" أي: مشركون بالله، ثم أخذتهم بالعذاب. واستغنى عن ذكر العذاب لتقدم ذكره، فعذبتهم في الدنيا بعد الإمهال وإلى المصير في الآخرة، فيلقون عذاباً لا انقطاع له. وفي الكلام حذف. والتقدير: فكذلك حال مستعجليك بالعذاب يا محمد، فإن أمليت لهم إلى آجالهم، فإني آخذهم بالعذاب في الدنيا بالسيف والمصائب ثم يصيرون إلي في الآخرة فيصل بهم العذاب المقيم. كل هذا تخويف ووعيد وزجر للكفار من قريش وغيرهم. * * * ثم قال: ﴿قُلْ يٰأَيُّهَا ٱلنَّاسُ إِنَّمَآ أَنَاْ لَكُمْ نَذِيرٌ مُّبِينٌ﴾. أي: قل يا محمد لمشركي قومك إنما أنذركم عذاب الله أن يحل بكم في الدنيا والآخرة "مُبِينٌ" أي: أبين لكم إنذاري وأظهره لتحذروا وتزدجروا وتتوبوا من شرككم لم أملك لكم غير ذلك، فأما استعجالكم بالعذاب، فليس ذلك إلي، إنما هو إلى الله جلّ ذكره. ثم وصف مَنْ قبل إنذاره وآمن به فقال: ﴿فَٱلَّذِينَ آمَنُواْ وَعَمِلُواْ ٱلصَّالِحَاتِ﴾: أي، منكم ومن غيركم ﴿لَهُمْ مَّغْفِرَةٌ﴾ أي، ستر من الله على ذنوبهم التي سلفت، ﴿وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾ أي: الجنة. ثم وصف من لم يقبل إنذاره وتمادى على كفره فقال: ﴿وَٱلَّذِينَ سَعَوْاْ فِيۤ آيَاتِنَا مُعَاجِزِينَ﴾ أي: عملوا في الصد عن أتباع النبي عليه السلام، وترك الإقرار بما جاء به ورد آيات الله، والتكذيب بهما. ومعنى: ﴿مُعَاجِزِينَ﴾: معاندين، قاله: الفراء. وقال ابن عباس: معاجزين: مشاقين. وقال قتادة: سابقين، قال: ظنوا أنهم يعجزون الله ولن يعجزوه. وقيل: معناه معاندين للنبي ﷺ مغالبين له، يفعلون من ذلك ما يظنون أن النبي ﷺ يعجز عن رده وإنكاره. ومن قرأه مُعْجِزِينَ بغير ألف مشدداً، فمعناه مثبطين مبطئين. تأويله يتبطون الناس ويبطئونهم عن اتباع النبي عليه السلام. * * * ثم قال تعالى: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ إِلاَّ إِذَا تَمَنَّىٰ أَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾. قوله: "من رسول ولا نبي": يدل على أن النبي هو المرسل، وأن المرسل نبي، لأنه أوجب في الآية للنبي الرسالة، لأن معنى نبي: أنبأ عن الله، ومعنى أنبأ عن الله: هو أخبر عن الله بما أرسله به، فالنبي رسول والرسول نبي. وقد قال قوم: كل رسول نبي وليس كل نبي رسول، وهذه الآية تدل على القول الأول. ومعنى الآية عند أهل القول الثاني: وما أرسلنا من قبلك من رسول إلى أمة ولا نبي محدث ليس بمرسل. وكان نزول هذه الآية، أن الشيطان ألقى لفظاً من عنده على لسان النبي ﷺ، فيما كان يتلوه من القرآن، فاشتد ذلك على رسول الله فسلّى الله بهذه الآية. قال محمد بن كعب القرظي ومحمد بن قيس: جلس رسول الله ﷺ في نادٍ من أندية قريش، كثير أهله، يتمنى ألا يأتيه من الله شيء، فينفروا عنه، فأنزل الله تعالى: ﴿وَٱلنَّجْمِ إِذَا هَوَىٰ﴾ [النجم: ١] فقرأها النبي ﷺ، حتى إذا بلغ. "أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى"، ألقى الشيطان في تلاوته كلمتين "تلك الغرانيق العلى وأن شفاعتهم ترجى". فتكلم بها ثم مضى فقرأ إلى آخر السورة كلها فسجد وسجد القوم معه جميعاً ورضوا بما تكلم به وقالوا: قد عرفنا أن الله يحيي ويميت وهو الذي يخلق ويرزق، ولكن آلهتنا تشفع لنا عنده إذا جعلت لها نصيباً فنحن معك. فلما أمسى النبي أتاه جبريل عليه السلام، فعرض عليه السورة، فلما بلغ الكلمتين اللتين ألقى الشيطان عليه قال جبريل ﷺ: ما جئتك بهاتين. فقال رسول الله ﷺ: افتريت على الله، وقلت على الله ما لم يقل، فأوحى الله تعالى إليه ﴿وَإِن كَادُواْ لَيَفْتِنُونَكَ عَنِ ٱلَّذِي أَوْحَيْنَآ إِلَيْكَ لِتفْتَرِيَ عَلَيْنَا غَيْرَهُ وَإِذاً لاَّتَّخَذُوكَ خَلِيلاً﴾ [الإسراء: ٧٣] إلى قوله: ﴿ثُمَّ لاَ تَجِدُ لَكَ عَلَيْنَا نَصِيراً﴾ [الإسراء: ٧٥] فما زال النبي ﷺ مغموماً بذلك حتى نزلت: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ﴾ إلى قوله: ﴿وَٱللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وعلى هذا المعنى ذكره ابن جبير وأبو معاد. وقال ابن عباس في الآية أن النبي ﷺ بينما هو يصلي إذ نزلت عليه قصة آلهة العرب، فجعل يتلوها، فسمعه المشركون، فقالوا: إنا سمعناه يذكر آلهتنا بخير، فدنوا منه فبينما هو يتلوها وهو يقول: أفرأيتم اللات والعزى ومناة الثالثة الأخرى، ألقى الشيطان أن تلك الغرانيق العلى منها الشفاعة ترتجى فجعل يتلوها، فنزل جبريل عليه السلام فنسخها قال له: ﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلاَ نَبِيٍّ﴾ إلى ﴿عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾ وكذلك رواه ابن شهاب على هذا المعنى وان اختلفت الألفاظ. وقيل: معنى الآية: هو ما يقع للنبي ﷺ من السهو والغلط إذ قرأ فينتبه إلى ذلك أو ينبهه الله عليه، فيرجع عنه كما يعرض له من السهو في الصلاة، فنسخ الله لذلك هو تنبيه نبيه عليه. * * * وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾. هو رجوع النبي ﷺ عن سهوه وغلطه إلى الصواب، كل بلطف الله وتيسيره له. * * * وقوله: ﴿وَأَلْقَى ٱلشَّيْطَانُ فِيۤ أُمْنِيَّتِهِ﴾ أي: وسوس إليه فغلطه في قراءته. وقوله: ﴿لِّيَجْعَلَ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ فِتْنَةً لِّلَّذِينَ فِي قُلُوبِهِم مَّرَضٌ﴾. هو أن المشركين والمنافقين كانوا يطلبون على النبي عليه السلام زلة أو غلطاً يطعنون بذلك عليه. فإذا غلط في قراءته أو سهى، تلقوا ذلك بالقبول، وقالوا: رجع عن بعض ما قرأ، فأنزل الله تعالى هذه الآية يبين فيها أن الغلط والسهو لا حجة فيهما على النبي ﷺ، ولا طعن، لأنه شيء يجوز على جميع الخلق، ولا يمتنع من ذلك أحد إلا رب العالمين، فأخبرهم أن الأنبياء قبل محمد والرسل هكذا كانوا، فلا نقص في ذلك على محمد ﷺ. وقد استدل بعض الناس على أن كل نبي رسول وكل رسول نبي بهذه الآية، لأنه قال في النبي والرسول: إذا تمنى، أي قرأ ما أرسل به إلى قومه، فكلاهما مرسل ونبي، وقال: إن الأنبياء إنما يصيرون أنبياء إذا أرسلهم الله إلى عباده، ومن لم يرسله الله إلى عباده فليس بنبي، كما لا يكون رسولاً. والذي عليه أكثر الناس، أن كل رسول نبي وليس كل نبي رسولاً. والرسل قليلون، والأنبياء كثيرون. وقد ذكرنا عدة هؤلاء وهؤلاء في غير هذا الموضع، وعلى هذا دلائل كثيرة تدل على صحته يطول ذكرها. ومعنى: "إذا تمنى" إذا تحدث في نفسه. وقال ابن عباس: "إذا تمنى" إذا حدث. وقال الضحاك: إذا قال. وقال مجاهد: إذا تلا وقرأ. وقيل: إن قوله: (والغرانيق العلى) عنى بها الملائكة، وكذلك الضمير في وأن شفاعتهم ترتجى، هو للملائكة . واختار الطبري أن يكون تمنى، بمعنى حدث، إذا حدث ألقى الشيطان في حديثه. وقيل: معنى الآية، أن النبي ﷺ إذا حدث نفسه، ألقى الشيطان في حديثه على جهة الحيلة فيقول: لو سألت الله أن يغنمك كذا ليتسع المسلمون، ويعلم الله الصلاح في غير ذلك، فيبطل ما يلقى الشيطان. وحكى الكسائي والفراء "تمنى" بمعنى حدّث نفسه. * * * وقوله: ﴿فَيَنسَخُ ٱللَّهُ مَا يُلْقِي ٱلشَّيْطَانُ﴾ أي: يبطله، من قولهم: نسخت الشمس الظل. * * * وقوله: ﴿ثُمَّ يُحْكِمُ ٱللَّهُ آيَاتِهِ﴾ أي يخلصها من الباطل الذي ألقى الشيطان. والله عليم بما يحدث في خلقه من حدث، حكيم في تدبيره إياهم.
    1. أدخل كلمات البحث أو أضف قيدًا.

    أمّهات

    جمع الأقوال

    منتقاة

    عامّة

    إسلام ويب